ابن حيان القرطبي - القسم الأول

ابن حيان القرطبي - القسم الأول

يتبوأ ابن حيان القرطبي الأندلسي مكانة مرموقة بين مفكري الأندلس؛ نتيجة لما أخرجه من تراث تاريخي لا يمكن الاستغناء عنه في دراسة تاريخ المغرب والأندلس، وهو -بلا شك- كما يؤكد الدكتور محمود علي مَكي: "أعظم مؤرخ أنجبته الأندلس، بل والغرب كله الإسلامي والمسيحي منه على السواء"، وقد أشاد المستشرق الهولندي دوزي Dozy1883م) بصدق الرواية عند ابن حَيَّان؛ ناهيك عن شهادة المؤرخ والفيلسوف ابن خلدون808هـ / 1406م) في مقدمته فقال أنه: "قَيَّد شوارد عصره واستوعب أخبار أفقه وقطره". فمن هو ابن حيان شيخ مؤرخي الأندلس وعمدتهم؟

نسب ابن حيان ونشأته:

هو الإمام، المحدث، المؤرخ، النحوي، صاحب التصانيف، أبو مروان حيان بن خلف بن حسين بن حيان بن محمد بن حيان بن وهب بن حيان القرطبي الأندلسي الإخباري الأديب، شيخ الأدب ومؤرخ الأندلس ومسندها، ابن أسرة عُرفت بقربها من السلطة، فقد كان جده الكبير حيان مولى للأمير عبد الرحمن الداخل بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان مؤسس الدولة الأموية في الأندلس. ولد ابن حيان في قرطبة حاضرة الأندلس سنة 377هـ / 987م، وكان أبوه خلف بن حيان كاتبًا لشؤون المال والإدارة لدى المنصور بن أبي عامر حاكم الأندلس المطلق، أي أحد وزرائه بمفهوم عصرنا، وتوطدت علاقة الوالد بالمنصور فلازمه في غدواته وغزواته إلى الممالك النصرانية في الشمال.

شيوخه وتلاميذه:

ذكره الحافظ أبو علي الغساني في شيوخه وقال: "كان عالي السن، قوي المعرفة مستبحراً في الآداب بارعا فيها، صاحب لواء التاريخ بالأندلس، أفصح الناس فيه، وأحسنهم نظما له. لزم الشيخ أبا عمر بن أبي الحباب النحوي صاحب أبي علي البغدادي، ولزم أبا العلاء صاعد بن الحسن الربعي البغدادي وأخذ عنه كتابه المسمى بالفصوص، وسمع الحديث على أبي حفص عمر بن حسين بن نابل وغيره". 

وروى عنه أبو محمد عبد الرحمن بن عتاب، وأبو الوليد مالك بن عبد الله السهلي، والحافظ أبو علي الغساني، وقد أثنى عليه الحافظ الغساني في فصاحته وصدقه وبلاغته وقال: وسمعته يقول:"التهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودة، والتعزية بعد ثلاث إغراء بالمصيبة".

ولم يذكر الذين ترجموا لابن حيان أنه تنقل في مدن الأندلس، أو غادرها إلى بلاد المشرق، كغيره من العلماء والأدباء. وقد كتب ابن حيان في كتبه عن أبيه روايات تاريخية عدة عن أحداث وقعت في قصور الخلافة الأموية في الأندلس، ساهمت في إيقاظ حاسته التاريخية، ومكنته من الوقوف على شؤون الدولة ودراسة مختلف التيارات السياسية.

كما سنحت لابن حيان، وهو معاصر لدول الطوائف، ومدوِّن لأحداثها، فرصة لدراسة أحوال هذه الدويلات عن قرب، فقد ولى الوزارة لبني جهور سادة قرطبة وحكامها عن طريق نظام الجماعة أو الشورى، وكان أحد معاوني أبي الوليد محمد بن جهور ابن أبي الحزم بن جهور مؤسس حكومة الشورى، واستمر في وظيفة الوزارة حتى انهيار دولة بني جهور، إثر افتتاح المعتمد بن عباد حاكم إشبيلية لها في سنة 462هـ1070م، وعلى إثر هذا الفتح أرسل ابن حيان برسالة تهنئة إلى المعتمد بن عباد.

