الأرضي ومدونته التاريخية

الأرضي ومدونته التاريخية

عبدالله صالح حداد

لا يخرج المؤرخون الحضارمة الأوائل عن اثنين: مؤرخ حوادث أو كاتب سير وتراجم، وفي الحقيقة أنهم لم يكونوا بدعا في هذا المجال خاصة إذا ألقينا نظرة إلى مؤلفات القدماء ومنهم اليمنيون.

إن أول من أرخ لتاريخ حضرموت هو التريمي المجهول الاسم الذي وضع كتابا أسماه (الياقوت الثمين)، وكان يتعلق بالتراجم والحوادث. ثم تلاه المؤرخ ابن حسان المتوفى في 808هـ بريدة المشقاص، وله تواريخ في وفيات الأعيان ومواليدهم.

وفي العاشر نلتقي بالمؤرخ الذي عرف بـ:(شنبل) المتوفى سنة 920هـ وسمى كتابه التاريخ الأكمل والأقدم وقد حقق أخيرا. وقد بناه حسب السنين وأرخ فيه للحوادث المحلية. ويليه المؤرخ الفقيه عبد الله محمد باسخله الشحري المتوفى سنة 977هـ، الذي سمى كتابه (العقد الثمين الفاخر من أوائل القرن العاشر)، وكان مرتبا على السنين. ولم يأت المؤرخان عبد القادر بن شيخ العيدروس (ت 1048هـ)، ومحمد عمر بافقيه، الملقب بالطيب الشحري (ت 1011هـ)، كما يقول عبد الله الحبشي محقق العدة المفيدة، إلا والطريق ممهد لهما في تاريخ القرن العاشر. و(النور السافر في تراجم القرن العاشر) وتاريخ الطيب الموسوم بـ:(تاريخ القرن العاشر وحوادثه). ونفس الحال عند الشلي (ت 1093هـ) وعند ابن حميد (ت 1347هـ).

إن الشيخ سالم عوض باسباع وهو الشخص الذي استقى المؤرخ محمد عبد القادر بامطرف من كتابه (بهجة السمر) قصة أحداث الغزو البرتغالي على الشحر، التي ضمنها كتابه المشهور (الشهداء السبعة)، هو أحد سكان الشحر وتوفي بها عام 950هـ، وكان ربانا لإحدى السفن وتقاعد بعد أن أصيب بداء الروماتيزم، ولكنه كان يدون الحوادث يوما بيوم ومنها أحداث الغزو البرتغالي، وقد وصفه بامطرف بأنه مؤرخ كبير.

كان ربابنة السفن يسجلون رحلاتهم البحرية والطرق الملاحية والحوادث وغير ذلك يوميا، وتعرف بـ:(الروزنامة)، وقد أصبحت هذه عادة الربان باسباع منذ شبابه. هذه العادة، أو عادة تسجيل الحوادث لم تنقطع إلى يوم الناس هذا، ولم تقتصر على ربابنة السفن بل عند الكثير من اليمنيين، ومنهم الشيخ مبارك صالح الأرضي، أو اللرضي، وهو ما نود الحديث عنه وعن مدونته الآن.

والشيخ مبارك صالح من أهالي الشحر. ولد فيها في نهاية القرن الثاني عشر الهجري، وتوفي بها في 25 رجب 1384هـ الموافق 29 نوفمبر 1964م، وعاش جُل حياته في مسقط رأسه، رجلا متوسط الحال، يعمل بتجارة التجزئة. ويقع بيته على فوهة السوق الرئيسي لمدينته، مما جعله يطل مباشرة على الأحداث المحلية وغير المحلية.

كنت قد سمعت عن هذا الشيخ المؤرخ سابقا غير أني لم أطلع على شيء من أعماله. وفي الأيام الأخيرة من أكتوبر 1995م، كنت في جلسة مع بعض الأصدقاء نتحدث في الأشياء التي تعن لنا ومنها التاريخ، فتفضل حفيد المؤرخ الصديق العزيز محسن علي مبارك الأرضي بالإشارة إلى وجود أوراق من مدونات جدّه اليومية. ثم أطلعني عليها مشكورا في اليوم التالي.

كانت تلك الأوراق التي استطعت أن أجمعها في سجلين غير كاملين في حالة غير جيدة، وجعلني هذا أنتقد صديقي على إهمالها. وقد عذرته حيث كان صغيرا لا يدرك أهمية مثل هذه المدونات عند وفاة جده المؤرخ.

