خير الدين الزركلي – القسم الثاني

خير الدين الزركلي – القسم الثاني

الأستاذ محمد زاهد أبوغدة

وساءت صحة الزركلي في عمله بالمطبعة، فباعها سنة 1927م، وفي منتصف سنة 1347هـ=1927م أصدر الطبعة الأولى من كتاب الأعلام في ثلاثة أجزاء، وكان قد بدأ به في سنة 1912م، برعاية وتشجيع من العلامة الأستاذ محمد كرد علي، ونقتطف هنا إعلان الأستاذ محمد رشيد رضا عن صدوره في مجلة المنار فقال: رأى صديقنا الأديب شاعر الشام خير الدين أفندي الزركلي ما يراه جمهور أهل العلم والأدب من الناطقين بلسان العرب، أن اللغة في حاجة إلى معجم لتراجم أشهر الرجال والنساء من العرب الجاهليين والمخضرمين ومن بعدهم إلى هذا العصر... فشرع في تأليف هذا المعجم وسماه الأعلام. فحقٌّ على جميع كتاب العربية، ولا سيما المصنفين والمؤرخين ومحرري الصحف، أن يشكروا لمؤلفه هذه المنة التي لا يستغني عنها أحد منهم، فلعمري إن حاجتهم إلى هذا الكتاب كحاجتهم إلى معجم من معاجم اللغة، وينبغي أن لا يخلو منه مكتب، وأن يكون بين الأيدي بجانب القاموس ونحوه ... لأنه كما ادّعى واضعه في فاتحته -وصدق- قد ملأ فراغًا في الخزانة العربية قد تُرك له مدة هذه القرون الطويلة.

أما الزركلي فقال بتواضعه المألوف في مقدمة الطبعة الأولى: أما وقد مضيت في ما شرعت فيه، فما عليَّ لتكون الخدمة خالصة للعلم، إلا أن ألتمس ممن حذقوا التاريخ، ومازوا لبابه من قشوره، وكان لهم من الغيرة عليه ما يحفزهم إلى الأخذ بيده، أن يتناولوا الكتاب، منعمين، مفضلين، بنقد خطئه وعدل عوجه، وبيان ما يبدو لهم من مواطن ضعفه، وقديما قال إبراهيم الصولي: المتصفح للكتاب أبصر بمواقع الخلل فيه من منشئه.

وكان العلامة المؤرخ أحمد تيمور باشا، المولود سنة 1288هـ=1871م، والمتوفى سنة 1348هـ=1930م، من أكثر من ابتهج بصدور كتاب الأعلام، وكان ذا فضل ووجاهة، قال الزركلي في ترجمته في الأعلام: وكانت لي معه رحمه الله جلسة في عشية السبت من كل أسبوع، يعرض علي فيها ما عنده من مخطوطات، وأحمل ما أختار منها، ثم أرده في الاسبوع الذي يليه. ونُقِلت مكتبته بعد وفاته إلى دار الكتب المصرية، وهي نحو 18 ألف مجلد. وتلقى الزركلي كثيراً من الملاحظات والتصويبات من عدد من العلماء والباحثين أشار إليها بعرفان وشكر في مقدمة الطبعة الثانية.

واستجم الزركلي ثلاث سنوات، ودعي لزيارة الحجاز بعد أن تسلم آل سعود مقاليد الحكم فيه، فزاره، وكان الأمير فيصل بن عبد العزيز آل سعود هو نائب الملك فيه، فالتقى به، وفاتحه في أن يلي عملا في الحكومة السعودية الفتية، فوافق الزركلي شاكراً، ولكن أمور التعيين تأخرت فيما يبدو، فعاد الزركلي إلى متابعة العمل الوطني فذهب إلى القدس سنة 1930م وأصدر فيها مع زميلين جريدة يومية أسموها الحياة، ومالبثت حكومة الانتداب البريطاني أن أغلقتها، فاتفق مع آخرين على إصدار جريدة يومية أخرى في يافا، وأعدوا لها مطبعة، وأصدروا العدد الاول منها، ولا يذكر الزركلي لهذه الجريدة اسماً، ولعلها جريدة الجامعة الإسلامية التي كان يرأس تحريرها الأستاذ المحامي سليمان التاجي الفاروقي، والذي ليس له ترجمة في الأعلام.

