الواقدي والنبوغ في المغازي والسير والتاريخ – القسم الثاني

الواقدي والنبوغ في المغازي والسير والتاريخ – القسم الثاني

موقف العلماء من الواقدي:

وقد وقف الناس من الواقدي مواقف متباينة فمنهم من قوَّاه، ومنهم من ضعفه حتى اتهمه غير واحد بالوضع في الحديث، ولكنه في المغازي والسير والأحداث غير مدفوع عن ذلك، بل له بها مزيد عناية واختصاص، وهو فيها رأس وله مكانة.

وقد جمع الخطيب البغدادي في تاريخه وكثير من المؤرخين أقوال من وثَّقه، ومنها: قال الإمام إبراهيم الحربي: الواقدي أمين الناس على الإسلام، وقال محمد بن إسحاقوالله لولا أنه عندي ثقة ما حدثت عنه. وقال مصعب بن الزبيروالله ما رأينا مثل الواقدي. وقال أيضا: الواقدي ثقة مأمون. وقال الإمام إبراهيم الحربيمن قال إن مسائل مالك وابن أبي ذئب تؤخذ من أوثق من الواقدي فلا تصدقه. وعن إبراهيم الحربي، قال: كان الواقدي أعلم الناس بأمر الإسلام، فأما الجاهلية فلم يعلم منها شيئا.

وقال الحافظ الدراوردي ومحمد بن الحسن الشيبانيالواقدي أمير المؤمنين في الحديث، وذلك قبل أن يصبح هذا اللقب مقصورًا على الإمام البخاري فيما بعد. وقال محمد بن سلام الجمحيالواقدي عالم دهره. ووثقه يزيد بن هارون ووثقه كذلك أبو عبيد القاسم بن سلام.

وقد قال ياقوت: "وهو مع ذلك ضعَّفه طائفة من المحدثين كابن معين وأبي حاتم والنسائي وابن عدي وابن راهويه والدارقطني. أما في أخبار الناس والسير والفقه وسائر الفنون فهو ثقة بإجماع".

وقد نقل ابن الجوزي أقوال من ضعفوه واتهموه بالوضع، قال: "قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: هُوَ كَذَّاب كَانَ يقلب الْأَحَادِيث يلقِي حَدِيث ابْن أخي الزُّهْرِيّ على معمر وَنَحْو ذَا، وَقَالَ يحيى (ابن معين): لَيْسَ بِثِقَة وَقَالَ مرّة لَيْسَ بِشَيْء لَا يكْتب حَدِيثه. وَقَالَ البُخَارِيّ والرازي وَالنَّسَائِيّ مَتْرُوك الحَدِيث، وَذكر الرَّازِيّ وَالنَّسَائِيّ أَنه كَانَ يضع الحَدِيث، وَقَالَ الدراقطني: فِيهِ ضعف وَقَالَ ابْن عدي: أَحَادِيثه غير مَحْفُوظَة وَالْبَلَاء مِنْهُ".

وأمام هذا الاختلاف حول الواقدي، قال ابن كثير: "الواقدي عنده زيادات حسنة، وتاريخ محرر غالبًا، فإنه من أئمة هذا الشأن الكبار، وهو صدوق في نفسه مكثار". وقال الذهبي: "الواقدي، المديني، القاضي، صاحب التصانيف والمغازي، العلامة، الإمام، أبو عبد الله، أحد أوعية العلم على ضعفه، المتفق عليه ..، وجمع فأوعى، وخلط الغث بالسمين، والخرز بالدر الثمين، فاطرحوه لذلك، ومع هذا، فلا يستغنى عنه في المغازي، وأيام الصحابة، وأخبارهم".

وقال كذلك: "والواقدي وإن كان لا نزاع في ضعفه فهو صادق اللسان كبير القدر". وقال بعد أن استعرض ما قاله مادحوه وقادحوه: "وقد تقرر أن الواقدي ضعيف يحتاج إليه في الغزوات والتاريخ، ونورد آثاره من غير احتجاج، أما في الفرائض فلا ينبغي أن يذكر فهذه الكتب الستة، ومسند أحمد، وعامة من جمع في الأحكام نراهم يترخصون في إخراج أحاديث أناس ضعفاء، بل ومتروكين، ومع هذا لا يخرجون لمحمد بن عمر شيئا، مع أن وزنه عندي أنه مع ضعفه يكتب حديثه ويروى، لأني لا أتهمه بالوضع، وقول من أهدره فيه مجازفة من بعض الوجوه، كما أنه لا عبرة بتوثيق من وثقه -وهم تمام عشرة محدثين- إذ انعقد الإجماع اليوم على أنه ليس بحجة، وأن حديثه في عداد الواهي".

