عبد الرزاق الحسني.. عزفٌ على أوتار التاريخ الوطني

عبد الرزاق الحسني.. عزفٌ على أوتار التاريخ الوطني

د. علي ياسين

لا يختلف اثنان على كون الأستاذ المرحوم عبد الرزاق الحسني واحدا من روّاد المدرسة العراقية الحديثة في علم التاريخ، ولعلّ الكتب الكثيرة والدراسات المتعدّدة التي عكف الحسني على كتابتها بكلّ جهد وصبر، وبكلّ دقة ومنهجية تؤهله ليتبوأ مكانته الرفيعة لا بين المؤرخين العراقيين فحسب، بل بين المؤرخين العرب أجمع.

وبالرغم من الاختلاف بين الروايات التي تشير إلى تاريخ ولادته الحقيقية بين الأعوام (1898م، 1903م، 1907م) إلا أن مكان مسقط رأسه يشير إلى سوق العطارين في (شورجة بغداد) لأب وأم عراقيين، ومن عائلة اشتهرت بقرض الشعر وتعاطي الأدب إلى جانب توارثها مهنة العطارة.

تتلمذ الحسني في مطلع صباه تلمذة ذات طابع ديني في الكتاتيب المنتشرة في محلته الصغيرة، فحفظ أجزاء من القرآن الكريم وأتقن القراءة والكتابة ثم انتقل إلى المدرسة الجعفرية التابعة لمكتب الترقي العثماني حيث تعلّم اللغتين التركية والفرنسية إلى جانب العربية لغته الأم، وعند انتقال أسرته إلى النجف الأشرف عام 1920م عمل معلما في المدرسة الرسميّة بالنجف، ثم واصل تعليمه بعد ذلك في دار المعلمين ببغداد من جديد لتتفتح موهبته وقابليته في التأليف والنشر مع ميل واضح للكتابة في حقل التاريخ الذي أبدع فيه أكثر من ثلاثين مؤلفا لها قيمتها العلميّة والتاريخية والمنهجية القائمة على مراجعة الأصول وتدقيق المراجع ومقابلة الوثائق مع أصولها والاتصال بأصحاب العلاقة وصنّاع الأحداث آنذاك، ومن ثم محاولة تكوين فكرة صحيحة عن الظروف والمناسبات والأحداث العامة والخاصّة.

كان التاريخ هو الحقل المعرفي الذي عشقه الحسني مبكرا وأبدع فيه أيما إبداع مفضلا الخوض في عصوره الحديثة، ومنشغلا بتاريخ العراق الراهن عمّا سواه، ولعل عودة إلى أهم الكتب التي ألّفها مؤرخنا الكبير تؤكد إخلاصه وعشقه هذا، فقد فضّل الحسني التاريخ الحديث والمعاصر على غيره، ووجد ضالته فيه من خلال الاهتمام بالتاريخ العراقي الحديث الذي أشبعه تنظيرا وتحليلا، فشكّل حيّزا واضحا في عموم نشاطه البحثي ومنجزِه الفكري.

وربّما كان هذا الموقف ينمّ عن حسّ فكري تفاضلي لدى الحسني المؤرخ، ولعلّ ما شجّعه على ذلك هو كون حركيّة التناول المنهجي للتاريخ الحديث عند أغلب المؤرخين العرب - بمن فيهم الحسني نفسه - هي حركيّة تابعة لديناميّة العصر الحديث ذاته، من حيث كونها ديناميّة ناتجة عن تفاعل المؤرّخ مع واقع الحياة السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة الذي شهد فورانا طاغيا في الوعي وفي الإحساس بالهوية وبالقيمة الحضارية للأمة عند عموم المثقفين العرب على اختلاف مشاربهم ولا سيّما خلال فترة الصدام مع المحتل الأجنبي.

كان -إذًا- تفضيل الحسني لتاريخ العراق الحديث ما هو إلّا محاولة لإدراك أهمية هذا الحيّز الزماني الذي عاشه الإنسان العراقي المعاصر، ولإمكانية التعلّم والفهم الحقيقي للواقع العراقي الملتبس ولأحداثه الحساسة من خلال اختيار المادة المنتقاة للدرس وللفحص والتعليل التاريخي، خصوصا إذا كانت مادة كثيفة كثافة رمال البحر، ومتشابكة تشابك أغصان الشجر، وهو ما ينطبق على الظاهرة التاريخيّة العراقيّة المعاصرة التي حاول الحسني المؤرخ النزيه - رغم المآخذ التي سجلها عليه البعض في كونه مؤرّخ - أن يسجل بكل إنصاف حراك جماعاتها الوطنيّة المختلفة من أجل الوصول إلى حاضر حي، وإلى مستقبل مشرق تتآزر تحت أفيائه كل هذه الجماعات وتلتحم فيما بينها؛ وهي تصوغ مصيرها ووجودها وقوتها في ظل مراكز قوى دولية (استعمارية) متعددة سياسية واقتصادية واجتماعية لا تدع مجالا بينها لكل ضعيف ممزّق، ولذا كانت كتب الحسني تدور في هذه الحلقة التي لم تكن يوما بالنسبة إليه وإلى قارئه الفطن بالمفرغة أو الخاوية، بل هي حلقة تنتقي الحدث الحي، والممارسة السياسية والثقافية الدالة، والحركة الموّارة المنبثقة من صميم الروح الوطني الذي علّم الحسني الشيء الكثير كما يصرح في مقدمة كتابه عن الثورة العراقية الكبرى التي أسيء فهمها وتأويلها، وكان لزاما على المؤرخ الحقيقي أن يضطلع بتزويد المتعطشين بالقراءة الواعية المتأنية، وهذا ما أخذه الحسني على عاتقه في مجموعة من الكتب الفريدة والاستثنائية التي تأمل فيها تاريخنا الوطني المعاصر عبر نظرة موضوعية حيادية منصفة، كما هو واضح في مؤلفه المهم (تاريخ الوزارات العراقية بعشرة أجزاء) وكتابه المعروف بـ(تاريخ العراق السياسي بثلاثة أجزاء) وكتابه المعنون (العراق بين دوري الاحتلال والانتداب) وكتابه المهم (الثورة العراقية الكبرى) وكتابه (العراق في ظل المعاهدات) وكتابه (الجبهة الوطنية في العراق.. جذورها التاريخية وتطورها) وكتابه الموسوم (تاريخ الأحزاب السياسية في العراق).

وقد كان للمرض العضال الذي لازمه عشرين عاما أثره البالغ على حياته وصحته التي فقدت بريقها رويدا رويدا حتى وافته المنية في شهر كانون الثاني من العام 1997م، تاركا خلفه زادا معرفيا سيظل ينهل منه المتعطشون للعلم، والباحثون عن الحقيقة التاريخية لعقود طويلة قادمة.

المصدر: شبكة النبأ المعلوماتية

التعليقات (0)