وكان المجمع العلمي العربي قد تأسس في دمشق سنة 1919م، وكان أول رئيس له الأستاذ العلامة محمد كرد علي، المولود سنة 1293هـ=1876م، والمتوفى سنة 1372هـ=1952م، وهو أول من شجع الزركلي في بدايات علمه في كتاب الأعلام، قال الزركلي في المقدمة: رجعت إليه أيام اشتغالي بجمع مادة الكتاب، ناشئا، فأخذ بيدي يرشدني إلى صحاح المصادر، وفتح لي خزانة كتبه آخذ عنها ومنها ما أنا في حاجة إليه. وفي سنة 1930م قام هذا المجمع بتشريف الزركلي بأن ضمه إلى عضويته، فأصبح على قدم سواء مع من كانوا أساتذته من أساطين اللغة والأدب والعلوم، والذين ترجم لكثير منهم في الأعلام.

وفي سنة 1934م أبلغه الأمير فيصل بن عبد العزيز آل سعود، تعيينه مستشارا في السفارة السعودية بالقاهرة، وكانت تدعى الوكالة ثم المفوضية، فترك الجريدة لمن والى إصدارها، وتحول إلى القاهرة، واشترك مع الشيخ يوسف ياسين صديقه القديم ممثلَين عن المملكة السعودية في المداولات التي سبقت إنشاء جامعة الدول العربية، ثم في التوقيع على ميثاق الجامعة عند إنشائها في سنة 1945م.

ولا يفيدنا كثيراً ما كتبه الزركلي في الأعلام عن هذه الفترة التي تمتد 11 سنة، ولكن العلاقات بين الملك عبد العزيز والملك فؤاد ثم الملك فاروق كانت فاترة في أغلب الأوقات، ولذا لا نظن أن الزركلي المستشار كان مثقلاً بأعباء العمل الدبلوماسي، ويتحدث الزركلي عن هذه الفترة بتواضعه الجم فيقول: ومثلّتُ حكومة صاحب الجلالة السعودية، في عدة مؤتمرات دولية، وشاركت في مؤتمرات أدبية واجتماعية.

ولكن الزركلي في ترجمته للشاعر الفلسطيني عبد الرحيم محمود يذكر ما يشير إلى أنه كان مع الأمير سعود في زيارته للمسجد الأقصى عام 1935م، يقول الزركلي: وما زال يرن في أذني قوله من قصيدة ألقاها بين يدي سعود بن عبد العزيز يوم زار فلسطين 1935م وهو ولي للعهد:

المسجد الاقصى أجئت تزوره ... أم جئته قبل الضياع تودعه؟

ونجد اسم الزركلي في مجلة الرسالة سنة 1935م ضمن اللجنة المكلفة بعمل حفل تأبين للأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي، ويبدو أنه في هذه الفترة كان عاكفاً على إعداد الطبعة الثانية من الأعلام، الذي لقيه الأدباء والباحثون بالقبول والثناء، وتوالت عليه التصويبات والاستدراكات كما نرى ذلك في مجلة الرسالة التي كان المرحوم الأستاذ أحمد حسن الزيات يصدرها في القاهرة، وفي سنة 1946م انتخبه أعضاء مجمع اللغة العربية بالقاهرة لضمه في عضوية المجمع، وهذا شرف كبير يستحقه بلا شك الأديب البحاثة. ونجد كذلك في صحيفة أم القرى المكية في سنة 1366هـ=1946م خبر ترقيته من مستشار إلى قائم بالأعمال من الدرجة الأولى، وذلك إثر استقالة الوزير المفوض في القاهرة الشيخ فوزان السابق، الذي ترجم له الزركلي ترجمة لطيفة في الأعلام.

وانتدب الملك عبد العزيز الزركلي في سنة 1946م ليكون مدير وزارة الخارجية بجدة، ثم صدر مرسوم ملكي بأن يتناوب مع صديقه، الشيخ يوسف ياسين، وزير الخارجية بالنيابة، العمل في الوزارة وفي جامعة الدول العربية، معا، وبقي الزركلي في هذا المنصب قرابة 5 سنوات، ثم عين في سنة 1951م وزيرا مفوضا ومندوبا دائما للملكة العربية السعودية لدى جامعة الدول العربية، وصار رئيساً للجنة الثقافية لجامعة الدول العربية.

