عبد الواحد المراكشي

عبد الواحد المراكشي

صلاح الدين الهواري

ازدهرت حركة التصنيف في بلاد المغرب[1] في أيام الحكم الإسلامي، واتجه المصنفون في كتاباتهم اتجاهات متنوعة؛ فمنهم من كتب في التراجم والسير، ومنهم من اختص بالتواريخ والأحداث السياسية وأخبار الممالك والإمارات والملوك، ومنهم من صنف في علوم الأدب والشعر والفلسفة، وغير ذلك.

و«المعجِبُ في تلخيصِ أخبارِ المغرب» واحد من تلك المصنفات النفيسة التي عنيت بأخبار البلاد المغربية وسِيَر ملوكها وأمرائها ودويلاتها، ألَّفه أبو محمد، عبد الواحد بن علي المراكشي، استجابةً لطلب أحد الأعيان الرؤساء، الذي سأله إملاء أوراق تشتمل على بعض أخبار المغرب وهيئته وحدوده وأقطاره، وشيءٍ من سير ملوكه، وخصوصًا ملوك المصامدة بني عبد المؤمن، من لدن ابتداء دولتهم، إلى حدود سنة 621هـ/1225م، مع نبذة من سير الذين لقيهم أو روى عنهم من الشعراء، وأهل الفضل والرواية والأدب[2].

وقبل شروعه بتأليف الكتاب، اعتذر المراكشي لرئيسه عن أمور ثلاثة:

أولها: ضعف عبارته، وغلبة العي على طباعه.

وثانيها: عدم امتلاكه لكتاب في هذا الشأن يعتمد عليه، ويجعله مستندًا أو مرجعًا، على عادة المصنفين الذين سبقوه أو عاصروه.

وثالثها: قلة محفوظاته وتشتتها بسبب ازدحام همومه، وكثرة غمومه[3].

ويشتمل هذا الكتاب على فصول كثيرة، بدأها المؤلف بالحديث عن جزيرة الأندلس وحدودها ومدنها وقراها. ثم انتقل إلى أحداث فتحها، وسير ملوكها، ومن كان فيها من الفضلاء حتى نهاية حكم الأمويين. ثم توسَّع بذكر أخبار الأندلس بعد زوال الحكم الأموي، وأخبار من حكمها من متغلبين، ومرابطين، وموحدين.

ويمكننا تحديد منهج المؤلف في كتابه هذا بالنقاط الآتية:

♦ تصديره الكتاب بمقدمة تشتمل على دوافع تأليفه، وموضوعاته، وتتضمن اعتذارًا صريحًا عن قصر باعه فيما طُلب إليه تصنيفه.

♦ تقسيمه الكتاب إلى فصول تفاوتت في أحجامها، فبينما كان بعضها يقصر فلا يتجاوز الصفحتين أو الثلاث الصفحات، اتسع بعضها الآخر ليتجاوز الخمسين صفحة.

♦ تحديده لسمات منهجه فى جمع الأخبار، وسماع الروايات، وتدوين المشاهدات؛ فبعد اعترافه بالعجز عن كمال التأليف في مقدمة الكتاب، يقول في ختام حديثه عن دولة المصامدة: "هذا تلخيص التعريف بأخبار المصامدة... وإنما أوردنا من ذلك ما تدعو إليه الحاجة، وتجشم الضرورة من عُني بالأخبار إلى معرفته... ولم أثبت في هذه الأوراق المحتوية على دولة المصامدة وغيرها إلا ما حققته نقلًا من كتاب، أو سماعًا من ثقة عدل، أو مشاهدةً بنفسي؛ هذا بعد أن تحريت الصدق، وتوخيت الإنصاف في ذلك كله"[4].

♦ ذكره المصادر التي استقى منها مواد كتابه، وفي طليعتها كتاب[5] ابن أبي نصر فتوح الحميدي[6]، مؤلف كتاب: «جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس»، ثم ما وسعه حفظه من أخبار وأشعار وروايات، وما شاهده وعاينه بنفسه من وقائع وأحداث.

♦ تضمينه الكتاب مجموعة ضخمة من الأشعار، إذ كان لا يكتفي بالبيت الواحد أو البيتين، وإنما كان يورد القصائد الطوال، التي تتجاوز القصيدة الواحدة منها الخمسين بيتًا. وكان يعلل ذلك بنفاسة القصيدة، وجودة معانيها، وحسن تمثيلها للمواقف والأحداث[7].

♦ اعتذاره عن عدم إيراد بعض القصائد كاملة، ورده ذلك إلى ضعف الذاكرة، وقلة الحفظ، في مثل قوله بعد أبيات للشاعر الرمادي[8] في مدح أبي علي القالي[9]هذا ما بَقِي من حفظِي منها»[10].

♦ حرصه بعد الحديث عن كبار الملوك أو الأمراء على ذكر وزرائهم، وحجابهم، وكتابهم، وقضاتهم، وأبنائهم، وشعرائهم، كالذي نجده في ختام ترجمته للأمير عبد المؤمن بن علي بن علوي الكومي[11]، وختام ترجمته للأمير أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن[12].