عصر ابن حيان السياسي والفكري:

وُلد أبو مروان ابن حيان القرطبي سنة 377هـ / 987م، وتوفي سنة 469هـ / 1076م، وعلى ذلك فإنه شهد في مطلع شبابه وحدة الأندلس ومنعتها على عهد الدولة العامرية، ثم شهد قيام الفتنة وزوال خلافة قرطبة وقيام دول ملوك الطوائف في الأندلس. آلمه كثيرًا ما آلت اليه حال الأندلس من تمزق وفرقة بعد أن نعمت بالوحدة والمنعة أيام الخلافة الأموية، التي يسميها ابن حيان بأيام الجماعة، فأخذ في تدوين تاريخ عصره بعمقٍ وإسهاب.

أما الوضع السياسي:

فقد شاهد ابن حيان في شبابه تغيرات سياسيّة خطيرة كان لها آثارها الخطيرة على الوجود الإسلامي في الأندلس، إذ انهارت الدولة العامرية المسيطرة على شؤون الحكم في الأندلس، وأعقبها ترنح الخلافة الأموية على مدار 40 عامًا، ثم سقطت لينفرط عقد المدن الأندلسية ووحدة البلاد السياسية، فقامت على أنقاض الأندلس دويلات عدة عرفت بدول الطوائف وكان بعضها لا يزيد على كونه مدينة ودولة، فيما أخذت البقايا الأسبانية تعيد تنظيم قواتها وتبدأ في توجيه جيوشها صوب الأراضي الأندلسية.

وعلى الصعيد الاقتصادي:

وبعد انهيار الخلافة ثم سقوطها حدثت الانتكاسة وعم الكساد الاقتصادي وتدهور العمران، وحفل العصر بالأزمات إلى حدِّ المجاعة وأفل نجم قُرْطُبَة عمرانيًا وبشريًا، وصور ابن حَيَّان الوضع قائلًا: ".. وطمست أعلام قصر الزهراء ..، فطوي بخرابها بساط الدنيا وتغير حسنها؛ إذ كانت جنة الأرض، فعدا عليها قبل تمام المائة من كان أضعف قوة من فارة المسك، وأوهن بنية من بعوضة النمرود، والله يسلط جنوده على من يشاء، له العزة والجبروت".

وعلى الصعيد الاجتماعي:

شهد المجتمع الأندلسي في ظل الخلافة والحجابة مرحلة المزج والانصهار بين العرقيات المتنوعة ليحدث نوع من التجانس لم تشهده الأندلس من قبل؛ إلا أن السخائم العرقية والإقليمية عادت مرة أخرى لتؤثر سلبيًا في هذا التجانس، ولتمزق وحدة الأندلس من جديد بظهور النزعة العنصرية؛ ولذا لم يغب عن ابن حَيَّان أيضًا أن يعبر عن تلك النزعة في الأندلس في تلك الفترة؛ وذلك من خلال حديثه عن اجتماع خازنَي بيت المال في عهد الأمير محمد، وهما "عبد الله بن عثمان بن بسيل، ومحمد بن وليد بن غانم" واستدعى الأمر أن يكتب ابن غانم كتابًا قدم نفسه فيه، فما كان من ابن بسيل إلا أن قال له: "والله لا أطبع كتابًا تتقدمني أنت فيه، وأنا شامي وأنت بلدي". كما أشار أيضًا إلى الفتنة بين اليمنية والمضرية.