وفي هذين السجلين نجد أن المؤرخ الأرضي بدأ في تسجيل أحداث مدينته ومنطقته وأحداث أخرى عالمية منذ يوم الاثنين 25 شوال 1359هـ (25 نوفمبر 1940)، وحتى 22 ربيع الثاني 1380هـ (30 أكتوبر 1960) أي أنه استمر يدون يوميا تلك الأحداث ولمدة عشرين عاما متواصلة.

وأظن أن هذا ليس كل ما دوّنه المؤرخ الأرضي. ففي غلاف منفصل لأحد السجلات، قد لا تكون له علاقة بالسجل، نجد حسابا تجاريا حرر في 1935م. وقد أشار الصديق محسن بأن هناك أوراقا أخرى تمزقت من فعل البلى فهي تتقطع عند ملامستها أو ثنيها. وأحد السجلين في حالة شبيهة بتلك وبعض أوراقه مفقودة، وهذا يوحي بأن المؤرخ الأرضي كان يدوّن الأحداث من قبل التاريخ الذي سجلناه واعتمدناه وحسب ما هو موجود بالسجلين المحفوظين الآن.

غير أني أشك في هذه المسألة، فأحيانا كثيرة نجده يؤرخ لحادثة بعيدة استطرادا عند ذكره لحادثة قريبة، فمثلا عند ذكره لبيع آل باشراحيل محلاتهم التجارية الكائنة بالسوق والمعروفة بالعكف الشرقي، أشار إلى أن العكف الغربي يواجهه، وقد بناه آل بوسبعة من تجار المكلا، وعند نهاية بنائه حدثت هدّة (عراك) بين حيي عقل باعوين وعقل باغريب، وكان ذلك في عام 1328هـ.

وقد اهتم في مدونته بتسجيل حوادث عظيمة وعلى المستوى العالمي وحوادث أخرى بسيطة جدا كشراء حمولة حطب أو يوم حجامته أو ختان أطفاله أو تنظيف الحمامات. إلا أن هذه الأمور لا تخلو من فائدة، فهي تعطي الدارس فكرة عن محتاجات الأسرة وأنواعها وأسعارها والأشخاص الذين يقومون بخدمات اجتماعية هامة رغم صغرها أو حقارتها في نظر البعض.

وتتنوع مدونات الأرضي بين الوفيات والمواليد والتعيينات الجديدة للنواب والقضاة والعسكريين والحروب والغارات وحوادث النهب والقتل وصلح القبائل مع الحكومة والاحتفالات والزيارات الموسمية والصادرات والواردات وصرف العملة وأسعار المبيعات والخسوف والكسوف ومواسم السفن الشراعية، وغير هذا كثير.

ويحسن بنا أن نلتقط بعضا مما دوّنه في مذكرته أو مؤلفه الخاص لتسجيل الأحداث التي تناهت إلى سمعه. ولن نتدخل إلا قليلا في صياغتها بغية الاختصار قدر الإمكان. ولم نقصد باختيارنا بعض الأحداث دون بعض إلا لغرض التنوع ولإعطاء القارئ فكرة عن اهتمامات المؤرخ الأرضي بأحداث مجتمعه المختلفة.

- فاتحة القعدة 1359هـ وصل السلطان (الأمير) عوض بن صالح القعيطي إلى الشحر هو وزوجته لزيارة أهلها.

- فاتحة ربيع أول 1360هـ  قام صلح ما بين الدولة والحموم بيت علي وبيت شنين وبيت عجيل وبيت زرقاحة وبيت زين لمدة شهر واحد بنتهي إلى تاريخ 8 ربيع ثاني 1360هـ.

- الاثنين 7 نجم الغفر 18 ربيع ثاني 1361هـ دخلت الأربعينية أيام الحما والحر.

- في 27 جماد أول 1361هـ قبضوا الشيخ عقيل الذي سرق المربعة حق محمد سعيد زحفان.

- الجمعة 9 جماد أول 1362هـ خرج أهل البندر إلى برع البلد عند مسجد ابن إسماعيل بعد صلاة العصر يستسقون ويطلبون من الله الرحمة (المطر) والرخا في الأسعار.

- 20 جماد الآخر 1362هـ ابتاع خريف الحبس (مزرعة الدولة) البهار ب 75 روبية.

- يوم الثلاثاء 3 رجب 1362هـ حصل من الحكومة في بندر الشحر تفتيش في ديار العسكر (من يافع) على البنادق والرصاص، حِجة مبدوعة عسى في ذلك خير.

- 27 رمضان 1362هـ توجّهن السواعي إلى مسكت (مسقط) والبصرة وكراتشي.

