عمر فروخ وجهوده في خدمة التاريخ الإسلامي – القسم الأول

عمر فروخ وجهوده في خدمة التاريخ الإسلامي – القسم الأول

 أحمد العلاونة

تعريف التاريخ عند فروخ:

"التاريخ" كما يُعرِّفُه عمر فروخ رحمه الله: "رواية: ينقله راوٍ متأخِّرٌ عن راوٍ متقدِّم، وفي مسير أحداث التاريخ، من راوٍ إلى آخر، تتعرَّض تلك الأحداث للتبديل أو للزيادة والنقصان، ثم إنَّ الأحداث التي يُشاهدها المؤرِّخ بنفسه ثم يُدوِّنها بنفسه -أيضًا- تتعرَّض -في المدَّة التي تنقضي عادةً بين مشاهدة الحدث وتدوينه- لمثل ذلك: للتبديل أو للزيادة والنقصان، ثم هنالك حوادث مصنوعة لم تجرِ في الاجتماع الإنساني قط، أو لم تجرِ على الصورة التي وصلت إلينا؛ من ذلك الخرافات، وإن كانت في أصلها حادثة صحيحة رُوِيَت روايةً خاطئة".

والأحداث المصنوعة في تاريخ الأمم كثيرةٌ جدًّا، من ذلك التاريخ اليهودي، كما يُروى في التوراة الموجودة بأيدي الناس. ويذكر عمر فروخ رحمه الله أنَّ نفرًا من المؤرِّخين -في القرن التاسع عشر- قسَّموا شعوب العالم أقسامًا ثلاثة، ثم نسبوهم جميعًا إلى أولاد نوحٍ الثلاثة: سامٍ وحامٍ ويافث، غير أنَّه أثبت أنَّ ليس من المقـبول في العقل، ولا من المعروف في العـلم، ولا من المشاهد في الاجتماع الإنساني، أن يخرج من نسل رجلٍ واحدٍ شعوبٌ تختلف صفاتها الجسديَّة وخصائصها اللغويَّة اختلافًا بيِّنًا، كالمشاهد بين الزنوج والجرمان، أو بين الصينيِّين والعرب، وعزا ذلك إلى أنَّ المؤرخين قبلوا ما في الرواية المذكورة في التوراة الموجودة بأيدي الناس على ما فيها من المطاعن.

لذلك اهتمَّ عمر فروخ رحمه الله بالتاريخ، وكتب فيه الكثير من المؤلَّفات التاريخـيَّة، درس فيها تاريخ العرب والدولة الأموية، ومكانة مصر في مستقبل العالم العربي، وتاريخ سوريا ولبنان، وتاريخ المغرب العربي، والباكستان، وسواها من الدراسات التاريخية المميزة، التي يغلب عليها التحليل والتعليل وفلسفة الأحداث والتطوُّرات، وناقش فيها نظريَّة تعليل التاريخ وتجديده.

وكان حريصًا على التأكيد أنَّ التعليم عامَّة وكتب التاريخ خاصَّة يجب أن تسمو عن أهداف التعصُّب والأحقاد والاستغلال، كأنْ يُستغل التعليم من أجل غاياتٍ لا علاقة لها بالعلم، مقدِّمًا نماذج عن كتابات التاريخ والأدب المعادية للعرب، فوضع عددًا من كتب التاريخ، لجميع المراحل الدراسيَّة بلبنان، لمواجهة حركة التزوير ضدَّ العرب والعروبة.

دراسة التاريخ:

درس عمر فروخ رحمه الله التاريخ، وحرص على إرشاد الدارسين له إلى أنَّ دراسة التاريخ تقوم على أحد الأسس التالية:

1- إمَّا أن يتناول الدارس تاريخ الحقبة التي يأخذ نفسه بدراستها بالتفصيل، وحينئذٍ لا يستطيع أن يدرس إلَّا جزءًا يسيرًا من تلك الحقبة، ثم لا تكون دراسته أكثر من الإلمام بتفاصيل لا فائدة منها؛ لأنَّ تلك التفاصيل لا يُمكن أن تبرز الصورة الصحيحة لعصرٍ من العصور، ولا لقطرٍ من الأقطار. ثم إنَّ التاريخ ليس "ثبتًا" بالحوادث المفردة حتى يستفرغ المؤرِّخ جهده في استقصاء الحوادث وفي تحشيتها بالتفاصيل.

