ابن تغري بردي

ابن تغري بردي

الأمير جمال الدين أبو المحاسن ابن تغري بردي (812-874هـ=1409-1470م)، أحد أمراء دولة المماليك البرجية، ومن مشاهير المؤرخين المسلمين على الإطلاق، وصاحب الموسوعات التاريخية القيمة في تاريخ مصر والعالم الإسلامي، والتي جعلته بعد أستاذه تقي الدين المقريزي مؤرخ مصر الموسوعي ومؤرخ النيل، والتي أشهرها "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة"، "المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي".

اسمه ونسبه:

هو الأمير جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغرى بردى بن عبد الله الظاهري القاهري المصري الحنفي، الإمام الفقيه المؤرخ البحاثة. مؤرخ مصري من القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، ولَقَب "تغري بردي" الذي عُرف به أبوه، لقب تتري يعني "عطاء الله" أو "الله أعطى"،  كان يكتبها الأتراك "تكري ويردي" ويلفظون الكاف نونا، والواو أقرب إلى أل V بحركة بين الفتح والكسر.

مولده وأسرته:

ولد ابن تغري بردي بمدينة القاهرة بدار الأمير منجك اليوسفى بجوار مدرسة السلطان حسن، فى حدود سنة 812هـ / 1409م، وقيل سنة 813هـ / 1410م. ونشأ في بيت علم ودين ورياسة، فوالده الأمير الكبير سيف الدين تغرى بردى اليشبغاوى الظاهرى أتابك العساكر بالديار المصرية، ثم كافل المملكة الشامية. كان أبوه مملوكًا من بلاد الروم، اشتراه السلطان الظاهر برقوق، وقربه إليه حتى صار رئيس عساكره واختاره مع من اختارهم لوصاية المملكة بعد وفاته، ومن أم كانت هي الأخرى أمة من إماء السلطان نفسه، وغدا والده في أثناء حكم السلطان الناصر فرج بن برقوق في سنة 810هـ / 1407م رئيسًا للجيش المصري (أمير كبير)، وفي سنة 813هـ / 1410 - 1411م عين نائبًا للسلطنة في دمشق.

ولم يطل بوالده الأمير المقام إذ توفي بدمشق سنة 815هـ / 1412م وخلّف ابنه يوسف وهو في الثانية أو الثالثة من عمره، واحتضنته أخته، وأخذت على عاتقها رعايته وتربيته. وكانت زوج قاضي القضاة الحنفي الناصري محمد بن العديم الذي تولى تربيته، ولما توفي سنة 819هـ / 1416م تزوجت من بعده قاضي القضاة الشافعي والعالم الشهير شيخ الإسلام جلال الدين البلقيني824هـ/1421م) وبذلك نشأ في بيت علم ودين.

اشتغاله بعلم الحديث:

كما أنه سمع شيئا كثيرا من كتب الحديث، وأجازه جماعات لا تحصى مثل حافظ العصر شيخ الإاسلام قاضي القضاة شهاب الدين أحمد ابن حجر، والشيخ الحافظ تقي الدين أحمد بن على بن عبد القادر المقريزى الشافعى، والحافظ العلامة أبو محمد بدر الدين العينى الحنفى، وأبو ذر عبد الرحمن بن محمد الزركشى الحنبلى، وعز الدين عبد الرحيم ابن الفرات الحنفى، وجلال الدين عبد الرحمن بن على بن عمر بن الملقّن، وآخرون. ومن مسموعاته العوالي كتاب السنن لأبى داود، وجامع الترمذي وشمائل المصطفى للترمذي كذلك، ومسند ابن عباس، وقطعة كبيرة من مسند أحمد فى عدّة مجالس. ومن مسموعاته العوالى أيضا كتاب "فضل الخيل" للحافظ شرف الدين الدمياطى سمعه على الحافظ تقي الدين المقريزى.

علاقته بالتاريخ:

شغف ابن تغري بردي بالتاريخ وأحداثه منذ حداثته، وخاصة كتب المؤرخ بدر الدين العَيني855هـ/1451م) التي كانت تقرأ في البلاط السلطاني، ومن أشهرها (عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان، السيف المهند في سبرة الملك المؤيد، الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر ططر)، واجتهد فى ذلك إلى الغاية، وساعده جودة ذهنه، وحسن تصوّره، وصحيح فهمه، حتى برع ومهر وكتب وحصّل وصنّف وألّف وانتهت اليه رياسة هذا الشأن فى عصره.

