الأديب والمؤرخ محمد صبري السربوني

الأديب والمؤرخ محمد صبري السربوني

 

كان د. محمد صبري السربوني رائدا من رواد الدراسات الجامعية الذين جمعوا في دراستهم وتأليفهم وتدريسهم بين التاريخ والأدب وعلوم أخرى، وهو واحد من أبرز المفكرين المصريين المعاصرين الذين جمعوا التفوق في الأدب والتاريخ معا، كما تميز بقدرات نقدية عالية، وهو أول رئيس لمعهد المكتبات والوثائق بجامعة القاهرة الذى تحول إلى قسم، وظل كذلك حتى الآن.

ولد على أرجح الأقوال عام (1894) في قرية المرج مديرية القليوبية بالقرب من العاصمة، وتلقى تعليمه في الكُتاب، وتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة النحاسين الابتدائية بشارع باب الفتوح بالقاهرة، وفى أثناء أدائه امتحان الشهادة الابتدائية توفيت والدته، فانتابته حالة من الحزن الشديد عليها، واستغرقه حب الشعر فأدمن قراءته مما صرفه عن دراسته المدرسية حتى كاد حبه للشعر يجني على مستقبله، لكنه عاد وحصل على شهادة البكالوريا من منازلهم (1913)، ثم سافر إلى فرنسا لاستكمال دراسته على نفقته الخاصة (1913)، وفى باريس عكف على قراءة أشعار «لامارتين» و«هيجو»، وعاش الحياة الباريسية معجبا بالطبيعة والحضارة معًا، ثم عاد إلى مصر مع مقدمات الحرب العالمية الأولى بعد سنة واحدة قضاها في فرنسا، ولم يلبث أن سافر إلى باريس مرة أخرى (1915) فحصل على الليسانس (1919) وفى هذه الفترة كان زميلا للدكتور طه حسين الذي سبق وحصل على شهادة الليسانس (1918)، وفى هذا التوقيت (1919) سافر الوفد المصري إلى باريس، وهناك التقى السربوني مع أعضاء الوفد، وعمل في سكرتارية الوفد، واتصل اتصالا مباشرا برئيس الوفد المصري سعد زغلول باشا، وقد واصل دراسته في فرنسا حتى حصل على درجة دكتوراه الدولة، وهو أول مصري يحصل على شهادة دكتوراه الدولة في الآداب من السربون (1924)، ومن هنا جاءت تسميته المحببة إلى نفسه، وقد عاد بعدها إلى مصر، حيث عمل بالتدريس في الجامعة المصرية، وقبلها في مدرسة المعلمين العليا، كما عمل أستاذا للتاريخ في دار العلوم، كما انتدب لبعض الوظائف المهمة فكان مديرا للمطبوعات، ووكيلًا لدار الكتب المصرية، ثم انتدبته الحكومة للعمل كمدير للبعثة التعليمية المصرية في جنيف (1939)، ثم اختير ليكون أول عميد لمعهد المكتبات والوثائق عند إنشائه في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وهو المعهد الذي تحول بعد ذلك إلى قسم للمكتبات، ويبدو أن تعيين السربوني مديرا لهذا المعهد المبتكر في ذلك الوقت كان ذكاء طه حسين لاستغلال جهد السربوني وطاقته بعد أن تخطاه د. السنهوري في التعيين كمدير عام لدار الكتب (1946)، حين خلت هذه الوظيفة، وكان السربوني في ذلك الوقت نائبا لدار الكتب.

ولم يطل العهد بالسربوني في منصب عميد معهد الوثائق والمكتبات في جامعة القاهرة، إذ كان واحدا من الذين أخرجتهم الثورة من مناصبهم في بداية عهدها تحت شعار التطهير.