2- وإمَّا أن يتناول المؤرِّخ "كبار الحوادث مجرَّدة"، وهذا شيءٌ لا فائدة منه أيضًا؛ لأنَّ المؤرِّخ لن يستطيع أن يدرس حينئذٍ إلَّا الحوادث المشهورة من تلك التي وجب أن يكون كلُّ إنسانٍ مثقَّفٍ قد مرَّ بـها في المدارس الثانوية أو في معارج الحياة، وإذا جاءت الحوادث مجرَّدة متقطِّعة، لا يجمع بينها تعليل للأسباب، ولا تنسيق للنتائج، ولا تبيان لأثرها كلها في حاضر الأمَّة التي نؤرِّخ حياتها وفي مستقبلها، لم يكن ذلك الذي يسرده المؤرِّخ تاريخًا.

3- الأساس الثالث (وهو الذي اصطفاه) وهو أن يتناول المؤرِّخ "أمَّهات الحوادث"، التي تترك على وجه التاريخ أثرًا ظاهرًا، وفي حياة الأمم أثرًا باقيًا، ثـم لا يكتفي بسـردها بل يُعلِّلها تعليلًا اجتماعيًّا يشمل نواحي الحياة المختلفة ما أمكن.

تعليل التاريخ عند عمر فروخ:

ويُفصِّل هذا الجانب بأنَّ تعليل التاريخ يحتاج إلى جرأة، ولكن إلى جرأةٍ مبنيَّةٍ على الإحاطة بالموضوع المدروس، وإلى التجرُّد عن الأهواء عند البحث، وعلى الموازنة بين الحوادث، مع بيان أسباب تلك الحوادث، ثم على تنتيج النتائج المقبولة في العادة وفي العقل، والذي يتعرَّض لتعليل التاريخ يجب أن يكون ملمًّا بعلومٍ كثيرةٍ متَّصلةٍ بالتاريخ من قربٍ ومن بعد؛ كالجغرافيا، وعلم الاقتصاد، وعلم النفس، والرياضيَّات .. وسواها؛ ذلك لأنَّ التاريخ في الحقيقة صورةٌ للحياة الاجتماعيَّة، وسجلٌّ لتطوُّرها، بما فيها من سياسةٍ وحربٍ وفنٍّ وآدابٍ وتنازعٍ وتغلُّب.

لذلك يُؤكِّد أنَّه حين ندرس تاريخنا لن ندرسه "درسًا مطلقًا مجرَّدًا، غايته أن نعرف الحقائق حبًّا بمعرفة تلك الحقائق وحدها؛ بل سنسعى إلى أن يكون تاريخنا الماضي "عبرةً" لنا في حاضرنا، إنَّ لنا في درس التاريخ هدفًا علميًّا؛ نرى حسنات الماضي وسيِّئاته، ثم نُحاول أن نتلافى في حاضرنا تلك الخطيئات التي ارتكبها أسلافنا في ماضيهم".

وحين نأتي إلى تعليل تاريخنا يجب علينا -كما يُشِّدد فروخ- ألَّا نتبنَّى التعليل الغربي؛ بل يجب أن يكون لنا تعليلٌ مبنيٌّ على أهدافنا ومُثُلنا العليا، وعلى واقع الحياة التي نحياها نحن.

مصادر التاريخ:

ومصادر التاريخ، كما يراها فروخ، نوعان:

الأول: المصادر المقصودة، كالوثائق الرسميَّة والكتب المؤلَّفة في التاريخ.

الآخر: المصادر المسـاعدة، كدواوين الشعر والمعاجم والكتب، التي لم تُؤلَّف في التاريخ، ولكن ورد فيها إشارات تاريخيَّة عَرَضًا.