- الأحد 11 صفر 1363هـ كويت أصبعي على يد عوض سعيد الكلالي.

- ليلة الأحد 16 ربيع ثاني 1363هـ طرّب الدولة الصرف القرش (ماريا تيريزا) بروبيتين وحرف لا زايد ولا قاصر.

- الاثنين 3 شعبان 1363هـ، 11 نجم البلدة زيارة مرضحين بعرف.

- 19 شعبان 1363هـ حصل تعبور على القراص (مكيال) والأرطال (وزن) في كل الدكاكين على يد النائب عمر أحمد باصرة.

- يوم الأربعاء 8 رمضان 1364هـ سلمت اليابان جاوى وبورما للدولة البريطانية وحلفائها وانتهى الحرب في الشرق بين الحلفاء واليابان.

- 22 الحجة 1368هـ وقع فرح لأهل الحويف (الأحياء) في شبواني كلين في حافته، السلطان عوض زاده ولد.

- يوم الاثنين 27 الحجة 1369هـ وصل القاضي عبد الله عوض بامطرف من أهل الغيل بدلاً عن القاضي عوض الجفري.

- 4 ربيع أول 1370هـ توفي نائب الشحر الشيخ عمر صالح بن الشيخ علي.

- يوم الخميس 12 ربيع أول 1370هـ عيد ميلاد حق النبي صلى الله عليه وسلم وضربوا (11) مدفع.

- ليلة الأربعاء وليلة الخميس 21/22 رمضان 1372هـ حصل تنوير في البلاد من شان الملكة حق بريطانيا طرحوا عليها التاج.

- ليلة الاثنين 15 محرم 1373هـ زواج عمر صالح بكار على بنت علي باشراحيل، سمحت لهم الحكومة في الزف بالهوك والشعر الى بيت العروس (كان ممنوعا بين أحياء المدينة).

- الاثنين 18 رحب 1373هـ عرس عند الشيخ مبروك جمعان دريقان حق ولد أخيه جمعان.. عنده مقام كبير، الله يبارك، من معه تجارة يلقي مثله وإلا لا يتعرض.

- الثلاثاء 23 شعبان 1373هـ الملكة حق دولة الانقريز باتصل إلى عدن تدرج على أملاكها، والمحاكم بندت موجب المكلا وعدن.

- 8 شوال 1374هـ أهل عقل باعوين (حي) طرحوا سعيد سالم قريشن باسباع مقدم عليهم.

- يوم الثلاثاء 15 القعدة 1374هـ حصل هوش من قبل البدو على موتر شامي وباصبيح في طريق حضرموت.. والهوش (النهب) جم ما هو قليل والله العالم كيف يسير الخبر هم والدولة.

- في 19 شوال 1375هـ توفي السلطان صالح بن غالب في بندر عدن وجابوه في الطيارة إلى الريان ودفن في المكلا بقبة يعقوب.

- في 23 جماد آخر 1377هـ وقع حريق عند سعيد عوض حداد في الحوش حق القصام كله أما البيت حقه سالم من العطال.

- 15 ربيع أول 1378هـ طرحت الحكومة إعلان بتطروبة في السوق بأن النواط (العملة الورقية) كلها تمشي السابقة والتالية بأمر الحكومة (فئة مئة شلن).

***

إن الذي يؤخذ على تدوين المؤرخ الأرضي هو أسلوبه العامي وكثرة الأخطاء النحوية والإملائية.. ويعلم الله أني لم أكن قد وقفت عند أية عبارة من عباراته، وكنت أفهمه جيدا، لكن ذلك ربما يرجع لكوني من أهل بلده الشحر، ويلاحظ أيضا عليه كثرة الألفاظ المستعملة محليا: كالطار للبرقية، والسنكر للسكر، والجبان لليابان، شلن جات للعملة الأفريقية الشلن، والأسبتال للمستشفى، والشوكي للشرطة، والرازميت لثكنة الجنود، والانقريز للإنجليز، والفرانصه للفرنسيين وهكذا، وهي على العموم ألفاظ كانت تستعمل في محيطه، وهي ذات أصول هندية أو جاوية أو إنجليزية عربت محليا.

رحم الله المؤرخ الأرضي وله منا جزيل الشكر.

الشحر  ديسمبر 1996م


العدد الخامس، يناير- مارس 1997م

المصدر: مجلة الفكر الصادرة عن جمعية المؤرخ سعيد عوض باوزير الثقافية

العدد الممتاز 43 - يناير 2021

https://wefaq.net/c/horizons/1486

 

 

التعليقات (0)