يعد ابن تغري بردي من أظهر تلاميذ أستاذه تقي الدين المقريزي845هـ/1442م) أعظم مؤرخي العصر ورائد المدرسة التاريخية المصرية. كما أنه عاصر كبار المؤرخين المصريين الذين ظهروا في عصره أمثال ابن حجر العسقلاني853هـ/1449موالسيوطي911هـ/1505م) وشمس الدين السخاوي902هـ/1497م) الذي ترجمه في كتابه "الضوء اللامع" ونقد ما دونه من تراجم وأحداث مبينًا أنه يُرجِّح نفسه على من تقدمه من المؤرخين من ثلاثمئة سنة لاعتقاده أنه أعلمهم بمعرفة الترك وأحوالهم ولغاتهم. وفي ترجمته قال السخاوي: "وقد اجتمعت به مرارا، وكان يبالغ فى إجلالى اذا قدمت عليه ويخصنى بتكرمة للجلوس، والتمس منى اختصار الخطط للمقريزى".

مؤلفات ابن تغري بردي:

كتب أبو المحاسن ابن تغري بردي العديد من المصنفات في الرياضة والموسيقى والأمثال والأسماء والصناعات، والموسوعات التاريخية، بلغت اثنى عشر مؤلفا.

المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي:

أول مؤلفاته في التاريخ "المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي"، وفيه سجل تراجم أعيان عصره، ويضم نحو 3000 ترجمة لسلاطين وأمراء وعلماء ووجهاء ومشاهير وأدباء وحتى مغنين مرتبة على حروف المعجم، وهو ذيل على كتاب "الوافي بالوفيات" للصفدي764هـ/1362م) ويغطي المرحلة بين سنتي (650 - 855هـ / 1252 - 1451م)، أي أنه ابتدأ من أوائل دولة المماليك البحرية بترجمة السلطان عز الدين أيبك إلى عصره. ونشر مختصرًا له مع التعليق عليه المستشرق فييت G.Wiet سنة 1932م في "مذكرات معهد مصر" E.I.M، كما نشر الجزء الأول منه في مصر سنة 1375هـ / 1956م.

ومن لطيف ما جاء فى مقدّمته -وقد خالف به أكثر مؤلفى عصره- قوله: "وكنت قد اطلعت على نبذة من سيرهم وأخبارهم (يعنى رجال التاريخ)، ووقعت في كتب التواريخ على الكثير من آثارهم، فحملني ذلك، على سلوك هذه المسالك، وإثبات شئ من أخبار أمم الممالك، غير مستدعى إلى ذلك من أحد من أعيان الزمان، ولا مطالب به من الأصدقاء والأخوان، ولا مكلف لتأليفه وترصيفه من أمير ولا سلطان، بل اصطفيته لنفسي، وجعلت حديقته مختصة بباسقات غرسي، ليكون في الوحدة لي جليسا، وبين الجلساء مسامرًا وانيسًا .. إلخ". وهذا يخالف طريقة سائر المؤلفين فى ذلك العهد.

النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة:

ومؤلفه الثاني هو كتاب "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة"، وهو أهم مؤلفاته وأشهرها وأضخمها، فهو موسوعة باهرة في تاريخ مصر، مرتب على السنين ابتدأ فيه مؤلفه بفتح عمرو بن العاص مصر سنة 20هـ / 640م، وتوقف في نهاية حكم السلطان محمد بن السلطان جقَمْق (محرم 857هـ/ 2 أكتوبر 1453م)، إلا أنه ما لبث أن تابعه حتى 872هـ / 1467م، ولذا عده الباحثون أتم وأطول تاريخ لمصر الإسلامية، وقد رتبه على السنين والشهور والأيام، وانفرد بمنهجه الذي جعل لكل عهد من عهود السلاطين فصلا خاصا، ثم ذكر السنين وحوادثها تباعا داخل الفصل حتى إذا توفي الحاكم جعل له ترجمة منفصلة، بيد أنه يتوسع فيه منذ بدء استقلال مصر في العصر العبيدي الفاطمي، ويعرض للبلاط بأسلوب شائق جزل، أما عصره، فقد أفاض فيه إفاضة مسهبة إذ يتخذ فيه صورة السجلات اليومية التي لا تفوتها صغيرة لا كبيرة.

