عمر فروخ وجهوده في خدمة التاريخ الإسلامي – القسم الثاني

عمر فروخ وجهوده في خدمة التاريخ الإسلامي – القسم الثاني

أحمد العلاونة

تعليل التاريخ:

ذهب عمر فروخ رحمه الله إلى أنَّ الغاية من تعليل التاريخ أن يُدرك الطالب وهو يقرأ في المصـادر والمراجع التاريخيَّة مـدى الصحَّة والخطأ في ما يقرأ، وأن يُفرِّق بين التاريخ (الصحيح العلمي) وبين الحكاية (الشعبيَّة الخرافيَّة) لأحـداث الماضي، وهـذا التعليل يُعنى كثيرًا بالأسباب والنتائج، أمَّا الأحداث نفسها فتتفاوت قيمتها بمدى ثباتها على التعليل، وبتفسيرها للأسباب والنتائج.

فالتاريخ للعبرة .. نتَّعظ بأخطاء الماضي، فلا نُكرِّرها، ونجعل من صحيح الأفعال حافزًا لنا، مؤكدًا: "أنَّ التاريخ يجب أن يُتَّخذ حافزًا للهمم في الأمَّة، ولكن لا يجوز أن يُصبح التاريخ وعاءً للألفاظ الوطنيَّة الجوفاء، ولا وسيلةً إلى تبرير خمول الأمَّة وتأخُّرها، يجب أن ندرس أحداث الماضي حتى نُدرك أحوال حاضرنا، ثم نُحاول أن نتلافى تكرار سيِّئات الماضي في المستقبل".

وينقل عن ابن خلدون -وهو أوَّل من كتب في قيمة التعليل الاجتماعي للتاريخ- أنَّ التعليل العاقل للتاريخ يقوم على ما هو آت:

  1. العوامل التي تُؤثِّر في سيرة التاريخ كثيرة، فلا يجوز الاكتفاء بعاملٍ واحدٍ منها عند التعليل.
  2. إنَّ بعض العوامل يكون في بعض وقائع التاريخ أشدُّ أثرًا من بعضها الآخر.
  3. إنَّ الدافع الأول في سير التاريخ إنَّما هو العصبيَّة (الخصائص المادِّيَّة في العدد والسلاح والمال والعلم)، وأنَّ ظَفَر جماعة بجماعة يقوم على أوجهٍ مختلفةٍ من القوَّة في العصبيَّة الظافرة.
  4. إنَّ طبيعة البيئة تُؤثِّر تأثيرًا ظاهرًا في سير التاريخ بين أهلها.
  5. إنَّ التاريخ صورةٌ للحضارة كلِّها، فيجب أن يتناول المؤرِّخ أوجه الحضارة كلِّها عند كتابة التاريخ، من أجل ذلك وجب أن يكون المؤرِّخ ملمًّا إلمامًا كافيًا بعددٍ من العلوم والفنون حتى يستطيع فهم عوامل التاريخ، وتدوين نتائج التاريخ على وجهها الصحيح، ووصف تطوُّر الحضارة.
  6. إنَّ أحوال المجتمع تتبدَّل باستمرار ولكن ببطء، فعلى قارئ التاريخ وعلى مدوِّن أحداث التاريخ أن يَفْطِنا لذلك.
  7. لا يجوز لنا أن نقبل خبرًا إذا كان مستحيلًا في العقل أو في العادة، وكذلك يجب أن نتروَّى في قبول الأخبار الممكنة في العقل وفي العادة، حتى تثبت لنا صحَّتها بثبوت صدق قائلها.

دفاع عمر فروخ عن العثمانيين:

يصف عمر فروخ رحمه الله العصر العثماني بأنَّه عصرٌ إسلاميُّ الإيمان، عربيُّ الثقافة. ويقول: إنَّ الذين يذمُّون هذا العصر يجهلون التاريخ السياسي للدولة العثمانيَّة، والتاريخ العربي، والتاريخ الأوربِّي، ومجرى التاريخ. ويُشيـر إلى أنَّ الأمم كلَّها تمرُّ في أطوارٍ مختلفةٍ في تاريخها: من قوَّةٍ وضعف، ومن صـعودٍ وهبوط، ومن غـنًى وفقر، ومن ازدهارٍ وانحطاط. والحكم الصحيح في منطق التاريخ أن نصف كلَّ طورٍ بخصائص ذلك الطور.