ويرى أنَّ الوثائق الرسميَّة والكتب المؤلَّفة في التاريخ تأليفًا مقصودًا قد يتسرَّب إليها الخطأ، سهوًا أو عمدًا، وكثيرًا ما تأتي الوثائق الرسميَّة والإحصاءات الدُّوَليَّة أبعد ما يكون البعد عن الحقيقة، أمَّا أصحاب المصادر المساعدة كالشعراء وواضعي المعاجم من القدماء، فإنَّهم يستطردون أحيانًا إلى إشاراتٍ تاريخيَّةٍ عفوًا، ومن غير أن يكونوا خاضعين لأحوالٍ معيَّنة، وإذا جاز أن يخضع الشاعر في بعض شعره لمثل تلك الأحوال فإنَّ واضع المعجم يكون أقلَّ خضوعًا لها، لذلك كانت المصادر المساعدة -والمعاجم منها- ذات قيمةٍ كبيرةٍ عند فرُّوخ في دراسة تاريخ الحضارة وفي دراسة التاريخ السياسي أحيانًا.

تجديد التاريخ:

الواقعة (الحادثة التاريخيَّة) الواحدة يُمكن في كثيرٍ من الأحوال أن تُكْتَب -كما يُؤكِّد فروخ- عددًا من المرَّات على أوجهٍ مختلفة، يُدوِّن المؤرِّخ عادةً كلَّ واقعةٍ على وجهٍ يستند فيه إلى ما يُعرف من التفاصيل المتَّصلة بتلك الواقعة، وإلى ما يُدرك من أسباب حدوثها، فإذا اتَّفق أن عرف ذلك المؤرِّخ فيما بعد عددًا جديدًا من التفاصيل، أو أدرك عددًا جديدًا من الأسباب، وجب عليه حينئذٍ أن يُعيد كتابة هذه الواقعة من جديد، حتى يدخل تلك التفاصيل الجديدة وتلك الأسباب التي أدركها استئنافًا في الإطار التاريخي، الذي يجعل هذه الواقعة نفسها أوضح في السرد، وألصق بالمنطق، وأقرب إلى الواقع؛ إلى الذي جرى في التاريخ.

وفي رواية التاريخ طرفان: السرد القصصي، والمعالجة المعلَّلة (المفَلْسَفة بالأسباب والنتائج).

أمَّا التاريخ الذي يجري في السرد القصصي (وهو ليس بتاريخٍ على الحقيقة) كقصَّة عنتر، ومغامرات الأبطال الخرافيِّين، والتاريخ الوطني للأطفال، ممَّا يُراد به تسلية عوامِّ الناس أو تحميسهم أو تنشئتهم تنشئةً معيَّنةً بضرب الأمثال، فيرى عمر رحمه الله أن يكتب مرَّةً واحدةً كتابة عاطفيَّة منمَّقة، ثم يبقى على صورته هذه أبدًا "إلَّا ما يُضاف إليه بين الحين والحين من زيادةٍ في المبالغـات، أو زيادة الألفـاظ، لزيادة التأثيـر في العواطف، أو ما ينقص أحيانًا بالنسيان، أو ما يبدل فيه تبعًا لرغبة السامعين، أو مداراة للحاكمين، أو تقرُّبًا لذوي البأس والوجاهة ممَّن يظهرون بين الحين والحين في ميدان الحياة السياسية أو على مسرح الحياة الاجتماعية".

وأمَّا الطرف الثاني من رواية التاريخ، فهو التاريخ الذي يجري في المعالجة المعلَّلة، وهو المقصود ببحث "تجديد التاريخ" وهو مجموع الوقائع التي يجب أن نُعيد كتابتها مرَّةً بعد مرَّة، كلَّما وصل إلينا تفاصيلُ جديدة منها، أو انكشف لنا أسبابٌ مستأنفٌ لها.