♦ تضمينه الكتاب بعض العبارات أو الجمل المعترضة التي كانت تجري على ألسنة الناس آنذاك، مثل: «لعنَه اللهُ» بعد أسماء ملوك الأعاجم المناوئين للمسلمين في الأندلس، و«رحمه اللهُ» بعد أسماء أمراء المسلمين وقادتهم، و«أعادها الله إلى المسلمين»، بعد اسم كل مدينة غلب عليها الفرنجة أو احتلوها، و«أسأل الله إبقاءه إلى أن تقوم الساعة» بعد أسماء المساجد المشهورة.

♦ إكثاره من إيراد عبارة: «كما تقدم»، أو «كما ذكرنا»، أو «فلان المتقدم الذكر» في صفحات كتابه. وسبب ذلك أنه كان يورد الخبر مجملًا في مكان من الكتاب، ثم يعود إلى ذكره مفصلًا في مكان آخر منه.

♦ بالرغم من ميل المؤلف إلى التلخيص والإيجاز، فإن الاستطراد والتطويل كانا يلاحقانه في غير موضع من الكتاب. مثال ذلك: أنه أورد رواية على لسان أبي محمد علي بن حزم[13]، ثم استطرد فترجم له، وأورد مقتطفات من أشعاره، واعتذر عن ذلك بقوله: «وإنما أوردت هذه النبذة من أخبار هذا الرجل، وإن كانت قاطعة للنَّسقِ، مزيحة عن بعض الغرض؛ لأنه أشهر علماء الأندلس اليوم، وأكثرهم ذكرًا في مجالس الرؤساء وعلى ألسنة العلماء»[14].

وكذلك فعل المراكشي عندما قال في نهاية حديثه عن أستاذه أبي جعفر الحميري: «وقد امتد بنا عنان القول إلى ما لا حاجة لنا بأكثره؛ رغبةً في تنشيط الطالب، وإيثارًا للإحماض»[15].

♦ إظهاره لتواضعٍ علمِيٍّ لا نجده عند الكثير من المصنفين الذين يملئون الأسماع ضجيجًا وادعاءً، بدا ذلك في قوله: «مع أن أصغر خدم مولانا لم تجر عادته بالتَّصنيف، ولا حدَّث قطُّ نفسَه به، وإنما بعثته عليه الهمَّةُ الفخريَّةُ»[16].

♦ اعترافه بفضل سابقيه، من دون إغفاله لجهده الخاص، حين قال: «وهذا آخر أخبار الحسنيين وما يتعلق بها، حسبما أورده أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، وعليه عولتُ في أكثر ذلك، ومن كتابه نقلت، خلا مواضع تبينت غلطه فيها، أصلحتها جهد ما أقدر»[17].

ونظرًا لأهمية هذا الكتاب في إغناء المكتبة العربية بما اشتمل عليه من صور حية لحياة ملوك المغرب، وممالكهم، ومعاركهم، وإنجازاتهم العمرانية، واهتماماتهم الدينية والفكرية والأدبية والاجتماعية، وحرصًا منا على بعث التراث العربي الأندلسي، وإظهار مكنوناته النفيسة، نُخرج اليوم هذا الكتاب، ونقدمه للقراء بحُلَّة جديدة، وإضافات مهمة في الضبط والشرح والتوثيق والفهرسة، جَهِدنا أن تكون على مستوى طموحاتهم وحاجاتهم وأذواقهم.

حياته وتنقلاته:

هو: أبو محمد، عبد الواحد بن علي التميمي، المَرَّاكُشِيّ[18] المالكي: مؤرخ، بحَّاثة، ولد بمَرَّاكُش في ربيع الآخر سنة 581هـ/1185م، في أول أيام أبي يوسف، يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي المُوَحِّدِيّ[19]، المنصور، صاحب بلاد المغرب. ثم انتقل إلى مدينة فاس، وهو ابن تسعة أعوام، فقرأ فيها القرآن وجوده ورواه عن جماعة من الأفاضل المُبرّزين في علوم القرآن والحديث والنحو واللغة.

وحين تم للمراكشي ما رغب فيه من تحصيل بفاس، عاد إلى مراكش، وظل يتردد بعد ذلك بين المدينتين، ينهل ما يتاح له من علوم ومعارف وفنون.

ثم رغب في السفر إلى الأندلس، فعبر إليها في أوائل سنة 603هـ/1207م، وأدرك جماعة من علمائها وفضلائها، لكنه لم يحصل منهم -كما يقول- إلا معرفة أسمائهم ومواليدهم ووفياتهم وعلومهم[20].

ومن الذين لقيهم المراكشي، وتوثقت صلاته بهم من أدباء عصره: أبو بكر بن زُهْر[21]، وأديب آخر هو أحد أنجال ابن الطفيل الفيلسوف الأندلسي المشهور.