وقال عنه ابن سيد الناس: "سعة العلم مظنة لكثرة الأغراب، وكثرة الأغراب مظنة للتهمة، والواقدي غير مدفوع عن سعة العلم، فكثرت بذلك غرائبه"[1].

والظاهر أن مطاعن المحدثين عليه كمطاعنهم على غيره من كتاب المغازي والسير؛ لاختلاف المنهج بين الطائفتين. فهو لم يكن يتقيد بمذهبهم من ناحتين:

الأولى: أنه كان يأخذ من الصحف، ويعتمد على الكتب، وثقات المحدثين كانوا يكرهون تلك الطريقة أشد الكراهية، ويرون أنه لا يصح للمحدث أن يحدث بحديث إلا إذا كان قد سمعه بأذنه ممن روى عنه. الثانية: أنه كان يجمع الأسانيد المختلفة ويجيء بالمتن واحدًا، مع أن جزءًا من المتن لبعض الرواة، وجزءًا آخر لرواة آخرين، وكان المحدثون يعدون هذا عيبًا، وقد عابوا ذلك على الزهري وتلميذه ابن إسحاق من قبل.

وكان عذر الواقدي لاستعماله تلك الطريقة، أنه لو أفرد كل حديث بسنده لطال الأمر جدًّا، فقد روي أنه لما طالبه تلاميذه بإفراد كل حديث بسنده، أراد أن يبرهن لهم على سلامة منهجه، فجاءهم بالأحاديث الخاصة بغزوة أحد باتباع إفراد كل حديث بسنده فاستكثروا ذلك؛ وقالوا: "ردنا إلى الأمر الأول"[2].

تشيع الواقدي:

وقد ذكر ابن النديم أن الواقدي يتشيع على مذهب الشيعة، فقال: "وكان يتشيع، حسن المذهب، يلزم التقية"، وقد نقل عنه بعض المؤرخين هذا القول. ولعل إيهام ابن النديم راجعا إلى وجود كتابين للواقدي، أحدهما في مولد الحسن والحسين ومقتل الحسين، والآخر فى مقتل الحسين خاصة، يوهم أنه كان شيعيا.

ولو سلمنا لابن النديم أن الواقدي كان يلزم التقية، فإن تشيعه كان لا بد أن يظهر على نحو ما عند الحديث عن علي أو في الرواية عنه، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث، فحين نقرأ عدد القتلى من قريش يوم بدر عند ابن إسحاق مثلا نرى أن عليا قد قتل طعيمة بن عدى، ولكن الواقدي يذكر أن الذي قتله هو حمزة وليس عليا، وغير ذلك كثير في كتابه المغازي.

ومن الطريف أن يلاحظ أن ابن إسحاق يتهم هو الآخر بميوله الشيعية والقدرية، ويبدو لنا أن السبب في اتهام الواقدي وابن إسحاق بالتشيع لا يرجع إلى عقيدتهما الشخصية، وإنما يرجع إلى ما ورد في كتابيهما من الأقوال والآراء الشيعية التي يعرضانها، وليس ذلك عن عقيدة صحيحة فيها، مما تقتضيه طبيعة التأليف في مثل هذه الموضوعات، مما يجعل عبارات ابن النديم عن تشيع الواقدي قاصرة عن أن تنهض دليلا على تشيعه، وستظل تفتقر إلى دعائم أخرى تؤيدها، وخاصة من نصوص الواقدي نفسه [3].

كتب ومؤلفات الواقدي:

وكان الواقدي غزير الإنتاج كثير التأليف حتى عدَّ له ابن النديم ما يقرب من أربعين كتابًا معظمها في المغازي والسير والتاريخ -تاريخ الفتوح بصفة خاصة- وقال ابن النديم: "خلف الواقدي بعد وفاته ستمائة قمطر كتبًا، كل قمطر منها حمل رجلين، وكان له غلامان مملوكان، يكتبان الليل والنهار، وقبل ذلك بيع له كتب بألفي دينار".

