الواقدي والنبوغ في المغازي والسير والتاريخ – القسم الأول

الواقدي والنبوغ في المغازي والسير والتاريخ – القسم الأول

محمد بن عمر الواقدي، آخر الكبار المؤسسين لعلم السيرة النبوية، وهو صاحب أشهر كتاب في مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في أخبار الناس والسير والفقه وسائر الفنون ثقة بالإجماع.

الواقدي .. اسمه ونشأته:

هو العلامة الإمام أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد، الأسلمي السهمي مولاهم، المدني ثم البغدادي، القاضي، الأخباري، المقرئ، السخي، الملقب بلقبه المشهور الواقدي، وهو مولى من الموالي، قيل مولى بني هاشم، وقيل مولى بني سهم بن أسلم، فكان جده واقد مولى لعبد الله بن بريدة الأسلمي.

ولد الواقدي بالمدينة المنورة في آخر خلافة مروان بن محمد، قيل سنة 129هـ، والأصح ما رواه كاتبه ابن سعد، أنه ولد سنة 130هـ 747م.

شيوخ الواقدي:

سمع الواقدي من صغار التابعين فمن بعدهم، بالحجاز، والشام، وغير ذلك، فنال علوم المغازي والسيرة والتاريخ والفقه والحديث والقرآن والقضاء والفتيا والنحو، وغيرها، فمن شيوخه بدمشق: الأوزاعي وهشام بن الغاز وثور بن يزيد ومعاوية بن صالح، وبغير دمشق: معمر وابن أبي ذئب وأبي سفيان الثوري وأبي بكر بن أبي سبرة ومحمد بن عبد الله بن أخي الزهري وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وأسامة بن زيد وربيعة بن عثمان وعبد الحميد بن جعفر. وروى القراءة عن نافع بن أبي نعيم، وعيسى بن وردان، وروى الحروف عن عدي بن الفضل عن أبي عمرو وله عن نافع نسخة، وغيرهم كثير.

ومن شيوخه الإمام مالك بن أنس، روى عنه حديثا كثيرا وفقها ومسائل، ومن أشهر شيوخه في السير والمغازي والتاريخ أبو معشر السندي، وقد استفاد الواقدي كثيرًا من علمه خاصة في المغازي والتاريخ عندما تتلمذ عليه وهو في المدينة.

تلاميذ الواقدي:

وروى عن الواقديأبو بكر بن أبي شيبة وأبو بكر محمد بن إسحاق الصغاني وكاتبه محمد بن سعد وأبو حسان الحسن بن عثمان الزيادي وأحمد بن رجاء الفريابي وأحمد بن الفضل بن الدهقان ومحمد بن يحيى الأزدي وعلي بن يزيد الصدائي والحسن بن مرزوق وسليمان الشاذكوني وأحمد بن الخليل البرجلاني وعبد الله بن الحسن الهاشمي وأبو عبيد القاسم بن سلام، والإمام الشافعي ومات قبله، وغيرهم [1].

انتقال الواقدي إلى بغداد:

كان الواقدي مع سعة علمه وفقهه يعمل في المدينة المنورة حناطا (تاجر حنطة)، قال الواقدي: كنت حناطًا بالمدينة في يدي مائة ألف درهم للناس أضارب بها، فتلفت الدراهم فشخصت إلى العراق، فقصدت يحيى بن خالد، فكان انتقال الواقدي إلى العراق سنة 180هـ في أيام الخليفة العباسي هارون الرشيد، فولاه الرشيد القضاء بشرقي بغداد.

علاقة الواقدي بالخلفاء العباسيين:

اتصل الواقدي بالخلفاء العباسيين، بدءًا من هارون الرشيد عن طريق علمه وسعة معلوماته عن الغزوات ومشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهناك رواية تقول: إن أمير المؤمنين هارون الرشيد لما حج في أول سنة من خلافته سنة 170هـ، قال ليحيى بن خالد البرمكي: "ارتدْ لي رجلًا عارفًا بالمدينة والمشاهد، وكيف كان نزول جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أي وجه كان يأتيه، وقبور الشهداء". فسأل يحيى بن خالد عن العالم الذي تتوفر فيه تلك الصفات التي طلبها الخليفة فدله الناس على الواقدي، وذلك حسب قوله هو (أي الواقدي)، فقد قال: "كلهم دله عليَّ، فبعث إليَّ فأتيته، وذلك بعد العصر، فقال لي يا شيخ؛ إن أمير المؤمنين -أعزه الله- يريد أن تصلي العشاء الآخرة في المسجد، وتمضي معنا إلى هذه المشاهد، فتوقفنا عليها، ففعلتُ، ولم أدع موضعًا من المواضع، ولا مشهدًا من المشاهد إلا مررت بهما (يعني الخليفة هارون الرشيد ووزيره يحيى بن خالد البرمكي) عليه"، ومنحاه مالًا كثيرًا.

ومن هذه الحادثة توطدت العلاقة بين الواقدي ويحيى بن خالد البرمكي، حتى طلب منه البرمكي أن يصير إليه في العراق، ففعل الواقدي بعد أن ضاق به الدَّيْن وذلك سنة 180هـ،  فأغدق عليه كثيرًا من الأموال وأخلص هو في حبه للبرامكة، حتى إنه بعد نكبتهم المشهورة سنة 187هـ، كان كثير الترحم على يحيى بن خالد كلما ذكر اسمه.