ويُبيِّن أنَّ الدولة العثمانيَّة -ككلِّ دولةٍ أخرى- شهدت في أوَّلها عهود قوَّةٍ ثم خضعت في آخر أيَّامها لعوامل ضعف، والأمم في أيَّام ضعفها تكون عرضةً لكلِّ تهمة، وكثيرًا ما تُصدَّق تلك التُّهم عليها، ويذكر أنَّ الذين يحملون على الحكم العثماني في البلاد العربيَّة منذ مطلع القرن العشرين يغفلون عن جوانب كثيرة من حقائق التاريخ، منها:

- أنَّ الدولة العثمانيَّة قد ضعفت فعلًا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فاضطربت أحوالها، وفي الأحوال المضطربة تحدث عادةً حوادث من الظلم، ومن سوء الحكم، ومن التخلُّف السياسي والاجتماعي والثقافي.

- في مثل هذه الأحوال تنشأ في الأمم عناصر تنتسب في الظاهر إلى الأمَّة الضعيفة، ثم تكون في الحقيقة من أعداء تلك الأمَّة الضعيفة.

- ويكثر أولئك المؤرِّخون الغافلون الكلام في أمرين: التخلُّف الذي لحق بالعرب (من أثر الحكم العثماني في رأيهم)، ثم حوادث الإعدام التي قام بها العثمانيُّون في البلاد العربيَّة بشنق نفرٍ من العرب القوميِّين.

ويثبت أنَّ الكلام في نسبة تخلُّف العرب إلى الحكم العثماني ساقطٌ مرَّةً واحدة؛ فقد ترك العثمانيُّون بلاد العرب ولم يزل أهل هذه البلاد منذ تركها العثمانيُّون حيث كانوا، أو قد أصبحوا أسوأ ممَّا كانوا، ثم إنَّ العثمانيِّين لم يدخلوا المغرب الأقصى وموريتانيا، ولم يحكموا المسلمين في الهند وأندونيسيا، ولم يحكموا الحبشة وليبريا، وكلُّ هذه الشعوب لا تختلف في تخلُّفها عن العرب في تخلُّفهم، وأمَّا شَنْقُ نفرٍ من العرب في أثناء الحرب العالميَّة الأولى، فيعدُّه عمر فروخ رحمه الله من أخطاء الدولة العثمانيَّة الضعيفة؛ إذ إنَّ الجماعات الضعيفة تعتقد أنَّ قتل فردٍ واحدٍ أو أفرادٍ كثيرين يُمكن أن يُبدِّل مجرى التاريخ.

ويلفت الانتباه إلى أنَّ الذين يكرهون الحكم العثماني، وفي الطور الذي كان الحكم العثماني حكمًا صالحًا، هم الذين يذهبون في السياسة مذهب القوميَّة؛ ذلك الاختراع الذي جاءت به الدول الأوربيَّة من قرنٍ ونيِّفٍ لتسهيل تجزئة البلاد العثمانيَّة وتقاسم منافعها. ويتسـاءل: "وإذا كانت الدعوة إلى قوميَّة عربيَّة دعوةً صحيحة، غايتها -كما قيل- توحيد البلاد العربيَّة واسـتقلالها، فلماذا نجد في البلاد العربيَّة اليوم نحو عشرين دولة، قلَّ أن تجد دولتين منها على وفاق؟ أنا لا أقول: إنَّ العرب مخطئون في السير على منهاج قومي، ولا أنا قلت -أيضًا-: إنَّهم مصيبون. ولكنِّي أقول شيئين اثنين:

- إنَّ العرب لم يصلوا من طريق القوميَّة إلى الأمل الذي أرادوا تحقيقه.