أما الحالة الثقافية:

فالعجيب أنه وعلى النقيض من الوضع السياسي؛ لم تكن الثقافة الأندلسية يومًا أشد إشعاعًا، وأقوى خصوبة كما كانت عليه في تلك الفترة. ففي الغالب تكون الأزمة "تحديًا" يوجب "الاستجابة" حسب مفهوم أرنولد توينبي، وغالبًا ما تناط النخبة المفكرة بريادة الاستجابة على الصعيد المعرفي. ويجمع الدارسون على ازدهار الحركة الثقافية في عصر ملوك الطوائف وذلك راجع إلى تداعيات وظلال العصر السابق، بما يؤكد أن الظواهر الفكرية في تطورها وفي أفولها تحتاج إلى فترة زمنية طويلة.

هذا وقد مجد الأندلسيون العلماء والفقهاء ورجال الأدب، وكان لهؤلاء القيادة والريادة في المجتمع الأندلسي. أما العلماء فقلَّ من تجده متبحرًا في علم واحد أو علمين؛ بل فيهم من يعد من الفقهاء والمحدثين والفلاسفة والأدباء والمؤرخين واللغويين، ولم يقتصروا على العلوم النظرية بل كانت لهم دراسات في علوم عملية كالفيزياء، وعلم العقاقير والصيدلة، والزراعة (علم الفلاحة) والذي أبدعوا فيه وصنفوا التصاميم المشهورة، مسجلين ما توصلت إليه تجاربهم في النباتات والتربة.

وهذا التعدد المعرفي لعب دورًا مهمًا في إثراء فكر ابن حَيَّان خاصة وأنه كان مكثرا من الاطلاع على تلك الكتب، وسهلت له تلك النهضة العلمية الاطلاع على تاريخ الممالك النصرانية أيضًا، مما يرجح أنه كان يعرف عجمية الأندلس وأن ما أورده ابن حَيَّان من أخبار عن إسبانيا النصرانية ينم عن معرفته الدقيقة بكل أحوالهما وأنساب حكامها.

وكان لكثرة مطالعاته التاريخية أن تجنب الروايات الخرافية والأسطورية ولم يشع ذلك في كتاباته؛ مما كون وعي تاريخي ناقد لديه ومكنه من أن يصور ما وُجد في البلاط الأندلسي من دسائس وفتن بين الحجاب والوزراء تصويرًا نقديًا لا يعتمد على القص فقط.

كما كانت قرطبة في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي، غدت أحد أعظم مراكز العلم والحضارة في العالم الإسلامي، وأضحت جامعتها الشهيرة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري إحدى أعظم جامعات الأندلس قاطبة. فاستفاد ابن حيان من هذا الجو العلمي سواء الذي وفره له والده، أو الكفاءات العلمية المتوافرة في قرطبة، فانكبّ على دراسة الحديث والأدب واللغة، وبرع في الأدب والرواية حتى غدا أحد أعلامها ومحققيها. وكانت نشأته في أسرة ميسورة الحال ترتبط بالأوساط العليا في قرطبة تتيح له الاطلاع على أفضل ما في مكتبات قرطبة، خصوصًا المكتبة الملحقة بقصر الخلافة، كبرى مكتبات العالم آنذاك ولم تقارن إلا بمكتبات بغداد والقاهرة.

والخلاصة أن الفكر التاريخي قد ازدهر إبان تلك الحقبة التي شهدت "القرن الذهبي" في تاريخ الفكر الإسلامي، وخير نموذج هو حامل لواء التاريخ في الأندلس "ابن حَيَّان القرطبي".

مكانة ابن حيان العلمية والفكرية:

أجمع معظم الذين ترجموا لابن حيان القرطبي الأندلسي على أنه كان إمام المؤرخين في الأندلس؛ لما تميزت به كتاباته التاريخية من سعة ودقة وتفصيل وجودة وجمال وأسلوب. لذا يحظى بتقدير كبير من المؤرخين، وعموم الكتاب ببلده يعتمدونه في الأخبار، وينقلون عنه تراجم الرجال، ويعجبون بأدبه وأسلوبه البليغ، حتى قال فيه تلميذه أبو علي الغساني498هـ / 1105م)، وهو من هو علما ودينا وقد ذكره ضمن شيوخه: "كان عالي السن قوي المعرفة، مستبحراً في الآداب بارعا فيها، صاحب لواء التاريخ بالأندلس، أفصح الناس فيه وأحسنهم نظما (أي تأليفًا) له".