ورغم صلة الواقدي القوية بالبرامكة إلا أن مكانته في بلاط خلفاء بني العباس ظلت كما هي، ولم ينله ضرر بسبب تلك الصلة بعد نكبتهم، بل ازدادت مكانته وثقة الخلفاء فيه إلى الحد الذي جعل المأمون يوليه القضاء في عسكر المهدي، وهي المحلة المعروفة بالرصافة في شرق بغداد، وكان المأمون كثير الإكرام له، ويداوم على رعايته وظل في منصب القضاء حتى وفاته سنة 207هـ.

وكتب الواقدي إلى المأمون مرة يشكو ضائقة ركبه بسببها ديْن، وعيَّن مقداره، فوقع المأمون على قصته بخطِّه: فيك خلتان سخاء وحياء، فالسخاء أطلق يديك بتبذير ما ملكت، والحياء حملك على أن ذكرت لنا بعض دينك، وقد أمرنا لك بضعف ما سألت، وإن كنا قصرنا عن بلوغ حاجتك فبجنايتك على نفسك، وإن كنا بلغنا بغيتك فزد في بسطة يدك فإن خزائن الله مفتوحة ويده بالخير مبسوطة، وأنت حدثتني حين كنت على قضاء الرشيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للزبير: "يا زبير إن مفاتيح الرزق بإزاء العرش ينزل الله سبحانه للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم فمن كثَّر كُثِّر له ومن قلل قُلِّل عليه"، قال الواقديوكنت نسيت الحديث، وكان تذكيره لي به أعجب من صلته.

ومن المآخذ التي أخذها العلماء على الواقدي أن صلته بالخلفاء العباسيين قد أثرت في أمانته العلمية، فأعرض عن ذكر الأحداث التي تغضبهم، أو لا يرضون عنها، ومن أمثلة ذلك حذف اسم العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم من جملة أسماء الذين شاركوا في معركة بدر من مشركي مكة، ووقعوا أسرى في يد المسلمين [2].

منزلة الواقدي العلمية:

يعتبر الواقدي الثاني بعد ابن إسحاق في سعة العلم بالمغازي والسير، قال كاتبه محمد بن سعد: "كان عالما بالمغازي، والسيرة والفتوح والأحكام واختلاف الناس واجتماعهم على ما اجتمعوا عليه. وقد فسر ذلك في كتب استخرجها، ووضعها وحدث بها".

وقال الخطيب البغدادي: "وهو ممن طبق شرق الأرض وغربها ذكره، ولم يخف على أحد -عرف أخبار الناس- أمره، وسارت الركبان بكتبه في فنون العلم من المغازي والسير، والطبقات، وأخبار النبي صلى الله عليه وسلم، والأحداث التي كانت في وقته، وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وكتب الفقه، واختلاف الناس في الحديث وغير ذلك، وكان كريمًا جوادًا مشهورًا بالسخاء".

وقال عنه الذهبي: "وهو رأس في المغازي والسير ويروي عن كل ضرب ..، ولي قضاء بغداد، وكان له رئاسة وجلالة وصورة عظيمة".

وعن الواقدي، قال: "كانت ألواحي تضيع، فأوتى بها من شهرتها بالمدينة. يقال: هذه ألواح ابن واقد". قال الذهبي: "قد كانت للواقدي في وقته جلالة عجيبة، ووقع في النفوس، بحيث إن أبا عامر العقدي قال: نحن نسأل عن الواقدي؟ ما كان يفيدنا الشيوخ والحديث إلا الواقدي". وقال مصعب الزبيري: حدثني من سمع عبد الله بن المبارك يقول: "كنت أقدم المدينة، فما يفيدني ويدلني على الشيوخ إلا الواقدي".

وروى ابن سعد عن الواقدي أنه قال: "ما من أحد إلا وكتبه أكثر من حفظه، وحفظي أكثر من كتبي". و لما تحول الواقدي من الجانب الغربي يقال إنه حمل كتبه على عشرين ومائة وقر، وقيل كان له ستمائة قمطر كتب.

وسُئل مالك بن أنس عن المرأة التي سمت النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر ما فعل بها؟ فقال: ليس عندي بها علم، وسأسأل أهل العلم، فلقي الواقدي فقال: يا أبا عبد الله ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بالمرأة التي سمته بخيبر؟ فقال: الذي عندنا أنه قتلها؛ فقال مالك: قد سألت أهل العلم فأخبروني أنه قتلها [3].

المصدر: موقع قصة الإسلام


الحواشي

[1] انظر ترجمته في: ابن سعد: الطبقات الكبرى، 5/ 425. الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، 4/ 5 - 6. ابن عساكر: تاريخ دمشق، 54/ 432. ياقوت الحموي: معجم الأدباء، 6/ 2595. ابن خلكان: وفيات الأعيان، 4/ 348. المزي: تهذيب الكمال في أسماء الرجال، 26/ 180. الذهبي: تاريخ الإسلام، 5/ 182. سير أعلام النبلاء، 9/ 454.  الصفدي: الوافي بالوفيات، 4/ 168. ابن الجزري: غاية النهاية في طبقات القراء، 2/ 219. قاسم علي سعد: جمهرة تراجم الفقهاء المالكية، 3/ 1158.

[2] ابن سعد: الطبقات الكبرى، 5/ 425 – 427. ياقوت الحموي: معجم الأدباء، 6/ 2596 – 2597.

[3] ابن سعد: الطبقات الكبرى، 5/ 425. الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، 4/ 5 - 6. ابن منظور: مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، 23/ 131 – 140. الذهبي: تذكرة الحفاظ، 1/ 254، سير أعلام النبلاء، 9/ 457 - 459.

التعليقات (0)