- إنَّ العرب كانوا مخطئين -في جميع ميادين حياتهم السياسيَّة والاجتماعيَّة- لمـَّا تركوا الإسلام، الذي نهض بهم من قبل، ثم تبدَّلوا به نظريَّاتٍ قوميَّةً أو سياسيَّةً انحدرت بهم إلى حيث هم الآن".

لقد اعترض العثمانيُّون الدول الأوربِّيَّة التي كانت تُريد احتلال بلاد المغرب (ليبيا وتونس والجزائر والمغرب) منذ القرن السادس عشر للميلاد، وحاربوها وقاتلوها، وحموا المغرب بضعة قرون، فهذه الأقطار الأربعة مجتمعة لم تكن قادرة على أن تقف في وجه الدول الأوربِّيَّة الواثبة على المغرب لاستعماره، ولم يكن في العالم الإسلامي يومذاك دولةٌ قادرةٌ على الوقوف في وجه أوربَّا إلَّا الدولة العثمانيَّة، فطلب أهل الأقطار المغربيَّة معونة الدولة العثمانيَّة، وكانت الدولة العثمانيَّة حكيمة فلم تُرسل جيوشها وأساطيلها جهرة؛ بل آثرت أن تترك الأمر في يد "المرابطين في البحر".

إنَّ دفاع عمر فروخ رحمه الله عن العثمانيين لم يكن لأنَّهم عثمانيُّون؛ ولكن لأنَّ ذلك ممَّا يقتضيه منطق التاريخ وحقيقة الإنصاف. ويقول: "ليس من منطق التاريخ ولا من حقيقة الإنصاف أن نُدافع عن العثمانيِّين لأنَّهم عثمانيُّون، ولا أن نُسوِّد صفحة الإنجليز لأنَّهم إنجليز، ولكن من منطق التاريخ ومن حقيقة الإنصاف أن نأخذ بقواعد التاريخ حينما نأتي إلى الحكم على جماعةٍ من الجماعات، فنذكر لها ما أحسنت فيه، ونُحمِّلها وزر ما أساءت فيه".

إنصاف عمر فروخ للحجاج بن يوسف:

يَعْجَبُ عمر فروخ رحمه الله ممَّا رسخ في أذهان الناس من أنَّ الحجَّاج بن يوسف سفَّاكٌ للدماء، جبَّار، ظالم، هدم الكعبة؛ وأُطْلِقت عليه نعوت القسوة، والظـلم، والجبروت، ما جعـل النفوس تتقزَّز من ذكره، وتشمئزُّ ممَّا نُسِب إليه، مع أنَّ الإنصاف يقضي أن نكتب ما له وما عليه، وعلَّة هذا أنَّ علماءنا لم يعنوا بنقل التاريخ عنايتهم بنقل السنة، ولم يُتعبوا أنفسهم في تصحيح إسناده وتمحيص رواياته كما أتعبوا أنفسهم فيها، وأنَّ التاريخ دُوِّن في عهد العباسيِّين، فكان فيه من التحامل على "بني أميَّة" شيءٌ كثير، وقد امتدَّ ذلك إلى عصرنا هذا؛ إذ نجد العلماء يتشدَّدون في قبول الحديث، ويُحاكمون متنه، ويرفضونه إذا خالف العقل والمنطق، ويتساهلون في قبول الروايات الضعيفة والموضوعة، ولا أبالغ إذا قلت: الخرافات التاريخيَّة.

إنَّك تسمع وتقرأ لمن يُحدِّثك عن الحضارة الإسلاميَّة وفضلها على الحضارات الأخرى، ولا يستطيعون تقديم الإسلام السياسي؛ لأنَّهم يُقدِّمونه مشوَّهًا، ويُبرزون سلفنا الأوَّل أقزامًا ملتاثين، أو سباعًا تتهاوش على أعراض الدنيا ومآربها الخسيسة، وبهذا المنطق "الصبياني" لا يبقى في تاريخ المسلمين رجلٌ موضع ثقة.