وعندما نزل إِشْبيليَّة، قدَّمه صديقٌ له يدعى محمد بن الفضل إلى واليها إبراهيم بن أبي يعقوب يوسف، أخي الخليفة الموحدي الناصر، فحظي عنده، وأصبح من أصحابه وجلاسه[22].

وعن رأفة هذا الأمير به، وتقريبه إياه، يقول المراكشي: «كان لي -رحمه الله- محبًّا، وبي حفيًّا؛ وصلتْ إليَّ منه أموال وخِلَع جمة غير مرة». وعن بدء علاقته به وما تلاها من محبة وتلازم، يقول: «لم أعرفه أيام وزارته، وإنما كانت معرفتي إيَّاه حين ولوه إشبيلية سنة 605هـ،... ثم علت حالي عنده بعد ذلك، إلى أن يقول لي في أكثر الأوقات: والله، إني لأشتاقك إذا غبت عني أشد الشوق وأصدقه»[23].

ومن الذين أخلصوا له الود من أهل القضاء: أبو عمران، موسى بن عيسى بن عمران القاضي، وفيه يقول: «وأبو عمران هذا صديق لي، لم أر صديقًا لم تغيره الولاية غيره. ولم يزل يعاملني بما كان يعاملني به قبل ذلك، لم ينقصني شيئًا من بره. ما لقيته قط في مركبه إلا سلم عليَّ مبتدئًا، وجدد لي برًّا»[24].

وطمحت نفس المراكشي إلى مصر، فسافر إليها سنة 613هـ/1227م، والتقى ببعض علمائها، ثم انتقل إلى مكة المكرمة، فأدى فريضة الحج سنة 620هـ/1224م. ثم تجول بعد ذلك في بعض بلدان المشرق[25].

آثاره:

لم يذكر الذين ترجموا لأبي محمد غير كتاب واحد هو: «المعجب في تلخيص أخبار المغرب»، الذي ألفه استجابة لطلب واحد من أعيان عصره. وقد فرغ المراكشي من تأليف هذا الكتاب سنة 620هـ/1224م. ونشره دوزي سنة 1240هـ/1847م، وأعاد طبعه سنة 1298هـ/1881م، وترجمه فانيان إلى الفرنسية، ثم نشر الترجمة في الجزائر سنة 1310هـ/1893م.

المصدر: موقع الألوكة


[1] المراد بهذا الاسم - وفقًا لمفهوم المسلمين القدامي- بلاد المغرب العربي والأندلس.

[2] المعجب في تلخيص أخبار المغرب، المراكشي:3.

[3] المصدر نفسه:4.

[4] المعجب في تلخيص أخبار المغرب: 332-333.

[5] يقول المراكشي: "وهذا آخر أخبار الحسنيين وما يتعلق بها، حسبما أورده أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، عليه عولت في أكثر ذلك، ومن كتابه نقلت". "المعجب في تلخيص أخبار المغرب: 69".

[6] هو أبو عبد الله، محمد بن أبي نصر فتوح الحميدي، الأزدي، الميورقي: مؤرخ، محدث، من أهل ميورقة. توفي سنة 488هـ/ 1095م. "بغية الملتمس، الضبي: 113".

[7] المعجب في تلخيص أخبار المغرب: 76، حيث أورد المراكشي قصيدة لعبد المجيد بن عبدون في مدح بني المظفر وأيامهم، بلغت خمسة وسبعين بيتًا.

[8] هو أبو عمر، يوسف بن هارون الرمادي الشاعر، المتوفى سنة 403هـ/ 1012م.

[9] هو أبو علي، إسماعيل بن القاسم القالي، الأديب الشاعر، اللغوي، المتوفى سنة 356هـ/ 967م.

[10] المعجب في تلخيص أخبار المغرب: 25.

[11] المعجب في تلخيص أخبار المغرب: 198-200.

[12] المصدر نفسه: 261-264.

[13] هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، المتوفى سنة 456هـ/1064م.

[14] المعجب في تلخيص أخبار المغرب: 45-49.

[15] المصدر نفسه: 304.

[16] المصدر نفسه: 346.

[17] المعجب في تلخيص أخبار المغرب: 69.

[18] معجم المؤلفين، عمر كحالة: 210/6، الأعلام، خير الدين الزركلي: 176/4.

[19] توفي سنة 595هـ/1199م. وستأتي ترجمته وافية في هذا الكتاب.

[20] المعجب في تلخيص أخبار المغرب، المراكشي: 360.

[21] هو أبو بكر، محمد بن عبد الملك بن زهر الإيادي: من نوابغ الطب والأدب في الأندلس. ولد بإشبيلية، وتوفي سنة 595هـ/1199م. "الأعلام، الزركلي: 250/6".

[22] تاريخ الفكر الأندلسي، آنخل بلانثيا: 248.

[23] المعجب في تلخيص أخبار المغرب: 308-309.

[24] المعجب نفسه: 313.

[25] معجم المؤلفين، كحالة: 210/6؛ الأعلام، الزركلي: 176/4.

التعليقات (0)