المقري .. مؤرخ الأندلس

المقري .. مؤرخ الأندلس

نسب المقرِّي ومولده ونشأته:

هو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد الشهير بالمقَّري نسبة إلى مقرة، موطن أسرته القديم، وقد ولد المقَّري بمدينة تلمسان، ويختلف المؤرخون في تاريخ مولده، والأقرب أنه ولد في سنة 986هـ= 1578م.

نشأ المقَّري في مدينة تلمسان التي نشأ بها أبوه وأجداده من قبل، وتلقى بها دراسته الأولى، ودرس الأدب والحديث والفقه المالكي دراسة حسنة، وكان بين أساتذته عمه أبو عثمان سعيد المقري مفتي تلمسان، وكانت تلمسان ما زالت حتى عصره من أهم مراكز الدراسة الدينية بالمغرب الأوسط.

رحلات المقري العلمية:

زار المقري مدينة فاس لأول مرة سنة 1009هـ، وقضى بها حينًا في الدرس، ثم عاد إلى تلمسان في العام التالي، أي في سنة 1010هـ، وأقام بها حتى سنة 1013هـ، ثم ارتحل مرة أخرى إلى مدينة فاس واستقر بها، وسُنحتْ له فرص التدريس في المكتبة السلطانية، وولي الإمامة والخطابة لجامع القرويين الشهير بمدينة فاس، ثم ولي الإفتاء، واستمر في منصبه حتى سنة 1027هـ.

وفي أواخر شهر رمضان سنة 1027هـ اعتزم المقري الرحلة إلى المشرق... فغادر مدينة فاس، وركب البحر متجهًا إلى مصر، وبعد رحلة شاقة نزل بالقاهرة في أواخر العام نفسه، وما بين عامي 1027هـ و1037هـ تعددت رحلات المقري ما بين القاهرة والحجاز ودمشق وبيت المقدس، فقد رحل إلى الحجاز عدة مرات، وأدى بها فريضة الحج مرارًا، وأثناء الحج في مكة ألقى كثيرًا من الدروس، وأملى الحديث في المدينة.

كما زار المقري بيت المقدس أكثر من مرة وألقى بعض دروسه بالمسجد الأقصى، كما رحل إلى دمشق ورحب كثير من الأدباء والعلماء، وألقى بعض دروسه في الحديث في الجامع الأموي فاحتشد الطلاب حوله من كل صوب، وحفل به المجتمع الدمشقي، وكان يكثر الحديث في حلقاته الأدبية عن الأندلس ومحاسن تاريخها وذكرياتها، كما كان يبكي السامعين بخطبه ومواعظه، ويتسابق العلماء والطلاب إلى تقبيل يده.

وفي نهاية تجواله ورحلاته عاد المقري إلى القاهرة واستقر بها، ولازم الدرس والتدريس بالجامع الأزهر، وتبوأ مكانة رفيعة في مجتمع مصر العلمي والأدبي، ويكفي ما وصفه به المحبي في قوله: "حافظ المغرب لم يُر نظيره في جودة القريحة، وصفاء الذهن وقوة البديهة، وكان غاية باهرة في علم الكلام والتفسير والحديث، ومعجزًا باهرًا في الآداب والمحاضرات".

مصنفات المقري وكتبه:

بعد أنْ عاد المقري إلى القاهرة في سنة 1037هـ، بدأ بتأليف كتابه "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب"، والذي انتهى من تأليفه في آخر ذي الحجة سنة 1039هـ، وهذا الكتاب يُعَدُ موسوعة ضخمة وقد قسمه المقري إلى قسمين كبيرين، القسم الأول خصه للتعريف بالأندلس وتاريخها وجغرافيتها وآدابها، والقسم الثاني للتعريف بابن الخطيب، وقد اعتمد المقري في وضعه لهذا الكتاب على الاقتباس أكثر من التأليف، ومع ذلك يُعدُ هذا الكتاب من أقيم المصادر العربية عن تاريخ الأندلس.

يتصل بمجهود المقري عن الأندلس كتابه الآخر "أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض"، وهذان الأثران الكبيران هما أهم ما في تراث المقري، بيد أنْ للمقري ثبتًا آخر من الكتب والرسائل الأدبية والدينية، ومن ذلك: "إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة" و"فتح المتعال في مدح النعال المستشرفة بخير الأنام" و"حسن الثنى في العفو عمن جنى" و"قطف المهتصر في أخبار المختصر" و"عرف النشق في أخبار دمشق" و"روض الآس العاطر الأنفاس في ذكر من لقبته من أعلام الحضرتين مراكش وفاس" و"الدر الثمين في أسماء الهادي الامين"، هذا وتحتفظ المكتبة الملكية في كوبنهاجن بنسخة مخطوطة من مؤلف للمقري عنوانه " كتاب تاريخ الجمان في أخبار الزمان".

وقد ترجم للمقري جماعة من المستشرقين على رأسهم العلامة دوزي، والمستشرق الإسباني الدون جاينجوس، وفستنفلد في كتابه "مؤرخو العرب" بالألمانية، وبروكلمان في كتابه "تاريخ الأدب العربي" بالألمانية أيضًا، والأستاذ ليفي بروفنسال في كتابه "تاريخ الأشراف" بالفرنسية، وآخرون غير هؤلاء.

وفاة المقري:

كَتبَ المقري معظم كُتبه في القاهرة، وكَتبَ بعضها في مكة، والمرجَّح أنها كُتبتْ جميعها أو كُتب معظمها قبل كتاب "نفح الطيب" الذي ما كاد ينتهي من وضعه حتى أزمع السفر إلى دمشق، ولكن الموت عاجله، فتوفي في جمادى الآخرة سنة 1041هـ= يناير سنة 1632م، ودفن بقرافة المجاورين بالقاهرة.

المصدر: موقع قصة الإسلام

التعليقات (0)