قدم السربوني الكثير من المؤلفات في الأدب والنقد، أبرزها سلسلة كتب عن الشعراء بدأها بكتابة «شعراء العصر» وقد نشره في شبابه من جزأين، ترجم فيه للشعراء محمود سامي البارودي، وإسماعيل صبري، وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم وغيرهم، وقد صدر الجزء الأول منه 1910 بمقدمة للأديب الكبير مصطفى لطفي المنفلوطي، ثم صدر الجزء الثاني بمقدمة للشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي، ثم أصدر كتبا عن محمود سامي البارودي، وإسماعيل صبري، وبعد ثلاثة عقود عاوده الحنين إلى الكتابة عن الشعراء وبدأ 1944 في إصدار سلسلة «الشوامخ» استهلها بكتاب عن «امرئ القيس» ثم «الشعر الجاهلي».. أعلامه وخصائصه، ثم «ذو الرمة» 1946 و«البحترى» 1946 و«أبو عبادة النجدي» 1946، وبعد أربعة عشر عاما أخرى نشر كتابه «شاعر القطرين... خليل مطران وأروع ما كتب» 1960، أما أشهر أعماله في هذا المجال فهو كتابه «الشوقيات المجهولة» 1961 الذى يكاد الآن أن يعرف به في المقام الأول، وفيه جمع قصائد شوقي المجهولة التي لم ترد في «الشوقيات» المطبوعة، وبهذا الكتاب يعود إليه الفضل في نشر مجموعة كبيرة من شعر أمير الشعراء أحمد شوقي، وقد طبعت دار الكتب هذا الكتاب أكثر من مرة، بالإضافة إلى هذه الدراسات القيمة عن الشعراء نشر كتابا بعنوان «أدب وتاريخ» وكتابا آخر بعنوان «ذكرى الماضي» وقد ضمنه مجموعة مقالاته في صباه.

وبجانب اهتماماته الأدبية كانت له اهتمامات سياسية وتاريخية وقومية خاصة بتاريخ مصر، وقد حظيت دراساته التاريخية ولا تزال تحظى بقيمة كبيرة منذ عمل على مساعدة الوفد المصري في فرساي بكتاباته التي تميزت بالقدرة البيانية، فضلا عن الإحاطة التاريخية الدقيقة، وقد أصدر باللغة الفرنسية عام 1919 الجزء الأول من كتابه «الثورة المصرية» وأصدر عام 1920 كتاب «المسألة المصرية» بالفرنسية، ثم أصدر عام 1921 الجزء الثاني من «الثورة المصرية» بالفرنسية أيضًا، ثم كانت رسالته للدكتوراه عن «نشأة الروح القومية في مصر» وقد صدرت بالفرنسية عام 1924 في باريس، ثم أصدر باللغة العربية كتابه «تاريخ مصر الحديث من عهد محمد على إلى اليوم» عام 1926، ومرجعين ضخمين عن «الإمبراطورية المصرية في عهد محمد على والمسألة الشرقية»، وقد صدر بالفرنسية، و«الإمبراطورية المصرية في عهد إسماعيل والتدخل الإنجليزي الفرنسي»، وقد صدر بالفرنسية، ونشر كتابًا آخر عن السودان المصري عام 1821 - 1948 وكتابا عن مصر في أفريقيا الشمالية، وله بالإضافة إلى هذا دراسات تاريخية متميزة منها «تاريخ الحركة الاستقلالية في إيطاليا» وعلى نحو ما أفاد سعد زغلول من موهبة السربوني فقد أفاد منه النقراشي عام 1947 حيث كلفه بوضع دراسة عن السودان. وفى عهد الثورة وعقب تأميم قناة السويس نشر السربوني كتابه «أسرار قضية التدويل واتفاقية 1888» عام 1957 وكتابه «فضيحة السويس» عام 1958، وفى هذه الكتب التاريخية اجتمعت الوطنية المتدفقة بالبحث العلمي الأصيل، وظهر نموذج نادر للمؤرخ الوطني الذي يملأ الحماس قلبه مع عقل ذكي، وأسلوب علمي.

ويذكر له أنه تمكن من دراسة وثائق قصر عابدين مستعينًا بأحد أصدقائه الذين يعرفون التركية، كما تفرغ للبحث عن الوثائق التاريخية التي تفيد بحوثه ضمن المجموعات الكثيرة المنتشرة في مكتبات العواصم الأوروبية، وتحفل دراساته الأدبية بتوظيف جيد للتاريخ والدراسات التاريخية، لتوسيع مدارك البحث وضبط أساليبه، أما دراساته التاريخية فتحفل بالروح التي منحتها حرارة الوجدان بالإضافة إلى دقة العلم وسعة الاطلاع، بالإضافة إلى كل هذا الجهد العلمي كان السربوني شاعرًا، وقد نشرت له الأهرام في شبابه قصيدة وطنية في أثناء الحرب الإيطالية على ليبيا، ونسبت القصيدة من باب الخطأ إلى الشاعر الكبير إسماعيل صبري باشا.

وعلى العموم كان السربوني أبرز نموذج لطراز العلماء الذين يستغرقهم علمهم حتى ينشغلوا عن العالم به، وهو طراز يقترب من البوهيمية لكنه غير بوهيمي... وتوفي السربوني يوم 18 يناير عام 1978.


(المصدر: مصرس 18 - 03 - 2012).

 

التعليقات (0)