ونقل ابن بشكوال عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عون قوله: "كان أبو مروان بن حيان فصيحا في كلامه، بليغا فيما يكتبه بيده. وكان لا يعتمد كذبا في ما يحكيه في تاريخه من القصص والأخبار". وقال الحميدي في جذوة المقتبس: "صاحب التاريخ الكبير في أخبار الأندلس وملوكها، وله حظ وافر من العلم والبيان وصدق الإيراد ..، وأدركناه بزماننا". أما ابن الآبار فيسميه "جهينة أخـبار المروانية، ومؤرخ آثارها السلطانية".

وقيل إن ابن حيان ثلب أبا الحزم بن جهور، فتوعّده حفيده عبد الملك بن جهور، وحلف أن يسفك دمه، فأحضره أبوه أبو الوليد محمد وقال: والله، لئن طرأ على ابن حيّان أمر، لا آخذنّ أحدا فيه سواك، أتريد أن يضرب بنا المثل في سائر البلدان: بأنّا قتلنا شيخ الأدب والمؤرخين ببلدنا تحت كنفنا، مع أن ملوك البلاد القاصية تداريه وتهاديه؟ وأنشد له نظما، وقال: سبحان من جعله إذا نثر في السماء، وإذا نظم تحت تخوم الماء".

ونوه به ابن حزم في رسالته في فضل الأندلس وذِكر رجالها، بقوله: "ومنها كتاب التاريخ الكبير في أخبار أهل الأندلس تأليف أبي مروان بن حيان، نحو عشرة أسفار، من أجلّ ما ألف في هذا المعنى. وهو في الحياة بعد، لم يتجاوز الاكتهال". وكذلك نوه به الشقندي في رسالته المعروفة. وعده ابن خلدون مؤرخ الأندلس والدولة الأموية.

ولا يستغرب من أهل الأندلس أن يحيطوا نابغة من نبغائهم بهذه الهالة من التقدير، وهم الذين عرفوا بفرط الاعتزاز ببلدهم، والاعتداد برجالاتهم إلى حد التعصب. على أنه في الواقع شخصية فذة لا جدال في قيمة ما قدمه إلينا من مادة تاريخية دسمة، تتوزع ماضي الأندلس من لدن الفتح العربي إلى زمنه، وحاضرها المعاصر له، في كتابيه "المقتبس" و"المتين"، بمجلداتهما العديدة التي لم يصلنا منها إلا أقل القليل.

ونُقل عن دوزي أنه قال: "إن كتاب العرب يمتدحون في كتب ابن حيان صدق الرواية بقدر ما يعجبون بجمال أسلوبه وجزالة لغته ورنين عباراته. وأنا أؤيدهم في ذلك كل التأييد، ولا أتردد في القول بأن كتبه -لو بقيت- لألقت على تاريخ الأندلس الغامض ضياء باهرا، وصورته لنا أحسن تصوير، ولوجدنا أنها تبلغ من الامتياز مبلغا يجعلنا نستغني بها عن غيرها من الكتب التي تتناول تاريخ هذه العصور".

وبالجملة فهو من كبار المؤرخين الذين ظهروا في مغرب الوطن العربي، وإن لم يكتب تاريخا عاما يشمل البلاد العربية والإسلامية، كما فعل ابن جرير الطبري وابن الأثير وابن كثير وأبو الفداء وابن خلدون وغيرهم من أئمة التاريخ العام، لكنه وقد قصر تاريخه على بلاده الأندلس، سدّ فراغا لولاه لم يسدّ وعمل في دائرته الخاصة عملا متقنا، فلحق بركب المؤرخين المجيدين والمؤلفين المتميزين في هذا الشأن، ويبالغ بعض الكتاب في شأنه فيجعلونه أعظم مؤرخ ظهر في الأندلس.

ابن حَيَّان القرطبي - القسم الثاني

المصدر: موقع قصة الإسلام

التعليقات (0)