ومن كتبه، كما جاء في الفهرست لابن النديم، وغيره:

1- كتاب التاريخ والمغازي والمبعث.

2- كتاب أخبار مكة.

3- كتاب الطبقات.

4- كتاب فتوح لشام.

5- كتاب فتوح العراق.

6- كتاب الجمل.

7- كتاب مقتل الحسين.

8- كتاب السيرة.

9- كتاب أزواج النبي.

10- كتاب الردّة والدّار.

11- كتاب حرب الأوس والخزرج.

12- كتاب صفيّن.

13- كتاب وفاة النبي.

14- كتاب أمر الحبشة والفيل.

15- كتاب المناكح.

16- كتاب السقيفة وبيعة أبى بكر.

17- كتاب ذكر القرآن.

18- كتاب سيرة أبى بكر ووفاته.

19- كتاب مراعى قريش والأنصار في القطائع، ووضع عمر الدواوين، وتصنيف القبائل ومراتبها وأنسابها.

20- كتاب الترغيب في علم القرآن وغلط الرجال.

21- كتاب مولد الحسن والحسين ومقتل الحسين.

22- كتاب ضرب الدنانير والدراهم.

23- كتاب تاريخ الفقهاء.

24- كتاب الآداب.

25- كتاب التاريخ الكبير.

26- كتاب غلط الحديث.

27- كتاب السنة والجماعة، وذم الهوى، وترك الخوارج في الفتن.

28- كتاب الاختلاف.

29- تفسير القرآن.

ومن مجموع تصانيف الواقدي هذه كتابان لا نشك في نسبتهما إليه هما "كتاب المغازي"، و"كتاب الردة"، على أن نقولا من كتبه الأخرى وجدت في التآليف المتأخرة. أما فتوح الشام وفتوح العراق للواقدي، فقد فقدا ولم نعثر على أثر لهما، وما يتداوله الناس اليوم باسم "فتوح الشام" و"فتوح العراق" وغيرها، ليست له، إذ أنها متأخرة عنه [4].

وفاة الواقدي:

قضى الواقدي حياته بين المدينة والشام والرقة وبغداد ولم يزل على القضاء للخليفة المأمون بعسكر المهدي، حتى مات ببغداد ليلة الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة 207هـ / 823م، وقد أوصى للخليفة المأمون فقَبِل وصيته وقضى دينه ولم يكن له كفن فبعث المأمون بكفنه، ودُفن يوم الثلاثاء في مقابر الخَيْزران، وهو ابن ثمان وسبعين سنة [5].

المصدر: موقع قصة الإسلام


الحواشي

[1] الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، 4/ 8 - 10. ابن الجوزي: الضعفاء والمتروكون، 3/ 87. ياقوت الحموي: معجم الأدباء، 6/ 2595 – 2596.  المزي: تهذيب الكمال في أسماء الرجال، 26/ 188 - 192. الذهبي: سير أعلام النبلاء، 7/ 142.  9/ 457 - 458، 9/ 469. الذهبي: تاريخ الإسلام، 5/ 182 - 186. ابن كثير: البداية والنهاية، 3/ 234 - 235. ابن سيد الناس: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، 1/ 24. فاروق حمادة: أعلام السيرة النبوية في القرن الثاني للهجرة، ص58 - 59.

[2] عبد الشافي محمد عبد اللطيف: أوائل المؤلفين في السيرة النبوية، ص80 - 81.

[3] ابن النديم: الفهرست، 1/ 127.  مارسدن جونس: مقدمة تحقيق كتاب مغازي الواقدي، المقدمة، ص16 - 18.

[4] ابن النديم: الفهرست، 1/ 128. ابن سيد الناس: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، 1/  12. مارسدن جونس: مقدمة تحقيق كتاب مغازي الواقدي، المقدمة، ص10 - 15.  فاروق حمادة: أعلام السيرة النبوية في القرن الثاني للهجرة، ص59 - 62. عبد الشافي محمد عبد اللطيف: أوائل المؤلفين في السيرة النبوية، ص79.

[5] ابن سعد: الطبقات الكبرى، 5/ 433. الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، 4/ 6. الذهبي: تاريخ الإسلام، 5/ 187.

التعليقات (0)