عمر فروخ وجهوده في خدمة التاريخ الإسلامي – القسم الثالث

عمر فروخ وجهوده في خدمة التاريخ الإسلامي – القسم الثالث

أحمد العلاونة

إصلاحات الحجاج في العراق:

ثم إنَّ عمر فروخ رحمه الله وهو يسعى لإنصاف الحجَّاج، ذكر عددًا من إصلاحاته في العراق، من ذلك:

  1. أنَّه مسح العراق (أي قاسه واستخرج مساحاته، وعيَّن أماكنه، وقيَّد الأملاك فيه)، ثم جعل كلَّ صاحب أرضٍ مسئولًا عن الجريمة التي تقع في أرضه، فساعد بذلك على نشر الأمن في العراق.
  2. أعاد حفر الأقنية الكبرى بعد أن كانت الحروب والفتن قد طمرتها، فانتعشت بذلك الزراعة.
  3. وحَّد المكاييل والمقاييس والموازين، فسهل بذلك الأعمال التجاريَّة وضبط الأسعار.
  4. منع الهجرة الداخلية من القرى إلى المدن؛ لئلَّا تقفر القرى فتقل الزراعة ثم تزدحم المدن وتضيق بالعاطلين من أهلها.
  5. عُني بالنظافة العامَّة، فقتل الكلاب الشاردة، وحبس من بال في الشارع بمدينة واسط.
  6. نظم الجيش (جعله نظامًا إجباريًّا) واختار له الأحداث فقط، وكان يفحص المتقدِّمين إلى الجيش فحصًا طبِّيًّا.

ثم يقول عمر فروخ رحمه الله بعد هذا كلِّه: "إنَّ هذا الذي تفتَّحت له عبقريَّة الحجَّاج بن يوسف في القرن الأوَّل للهجرة (أوائل القرن الثامن للميلاد)، لم تَرَهُ العبقريةُ الفرنسيَّة إلَّا في آخر القرن الثامن عشر للميلاد (أوائل القرن الثالث عشر للهجرة) بعد أحد عشر قرنًا!". ويُضيف: "وبينما كانت الفتوح العربية في المشرق على أشد اتِّساعها، تُوفِّي الحجَّاج .. فتوقَّفت الفتوح عند الحدِّ الذي كانت قد بلغت .. ومات الحجاج ولم يخلف إلَّا سيفًا ومصحفًا وعشرة دراهم فضَّة".

الفرق بين أبطال المسلمين وقادة الغرب:

يرى عمر فروخ رحمه الله أن القادة الكبار العباقرة -حقًّا وصدقًا- منذ كان العالم إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم، هم: خالد بن الوليد، وأبو عبيدة، وسعد بن أبي وقاص، رضي الله عنهـم، ومحمـد بن القاسـم، وموسى بن نصير، وصلاح الدين الأيوبي، والظاهر بيبرس، ومحمد الفاتح، وأمثالهم من الذين فتحوا البلاد شرقًا وغربًا، ثم بقيت آثارهم في السياسة وفي الحضارة ظاهرة فيما عملوا؛ ذلك لأنَّهم لم يقوموا بما قاموا به اندفاعًا من طموحهم وغرورهم، بل لأنَّهم كانوا يلمحون مثلًا أعلى فَرَجَوْا تحقيقه، وكانوا يرون حقًّا مهضومًا فأرادوا أن يُدافعوا عنه، إنَّ هؤلاء كانوا معالم في موكب التاريخ الإنساني، ساروا فيه على هدىً وبصيرة، فأصبحوا بأعمالهم جزءًا من تراث الإنسانيَّة كلِّها.

أمَّا الذين كانوا مثل الإسكندر المقدوني ونابليون في القدماء، ثم هتلر وموسوليني في المعاصرين لنا، فيرى أنَّهم كانوا عباقرةً لأنَّهم فعلوا في الزمن الأقصر ما لم يستطع كثيرون أن يفعلوه في الزمن الأطول، ولكنَّهم ليسوا عباقرةً في فَنـيَّ الجنديَّة والحكم؛ لأنَّهم قدَّموا على مَذْبح طموحهم وغرورهم تضحيَّاتٍ كبارًا كثارًا، ثم لم يُحدثوا سوى تبديل جغرافي قصير عمره -على سعة مداه- قليل ظله، هذا إذا لم نذكر الأسى الذي أدخلوه على النفوس الإنسانيَّة بين أبناء قومهم وبين غير أبناء قومهم.