وقال الزركلي عن هذه المرحلة في الأعلام: فشعرت بالاستقرار بمصر، وباشرت، مع أعمالي الرسمية، طبع هذا الكتاب. وقد سكن الزركلي في حي الزمالك الراقي المطل على النيل، والذي كان يعرف سابقاً بجزيرة الروضة، ويذكر ذلك في ترجمته للإمام السيوطي، ومن هذا الاستقرار الذي شعر به الوالد نجد أن أولاده قد استقروا بمصر وعاشوا بها، وتزوجت كريماته منها، وأدركهم الأجل بها مثل والدهم رحمه الله تعالى. وقد خلف الأستاذ الزركلي ابناً واحد هو المرحوم الدكتور الطبيب ليث، وكان يعمل مستشاراً طبياً بجامعة الدول العربية، وتوفي سنة 2004م، وهو زوج كريمة المفتي السيد محمد أمين الحسيني، وللزركلي ثلاث بنات هن السيدتان طريفة ولميس رحمهما الله، والسيدة حياة.

وفي سنة 1957م أصدر الزركلي الطبعة الثانية من كتاب الأعلام، وبتواضع العالم الكبير قال رحمه الله في مقدمة هذه الطبعة: ربِّ عونَك وتيسيرك، هذا نتاج أربعين عاما ... أمضيتها في وضع الأعلام وطبعه أولا، ثم متابعة العمل فيه، تهذيبا وإصلاحا وتوسعا، وإعداده للطبع ثانيا، وما أطمع من وراء ذلك في أكثر من أن يكون لي، في بنيان تاريخ العرب الضخم، رملة أو حصاة!

ومن طبيعة العمل الدبلوماسي ألا يُترك السفير في بلد واحد فترة تزيد على أربع أو خمس سنوات، وهو أمر يكرهه الدبلوماسيون وتعاني منه أسرهم أشد المعاناة، ولم تطبقه الدبلوماسية السعودية في السابق احتراماً لكثير من السفراء الذين كانوا من رجالات الملك عبد العزيز، ومنهم الأستاذ الزركلي، ولكن هذا التنقل كان نعمة للسفير البحاثة، يمكنه من الاتصال بعلماء هذه البلاد والاطلاع على مكتباتها وكتبها، وقد جاءت الفرصة للزركلي عندما عين في سنة 1957م سفيراً للسعودية في المغرب، وآلت إليه بحكم السِّن عمادة السلك السياسي في المغرب مدة ثلاث سنوات، ولقي الزركلي من علماء المغرب الأفاضل كل مساعدة وتقدير، ولصفته العلمية والدبلوماسية فُتحت له خزائن المغرب الغنية ومكتباتها الخاصة والعامة، ومن راجع الأعلام يرى أن الزركلي رحمه الله نقل المغرب لأهل المشرق، فجلّى وحلّى كتابه بتراجم وفوائد ما كان لينالها لو بقي في المشرق العربي، وكأنه أقام في خزانة الرباط لكثرة ما ينقل عن مخطوطاتها، وأفاده مقامه في المغرب في زيارة أسبانيا ومكتباتها، وليقدم لنا في الأعلام الأسماء الحالية والأعجمية لكثير من أسماء الأعلام والأماكن التي وردت في المصادر العربية.

وقد زار الأستاذُ الدكتور بكري الشيخ أمين، أحد علماء اللغة العربية في حلب، الزركلي في بيروت قبل وفاته بسنتين، وكتب عن اللقاء مقالة هامة، نشرت على الشبكة، تلقى على اختصارها الضوء على جوانب هامة من حياة هذا العلم الكبير، ونقل عنه الدكتور شيخ أمين قوله حول المغرب:

المغرب أيقظ فـيَّ شيئاً غريباً. تساءلت : أين أنا؟ أبـحث عن علماء المغرب، فأراهم كثيرين، ورجالات المغرب في التاريخ العربي كثيرون، وشخصيات المغرب العربي كثيرون.. كل هؤلاء ليس لهم تراجم عندي! هل أنا مقصر؟ بالطبع لا، لأني أخذت المصادر التي حصلت عليها، ونقلت منها، ومصادر المغرب العربي وشخصياتهم وكتبهم كانت غائبة عني حين كنت أعمل في مصر والحجاز والرياض وفي غيرها من البلاد. عندئذٍ قررت ـ وأنا في المغرب ـ أن أشتغل في الإعلام بمن ليس في الأعلام ليكون ملحقاً للأعلام، وجعلت وقتي كله في استدراك ما فاتني.

وبقي الزركلي سفيرا في المغرب إلى سنة 1963م، حين جاءه المرض مع عبوره السبعين من العمر، فاستدعاه الملك فيصل إلى الرياض، وكان على اطلاع على إنجازه التاريخي الهام، فأمر بمنحه إجازة مفتوحة للراحة والتداوي، كانت في حقيقتها إكراماً للزركلي وإمداداً له ليتابع أبحاثه الهامة.