مسوغات تجديد التاريخ:

وتتعدَّد المسوِّغات لتجديد التاريخ عند عمر فروخ رحمه الله، إلَّا أنَّ من أهمِّها أنَّ الوقائع تتوالى بتوالي الأيَّام؛ فكلُّ يومٍ جديدٍ يأتي بوقائع جديدة يجب أن تُدوَّن وتُضاف إلى سلسلة التاريخ التي لا تنتهي، ثم إنَّ عددًا من الوقائع تنكشف لها مع الأيَّام تفاصيل جديدة، وتختلف الأحوال باختلاف الأزمان، فيحتاج المؤرِّخ إلى عرض الوقائع القديمة عرضًا جديدًا، لفهم تلك الأحوال فهمًا أدقَّ وأصحَّ وأحسن.

ومنها أنَّه تحدث في العالم أحداث: من الحروب العامَّة، والثورات المحلِّيَّة، والنهضات الاجتماعيَّة، والكشوف العلميَّة، فتبرز في الحياة العامَّة عناصر جديدة من السياسة والاقتصاد والدين، ومن الحرِّيَّة أو الاستبداد، ومن الانتصار أو الهزيمة، ومن الرقيِّ أو التقهقر .. وسوى ذلك، فيرجع نفرٌ من المؤرِّخين إلى التاريخ؛ يُريدون أن يُفسِّروا به ما حدث من التغيير في بيئتهم الاجتماعيَّة الخاصَّة أو في الحياة العالميَّة العامَّة، لاعتقادهم أنَّ هذا الذي حدث لم يكن ابن ساعته، ولكنَّه نتيجة أسبابٍ كثيرةٍ ونهاية تطوُّرٍ طويل؛ فيُعيدون تدوين عددٍ من فصول التاريخ من جديد، ليُؤكِّدوا جانب العوامل الجديدة التي كانت قد برزت في بيئةٍ من البيئات الاجتماعيَّة أو في الحياة العامَّة منذ زمنٍ قريب.

ويربط عمر فروخ رحمه الله تجديد التاريخ بالعـدالة (بالعلـم والأمانة والخلق)؛ إذ ليس تجـديد التاريخ إلغاءً لِمَا سبق من الوقائع التي يُخالف بعض الناس فيها بعضًا من الرأي السـياسي، أو الديني، أو الاجتماعي، أو الشخصي؛ فبعض الأمراء أو الثُّوَّار أو السياسيِّين المستبدِّين إذا هم وصلوا إلى الحكم أشاروا بطمس آثار من سبقهم وإبراز آثارهم هم، وربَّما رجع بعض هؤلاء إلى التاريخ المدوَّن فأمر بتبديله أو تشويهه، حتى يكون اسمه هو بارزًا بين الأسمـاء، أو عاليًا فوق الأسماء، وربَّـما كان بعض هؤلاء مخلصًا فاعتقد أنَّ الحياة الماضية كانت خاطـئة، فعلى المجموع أن يبدأ حياةً جديدةً بتاريخٍ جديد، وفي مثل هذه الحال الثانية يقع التنبيه على ما حَسُن من الحياة الماضية "والحثُّ على الاحتفاظ به"، والتنبيه على ما ساء منها، "والحثُّ على إهماله وتناسيه".

ثم إنَّ عمر فروخ رحمه الله أدرك أثر الكوارث التي نزلت بالمسلمين منذ بدء حركة الاستعمار، فدعا إلى تجديد كتابة تاريخنا الحديث، وعزا ذلك إلى سببين:

الأول: أنَّ المستعمر كتب لنا تاريخًا مصنوعًا، يُبرز فضل استعماره بلادنا، فجاء كثيرٌ منَّا فاعتمدوا هذا التاريخ المصنوع، عفوًا وغفلةً أو قصدًا واستنامة، فأصبح هذا التاريخ يُمثِّل جانبًا من ماضينا الضعيف المخزي، ثـم لا يدلُّ على وعينا الحاضر ولا يُوافق أملنا في الوثوب إلى مستقبلٍ أليق بنا.

والآخر: حاجتنا إلى أن نعرف تلك العوامل التي جعلت منَّا في الماضي القريب شعوبًا تخضع للاستعمار والاستعباد، ثم تصبر عليه هذه المدَّة الطويلة.

عمر فروخ وجهوده في خدمة التاريخ الإسلامي – القسم الثاني

المصدر: موقع قصة الإسلام

التعليقات (0)