ويُوازن بين نابليون وخالد بن الوليد رضي الله عنه، فيقول:

"إنَّ المعارك التي خاضها نابليون وظفر فيها كانت محاولةً لإلقاء صورةٍ من خياله على أرض هذا العالم، ثم ما لبثت هذه الصورة من خياله أن زالت قبل أن يزول هو .. لنتخيَّل نحن الآن معركة اليرموك كما كانت في ذهن خالد بن الوليد رضي الله عنه، يوم أعدَّ خالد بن الوليد رضي الله عنه معركة اليرموك ثم قادها: إنَّها معركةٌ أزالت حضـارة شائخة فاسـدة، ثـم جاءت بحضـارةٍ فتيَّةٍ صالـحة .. إنَّها معركةٌ جاءت إلى العالم بوجوهٍ من الحضارة: في الدين، واللغة، والاجتماع، والثقافة، ثـم ثبتت على وجـه الدهر. فإذا نحن جعـلنا خـالد بن الوليد -بما رأينا من نتاج معاركِه في الحضارة- ثم قسنا بها معارك نابليون بونابارت من حيث النتائج أيضًا، بدا لنا نابليون طفلًا كبيرًا يلهو في غفلةٍ من أهل زمانه بتشويه معالم بيئته. فلمَّا تنبَّه أهل زمانه وأدركوا ما كان يعمل، ضربوا على يديه، ثم أعادوا كلَّ شيءٍ إلى ما كان عليه، بعدئذٍ حجزوه حتى لا يعود إلى مثل ما كان قد فعل".

ويُبيِّن عمر فروخ رحمه الله أنَّ العمل الذي يقوم به البطل الفرد مقطوعًا عن جهود قومه وأتباعه يزول بموت ذلك البطل، أمَّا إذا أشرك البطلُ قومه معه وجعل من جهوده حركة اجتماعية، فإنَّ العمل الذي قام به في حياته يبقى ويرسخ ويزداد قوَّة.

عمر فروخ ورد الأساطير والخرافات التاريخية:

إحراق طارق بن زياد السفن:

لم يكن عمر فروخ رحمه الله يأخذ بالروايات التاريخيَّة لشيوعها؛ بل كان يأخذ بها لصحَّتها، فردَّ ما بطل منها وإن ترسَّخ في الأذهان على أنَّها حقائق، من ذلك: إحراق طارق بن زياد السفن التي جاء بها إلى الأندلس، وخطبته المشهورة. فيذكر أنَّه لا يُمكن أن يكون طارق قد أحرق السفن؛ لأنَّ هذه السفن كانت ليوليان، ولأنَّ الحاجة إليها كانت شديدة للتردُّد بين الشاطئين؛ فإنَّ سبعة آلاف رجلٍ مع سلاحهم وأعتادهم لا يُمكن أن ينتقلوا مرَّةً واحدةً في أربع سفن، ثم إنَّ موسى بن نصير كان في هذه الأثناء يُنشئ سفنًا جديدة، فليس من المعقول أن يحرق طارق السفن المبنيَّة، ولو أنَّ طارقًا أحرق تلك السفن لكان في عمله ذلك غفلةً عسكريةً تمنعه من الانسحاب فيما لو اضطرَّ إليه.

أمَّا الخطبة المشهورة التي تُنسب إلى طارق ومطلعها: "أيُّها الناس، البحر من ورائكم والعدوُّ من أمامكم، وليس لكم -والله- إلَّا الصدق والصبر ...". فينفي أن تكون له، ويُعلِّل هذا بأنَّ طارق بن زياد بربري الأصل، دخل في الإسلام وفي ولاء موسى بن نصير، ولمـَّا جاز طارق برجاله إلى الأندلس للفتح لم يكن قد مرَّ على إسلامه وتعلُّمه اللغة العربية إلَّا خمس سنوات، فلا يعقل أن تبلغ مقدرة طارق في اللغة العربية والبلاغة إلى الحدِّ الذي يبدو في الخطبة، ثم إنَّ في الخطبة صناعةٌ هي أقرب إلى ما عُرف في العصر العباسي، ولم تُذكر إلَّا في المراجع المتأخِّرة.

امرؤ القيس .. ونبأ مقتل أبيه:

ونراه يردُّ الرواية التي تناقلتها كتب تاريخ الأدب من أنَّ امرأ القيس تلقَّى نعي أبيه وهو يشرب الخمر بمكانٍ اسمه دمُّون، فقال: "اليوم خمرٌ وغدًا أمرٌ". بعد أن ذكر أنَّ معظم الدارسين المحدَثين قد أخذوها وقبلوها في كتبهم ومحاضراتهم، ومع أنَّ هذه الرواية غير معقولة، فلم يكن بإمكان أحد أن يردها؛ ذلك لأنَّ تاريخ الأدب من العلوم النقليَّة، التي تعتمد الرواية وحدها، أو التعليل إذا أمكن، ولكن بالاستناد إلى الرواية.