ولم يذهب الزركلي للإقامة في القاهرة، فقد كان النزاع بين السعودية ومصر على أشده بسبب انقلاب السلال في اليمن وإرسال عبد الناصر الجيش المصري لدعمه، واختار الزركلي أن يقيم ببيروت، فقد كانت الزعامة الثقافية للعالم العربي قد انتقلت من تضييق الحكومة الاشتراكية في القاهرة إلى سعة وحرية النظام الليبرالي في بيروت، وتبقى بيروت جذابة بقربها من دمشق موطنه وحبه الأول إلى جانب اعتدال طقسها على مدار السنة.

وفي بيروت عكف الزركلي على استكمال الأعلام وإلى جانبه إنجاز كتابه الذي أسماه الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز، وهو كما ذكر في مقدمته مختصر من كتاب آخر هو شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز، ولكن الكتاب أشبه بكتب أهل الدعاية من الصحافيين، وينقل فيه كثيراً عن غيره، وكان من حق الملك عبد العزيز عليه أن تكون ذكريات الزركلي الشخصية محور هذا الكتاب، لنجد فيه روح المؤرخ اللماح الدقيق التي نجدها في صفحات الأعلام.

أورد الزركلي في ما ترجمه لنفسه في الأعلام أوائل الرحلات التي قام بها ممثلاً للحكومة السعودية ومستفيداً منها في زيارة المكتبات والاطلاع على المخطوطات، وذكر رحمه الله أنه زار إنجلترا وفرنسة سنة 1946م، وزار الولايات المتحدة الأميركية سنة 1947م وأمضى فيها 7 أشهر بمهمة رسمية غير سياسية، حضر في خلالها بعض اجتماعات هيأة الامم المتحدة.

وزار الزركلي أثينا عاصمة اليونان سنة 1954م، في مهمة دبلوماسية، وجعل طريق عودته منها، إلى استانبول، لزيارة بعض مكتباتها، وإلى حلب، فبيروت فالقاهرة.

وزار في سنة 1955م تونس مندوبا لحضور مؤتمر أقامه الحزب الدستوري فيها، وعاد منها مارا بإيطاليا، حيث بقي فيها شهرين طاف فيهما على أهم مكتباتها.

ثم قال رحمه الله: وما زلت سنة 1970م في بيروت، أقوم منها بين حين وآخر برحلات إلى العربية السعودية، موطني الثاني، ودمشق والقاهرة وتركيا وإيطاليا وسويسرة.

ويصعب لضيق المجال حصر المكتبات العامة التي زارها الزركلي واطلع على مخطوطاتها كما يتضح في ثنايا كتاب الأعلام، ولكننا نذكر بعضاً منها: مكتبة الحرم المكي بمكة المكرمة، مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة، المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة، المكتبة السعودية بالرياض، مكتبة الطائف، المكتبة الظاهرية بدمشق، مكتبة الأوقاف بحلب، دار الكتب المصرية بالقاهرة، مكتبة معهد دمياط، مكتبة الإسكندرية، مكتبة الأزهر، خزانة الكتب بالرباط، الخزانة الخالدية بالقدس، مكتبة القيروان بتونس، مكتبة مارسيانا بالبندقية، مكتبة الفاتيكان، مكتبة أمبروزيانا بميلانو، المكتبة العامة بنابولي في إيطاليا، كتبة لورانزيانا بفلورنسا في إيطاليا، مكتبة الاسكوريال قرب مدريد، المكتبة الوطنية بباريس، مكتبة الجامعة الأميركية ببيروت، مكتبة جامعة جنيف بسويسرة، مكتبة آق حصار، المكتبة السليمانية باستانبول، مكتبة مغنيسا في تركية.

وهنا نتوقف قليلاً للحديث عن الزركلي من خلال كتاب الأعلام، فهو للباحث المدقق يسدُّ شيئاً من النقص في معرفة جهود الزركلي وشخصيته، ويتبين لنا من الكتاب كم كان الزركلي دؤوباً على ما انتدب نفسه إليه، دقيقاً في البحث والتحقيق، وما نشره الباحثون من بعده من استدراكات وتصويبات على الأعلام لا تزيد المرء إلا إعجاباً بهذا الجهد المبارك، فهو ولا شك صنو في تاريخنا العربي والإسلامي لياقوت الحموي رحمة الله عليهما.

خير الدين الزركلي – القسم الأول

المصدر: موقع رابطة العلماء السوريين

التعليقات (0)