أو ليس عجيبًا أنَّ القوم -من غير المسلمين- إن رأوا من عظمائهم خيرًا أذاعوه، وإن رأوا شرًّا دفنوه؟ لقد أُلِّفت عشرات الكتب عن "نابليون" تُنوِّه بأمجاده، وتتواصى بالسكوت عن استبداده وفساده وغدره وشذوذه وخسَّته، أمَّا نحن فمبدعون في تضخيم الآفات إن وُجِدَت، واخـتلاقها إن لم يكن لـها وجود، والنتيجة أنَّه لن يكون لنا تاريـخ، إنَّنا نحن وحدنا الذين نعرض تاريخنا بالصورة الشوهاء الممزَّقة، ونُطيل الوقوف عند مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، و(الجمل)، و(صفين)، و(مهزلة التحكيم)، و(هرقليَّة معاوية)، و(كلاب يزيد وقروده)، و(كربلاء)، و(الحرَّة)، و(ضرب الكعبة بالمنجنيق)، و(الحجَّاج)، و(الظلام التركي)، و(الجهل المملوكي)، مع كلِّ ما في ذلك من أكاذيب وافتراءات، أمَّا قرن الاستعمار الذي ديست فيه ديار الإسلام بأحذية العدوِّ الثقيلة، فهو بدء النهضة وعصر التنوير!!

يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: "إنَّ الجهود المجنونة التي تستبيح قادتنا وكبراءنا في ميدان العلم والأدب والفلسفة، لها غايةٌ يجب فضحها والتحذير من مغبَّتها، إنَّها تُريد القضاء على تاريخ أمَّة، وعندما تكون أمَّتنا بلا تاريخٍ فلن تكون أمَّـة .. ما قيمـة أمَّةٍ ليس لها رجـال؟ وما قيمة دينٍ لم يصنع رجالًا على تراخي العصور؟!".

لقد عمل عمر فروخ رحمه الله على إنصاف الحجَّاج، فذكر له أمورًا عظيمة، منها:

  1. أنَّه أمر بإعجام (نَقْطِ) القرآن الكريم، وضبطه بالحركات (تشكيله)، مع أنَّه لَقِيَ معارضة، ونحن اليوم نذكر الحجَّاج بالخير؛ لأنَّه بعمله هذا قد حفظ القرآن الكريم من التحريف.
  2. نقل الدواوين (سجلَّات الدولة) من اللُّغات القبطيَّة (في مصر) واليونانيَّة (في الشام) والفارسيَّة (في العراق) إلى اللغة العربيَّة، فجعل بهذا اللغة العربيَّة لغـة دولةٍ بعـد أن كانت لغةً للحياة الدينيَّة في الإسـلام .. ولمـَّا اضطرَّ جميع الساكنين في البلاد الإسلاميَّة إلى تعلُّم اللغة العربيَّة (لغة الدولة)، اصطبغ أولئك بصبغةٍ واحدة، وجمعت بينهم ثقافةٌ واحدة.
  3. سكَّ عملةً للبلاد الإسلاميَّة .. إنَّ العملة المسكوكة باللغة العربيَّة قد خلعت على الدولة العربيَّة شخصيَّةً مستقلَّة، وجعلت لها وجاهةً بين العرب أنفسهم، ولدى الدول الأخرى. ويُلاحـظ أنَّ ما جاء في الفقرة الثانية والثالثة يُنسـب إلى "عبد الملك بن مروان".
  4. فتح السند وما وراء النهر .. إنَّ الفـتوح لـم تتَّسع في المشـرق إلَّا حينما ولَّى الحجّاجُ قتيبة بن مسلم خراسان، ووجَّهه في فتوحاته حتى وصل إلى "كاشغر" على حدود الصين، ثم جهَّز الحجَّاج جيشًا من الشباب بقيادة ابن عمِّه "محمد بن القاسم الثقفي" وأرسله لفتح السند، ففتحها بلدًا بلدًا، وهذا يدلُّ على سعة الدراية بالناس، ونفوذ بصره إلى دخائل نفوسهم.

عمر فروخ وجهوده في خدمة التاريخ الإسلامي – القسم الأول

عمر فروخ وجهوده في خدمة التاريخ الإسلامي – القسم الثالث

المصدر: موقع قصة الإسلام

التعليقات (0)