ويُشير إلى أنَّه صدر في عام 1913م ديوان عبيد بن الأبرص الأسدي، وهو معاصرٌ لامرئ القيس وأسنُّ منه، وكان عبيد من زعماء بني أسد الذين ثاروا على حِجْر والد امرئ القيس، وقاتلوه وقتلوه، ويبدو أنَّ امرأ القيس وإخوته كانوا في المعركة مع أبيهم، ولقد خاطب عبيد امرأ القيس فقال له:

وَلَقَدْ أَبَحْنَا مَا حَمَيـْ *** ـتَ وَلَــا مُبِيحَ لِمَا حَمَيْنَا

هَذَا وَلَوْ قَدَرَتْ عَلَيْـ *** ـكَ رِمَاحُ قَوْمِي مَا انْتَهَيْنَا

 ثم إنَّ عبيد عيَّر امرأ القيس هَرَبه من المعركة، فقال له:

وَرَكْضُكَ لَوْلَاهُ لَقِيتَ الَّذِي لَقُوا *** فَذَاكَ الَّذِي أَنْجَاكَ مِمَّا هُنَالِكَ

ويقول عمر فروخ رحمه الله، بعد ذلك: "فسقطت بذلك الرواية التي تتعلَّق بدَمُّون، ووجب أن تحـلَّ محلـَّها هذه الرواية التي يرويها معاصرٌ لأمرئ القيس".

تهمة الزندقة:

يلفت عمر فروخ رحمه الله النظر إلى أنَّ "تهمة الزندقة" في العصر العباسي كانت وسيلةً للتخلُّص من الخصوم السياسيِّين، لا للدِّفاع عن الدين؛ فكم من زنديقٍ كان يمرح ويسرح لا يلقى تأنيبًا، فضلًا عن تعذيب .. وكم من تقيٍّ اتـُّهم بالزندقة وقُتل بـها، وما ذلك إلَّا لأنَّ الأوَّل لم يكن خطرًا على الدولـة، بينما الثاني كان خطرًا عليها، من ذلك أنَّ بشارًا عاش طول حياته زنديقًا فلم يتعرَّض له أحد، فلمَّا هجا وزير المهدي "يعقوب بن داود" وأخاه "صالحًا" والي البصرة، أُثيرت قضيَّة زندقته وقُتِل بها.

عمر فروخ ومفهوم العصور الوسطى:

يُؤكِّد عمر فروخ رحمه الله أنَّه حينما نقول في العصور الوسطى: إنَّها العصور المظلمة. فإنَّنا ننعت بذلك حال أوربَّا المسيحيَّة، لا حال الشرق الإسلامي في مصر والشام والعراق وفارس وما حولها، ولا حال المغرب الإسلامي في ليبيا وتونس والجزائر والمغرب؛ فإنَّ أوربَّا المسيحيَّة كانت غارقةً في ظلامٍ دامسٍ من التخلُّف والجهل، قد تقوَّضت فيها الحضارة وامَّحى العمران، ونسي الناس العلم.

حَسْبُنا في الموازنة -كما يذكر عمر فروخ- بين حال الإسلام والحال النصرانيَّة في العصور الوسطى المظلمة في الأوطان المسيحية، والمشْرِقة في الأوطان الإسلامية، ما قام به شارلمان، الذي تُوفِّي مع أبي نُوَاس في عامٍ واحدٍ (199هـ= 813م)؛ إذ إنَّ كتب التاريخ الأجنبيَّة تُثني عليه إلى اليوم؛ لأنَّه أنشأ في قصره مدرسةً لأبناء الأمراء يتعلَّمون فيها شيئًا من القراءة والكتابة والحساب، وكان هو نفسه يحضر معهم هذ الدروس الابتدائيَّة؛ لأنَّه لم يكن أقلَّ منهم حاجةً إليها، هذا بينما كان المسلمون يبتدعون علم الجبر وعلم الكيمياء، ويرصدون النجوم رصدًا علميًّا، ويقيسون محيط الأرض، ويُؤسِّسون المذاهب الفقهيَّة، التي تنحو نحو إسعاد البشر في مواطنهم المختلفة من سطح الأرض.

عمر فروخ وجهوده في خدمة التاريخ الإسلامي – القسم الثاني

المصدر: موقع قصة الإسلام

التعليقات (0)