ابن عبد ربه.. الأديب الأخباري العلامة

ابن عبد ربه.. الأديب الأخباري العلامة

اسمه ونشأته:

أحمد بن محمد بن عبد ربه، أبو عمر القرطبي الأندلسي، الأديب الأخباري العلامة، وُلِدَ ابن عبد ربه في رمضان سنة 246هـ، وهو أحد الذين أثروا بأدبهم بعد الفقر.

نشأ محبًّا للهو وإدمان الخمر في مقتبل حياته، بيد أنه عكف بعد ذلك على التوبة، ومن ثم تحمَّل الأوجاع وهو قعيد الفراش بداء الفالج في نهايات مسيرته.

نشأته في قرطبة:

نشأ ابن عبد ربه في قرطبة، تلك المدينة المزدهرة في عصره، الزاهية نهاراً والمضيئة ليلاً، والتي تعتبر عاصمة الأندلس، وعروس مغرب الإمبراطورية العربية.

نشأ وترعرع في أزقتها النظيفة، ورضع من لبان ثقافتها وبهجتها، وشاهد بأمِّ عينيه أُنسها وسرورها، فطُبِعَ ذلك كله في نفسه وفي “عِقده الفريد” وفي شعره أيضاً.

استثمار وقته:

على أن ابن عبد ربه، لم يكن ذلك الفتى المدلل الموصوف بالتهوُّر، بحيث يفني وقتهُ أيامه بالسُكر والسماع، بل إنه أخذ كذلك من مدينته ومعشوقته قرطبة العلوم المعاصرة، وثقَّفَ نفسه بما هو معروف في بلدته من فقه ودين وأدب ونحو وتاريخ وفلسفة.

لعله أيضاً لم يحتج للمال وذلك إما لكثرته لديه، أو لأن بعض الأمراء كان يقدِّم له جُعلاً ثابتاً، أو أنه شغل بعض المناصب، ويقول الدكتور محمد التونجي، الذي حقق ودرس ديوان ابن عبد ربه الأندلسي، إن صاحب العِقد الفريد لم يكن سيء الأحوال كثيراً، على الأقل في بعض أيامه، ذلك أن الحميدي هو الوحيد الذي لمَّح إلى فقر ابن عبد ربه في أول أمره، ثم إثرائه بسبب علمه.

مواقف صعبة:

لا يعني أن حياة ابن عبد ربه كانت سعادة كلها، أو أنه لم يتألم أو يتأثر يوماً، بل على العكس من ذلك، فقد مرَّ بأحداث جِسام تواجه أيَ إنسانٍ آخر، وهو ما يكشفه في شعره.

فقد خسِر ابن عبد ربه ولدين في حياته، وكانا أثيرين لديه، أحدهما يحيى الذي رثاه بعدة قصائد تعبِّر عن جرحةٍ في الفؤاد أليمة، و أصيب هو نفسه بالفالج الذي أقعده في بيته عدة سنين، كما أنه شكا من جور الزمان، دون أن يلمِّح إلى نوعية الشدة التي قضَّت مضجعه وهزَّت أركان حياته.

مكانة ابن عبد ربه الأندلسي العلمية:

عالم الأندلس بالأخبار والأشعار، وأديبها، وشاعرها، كتب الناس تصنيفه وشعره، وكان شاعراً مذكوراً فغلب عليه الاشتغال في أخبار الأدب وجمعها، وكان أحد الفضلاء، وكان من العلماء المكثرين من المحفوظات والاطلاع على أخبار الناس، سمع من بقيِّ بن مَخْلَد ومحمد بن وضَّاح، قال عنه الذهبي: “كان موثَّقاً نبيلاً بليغاً شاعراً”.

شعره في الذروة العليا، وله ديوان شعر جيد، منه ما سمَّاه (الممحَّصات) وهي قصائد ومقاطيع في المواعظ والزهد، نقض بها كل ما قاله في صباه من الغزل والنسيب، ومن شعره:

 

يا ذا الذي خَطَّ العِـــــــذارُ بِخدِّهِ *** خَطينِ هاجَا لَوْعَـــــةً وبَلابِلا

ما صَحَّ عِندي أنَّ لَحْظَكَ صَارِمٌ *** حَتَّى لَبِسْتَ بِعارِضَيْكَ حَمَائِلا

ومن شعره قصيدته التي مدح فيها المنذر بن محمد أحد ملوك الأندلس:

بالمنذر بن محمــدٍ *** شرفت بلاد الأندلــــس

فالطير فيها سـاكن *** والوحش فيهـا قد أنس

كتب الأديب ابن عبد ربه:

- العقد، وأضاف النُّسَّاخ المتأخرون لفظ (الفريد)، فأصبح اسمه «العقد الفريد»، قال عنه ابن العماد: “حوى كتابه «العقد» كل شيء”، وقال عنه ابن خَلِّكان: “وهو من الكتب الممتعة حوى من كل شيء”.

- أرجوزة تاريخية ذكر فيها الخلفاء وجعل معاوية رضي الله عنه رابعهم، ولم يذكر علياً رضي الله عنه.

- أنساب العرب.

- أخبار المتنبي.

- الممحَّصات.