فقد ذكر ابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة" من وَلِي مصر من الملوك والسلاطين والنوّاب، وفصّل ذلك تفصيلًا وافيًا مع ذكر ملوك الأطراف بصورة موجزة آتيًا في كل سنيه على ما وقع من الحوادث المهمة ومن توفي من رجالات الأمة الإسلامية، ثم يشير في آخر كل سنة إلى زيادة النيل ونقصانه لأهمية ذلك في اقتصاد مصر القائم على الزراعة، وذلك من سنة 20هـ حتى سنة 782هـ، أي أنه يقدم أتم جدول عن تقلبات نهر النيل على مدى ثمانية قرون ونصف معتمدا على جملة مؤلفين، ومراجع سابقة عليه، ولذلك سمي مؤرخ النيل. إلاّ أن قيمته التاريخية تعود في الواقع إلى المعلومات الوافرة في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يقدمها عن مصر في الفترة المملوكية (648 - 872هـ).

وقد تُرجم هذا الكتاب الجليل إلى اللغتين التركية واللاتينية وإلى لغات أوربية أخرى عدة مرات، فإنه لما فتح السلطان سليم العثمانى مصر واطلع على هذا الكتاب أمر بنقله إلى التركية فنقله شمس الدين أحمد بن سليمان بن كمال باشا قاضى العسكر بالأناضول يومئذ فترجم فى منزله جزءا وبيضه المولى حسن المعروف بآشجي زاده ثم عرضه على السلطان فى الطريق فأعجبه وأمر بنقله هكذا الى تمامه.

وبالرغم من أن ابن تغري ذكر في مقدمة كتابه أنه كتبه من دون طلب من ملك أو سلطان، فإنه ذكر في نهايته أنه ألفه من أجل صديقه الأمير محمد بن السلطان جقمق، والذي كان ابن تغري يتوقع أن يصل إلى تخت السلطنة فيختم الكتاب بعهده، إلا أن الأمير محمد وافته المنية قبل ذلك.

الكواكب الباهرة من النجوم الزاهرة:

وقد لخص المؤلف كتابه وسمَّاه "الكواكب الباهرة من النجوم الزاهرة"، وذكر أنه اختصره حذرًا من أن يختصره غيره على تبويبه وفصوله، واقتدى في ذلك بجماعة من العلماء والمؤلفين كالذهبي والمقريزي وغيرهما. وقد قامت دار الكتب المصرية بنشر الحقبة (20-799هـ/641-1397م) في عشرة أجزاء سنة (1348هـ/1929م).

حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور:

ويمكن القول إن وفاة المقريزي والعيني جعلت من أبي المحاسن ابن تغري بردي المؤرخ الرئيسي لمصر، فألف كتابه الثالث "حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور"، وهو حوليات تمتد من 845هـ حتى 12 محرم 874هـ / 1442 - 16 يوليو 1469م. وتابع فيه كتاب "السلوك لمعرفة الدول والملوك" للمقريزي، لكنه خالف المقريزي فى طريقته، فأطال فى التراجم إلا ما جاء ذكره منها فى المنهل الصافى.

مؤلفات تاريخية أخرى:

ولابن تغري بردي مؤلفات أخرى، ومنها مؤلفان كبيران هما "نزهة الرائي" فى التاريخ، وهو تاريخ مفصل على السنين والشهور والأيام فى عدّة مجلدات، منها الجزء التاسع فى أكسفورد ويغطي المرحلة (678 - 747هـ / 1279 - 1346م)، و"البحر الزاخر في علم الأوائل والأواخر"، وهو كتاب مطول في التاريخ عثر على جزء صغير منه، فى باريس من سنة (32 - 71هـ).

وكتب ابن تغري بردي مختصرات لأعماله الرئيسة مثل "الدليل الشافي على المنهل الصافي"، وكتاب "الوزراء"، و"البشارة في تكملة الإشارة" (الإشارة كتاب للذهبي)، و"منشأ اللطافة في ذكر من ولي الخلافة" وهو تاريخ مصر من أقدم أزمانها الى سنة 719هـ، و"مورد اللطافة في من ولي السلطنة والخلافة" وفيه سيرة مقتضبة لحياة الرسول صلى الله عليه وسلم، مع ثبت بأسماء الصحابة، وسلاطين مصر ووزرائهم حتى سنة 842هـ / 1438م.

وفاته:

كان ابن تغري بردي قد ابتنى له قبل موته تربة هائلة بالقرب من تربة السلطان الأشرف إينال، ووقف كتبه وتصانيفه بها. وتعلل قبل موته بنحو سنة بالقولنج، واشتدّ به الأمر من أواخر رمضان بإسهال دموىّ بحيث انتحل وتزايد كربه، وتمنى الموت لما قاساه من شدّة الألم إلى أن قضى فى يوم الثلاثاء خامس ذى الحجة سنة 874هـ / 1470م ودفن من الغد بتربته. فرحمه الله وغفر له وأجزل له مثوبته.

المصدر: موقع قصة الإسلام

التعليقات (0)