العقد الفريد:

يعتبر كتاب “العقد الفريد” صورة جلية تكشف اللثام عن ثقافة ابن عبد ربه الواسعة، ونوعية مطالعاته، إذ يمكن لقارئه أن يرى التاريخ، والأدب، والتمحيص في النوادر واللطائف، ومطالعة الدواوين، والعمق في السيرة النبوية، ودراسة أخبار الصحابة والتابعين، كما يلمس تعمقه في الفقه وعلوم القرآن الكريم والحديث الشريف.

ويمكن لمن يقلب صفحات “العقد الفريد” أن يكتشف مقدار تبحُّر ابن عبد ربه في علم العَروض والقوافي، وعلى كُتب النحو والصرف واطلاعه على حياة الخلفاء الأمويين والعباسيين، ليقف القارئ معجباً أمام هذا الأسلوب الجلي المتين الذي يذكِّره بأسلوبي الجاحظ أو الراغب الإصبهاني، بحسب ما ذكره الدكتور محمد التونجي.

بعضُ الطرائف الواردة في “العقد الفريد”:.

كتابُ “العقد الفريد” غني بمحتواه الإخباري والأدبي، لكننا سنورِد بعض الطرائف التي ساقها ابن عبد ربه في مؤلفه الشهير، وذلك نقلاً عن غيره.

ويروي ابن عبد ربه عن إبراهيم الشيباني قولهُ: مررّتُ ببهلول المجنون وهو يأكل خبيصاً؛ فقلت : أطعمني.. قال: ليسَ هو لي، إنما هوَ لعاتكة بنت الخليفة، بعثتهُ إليَّ لآكله لها.

وفي قصةٍ لطيفةٍ أخرى يرويها ابن عبد ربه؛ فقد دخَلَ أبو عتاب على عَمرو بن هَذاب وقد كُفَّ بصرهُ والناسُ يعزونه؛ فقالَ له: أبا يزيد، لا يسوءك فقدُهما، فإنك لو دَريت بثوابهما تمنيتَ أنَّ الله قَطَعَ يديكَ ورجليكَ ودقَّ عنقَك.

وفي قصِّةٍ ثالثةٍ ينقلها صاحِبُ “العقد الفريد”، فقد دخل رجلٌ من النوكى على الشعبي وهو جالس مع إمرأته، فقال أيُّكما الشعبي؟ فقال الأخير: هذه مشيراً إلى زوجته، فقال: ما تقول أصلحكَ الله في رجل شتمني أولَ رمضان، هل يُؤجَر؟ فقال الشعبي: إن كانَ قالَ لكَ “يا أحمق”، فإني أرجو له.

آراء العلماء فيه:

يقول المقَّريُّ عن ابن عبد ربه : عالمٌ ساد بالعلم ورأَس، واقتبس به ما اقتبس، وشهر بالأندلس حتى سار إلى المشرق ذكره، واستطار شرر الذكاء فكره، وكانت له عناية بالعلم وثقة، ورواية له متسقة، وأما الأدب؛ فهو كانت حُجته، وبه غمرت الأفهام لُجتُه، مع صيانة وورع، وديانة وردَ ماءها فكرع، وله التأليف المشهور الذي سماه بالعقد الفريد...

أمّا ابن خلِّكان؛ فيقول عن صاحب العقد الفريد: إنه من العلماء المُكثرين من المحفوظات والاطلاع على أخبار الناس، ومع ذلك نراه يشتهر بالأدب أكثر من شهرته بالعلم والفقه، وبأدبِ أهل المشرق بخاصة، حتى قال الصاحب عن عِقده : ” هذه بضاعتنا رُدَّت إلينا”.

بدوره؛ يقول أبو عبد الله الحميدي عن ابن عبد ربه: ” خطُّه حجةٌ عند أهل العلم عندنا، لأنه كان عالماً ثبتاً، وكان لأبي عمر بالعلم جلالة، وبالأدب رياسة وشهرة، مع ديانته وصيانته، واتفقت له أيامٌ وولايات للعلم فيها نفاقٌ، فساد بعد خُمول، وأثرى بعد فقر، وأشير بالتفضيل إليه، إلا أنه غلب الشِّعر عليه، ولعلهُ الوحيد الذي يعتبر مقامه الشعري فوق أي معرفة له”.

وفاته:

وُجِدَ الأديب ابن عبد ربه ميتاً في منزله بعد أيام من وفاته دون أن يعلم به أحد، وكان ذلك يوم الأحد 18 جمادى الأولى سنة 328هـ (940 م)، وله 82 سنة، ثم نُقِل ليُدفن في قرطبة، وكان قد أصابه الفالج قبل ذلك بأعوام.


المصادر:

الأعلام (1/207).

- بغية الوعاة (1/371/رقم 727).

- سير أعلام النبلاء (15/283/رقم 126).

- شذرات الذهب في أخبار من ذهب (4/146).

- العبر في خبر من غبر (2/29). وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (1/110/رقم 46).

- ديوان ابن عبد ربه الأندلسي، مع دراسة لحياته وشعره، تحقيق وشرح الدكتور محمد التونجي، دار الكتاب العربي، بيروت عام 1993 م.

(المصدر: موقع تاريخ taree5com).

 

التعليقات (0)