مع ابن عساكر.. الإمام المؤرخ (499-571هـ / 1105-1176م)

مع ابن عساكر.. الإمام المؤرخ

(499-571هـ / 1105-1176م)

أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله، ابن عساكر الدمشقي المؤرخ الرحالة الحافظ، ولد بدمشق، ونشأ في بيئة علمية فأبوه الحسن هبة الله أبو محمد الشافعي كان شيخاً تقياً محباً للعلم، وأخوه الأكبر الصائن هبة الله بن الحسن كان فقيهاً ثقة بعلوم القرآن والنحو واللغة، وكان جدّه لأمه يحيى بن علي بن عبد العزيز القرشي وخالاه محمد وسلطان من قضاة دمشق الورعين والفقهاء الصالحين.

تدرّج في طلب العلم، فأخذه عن علما جامعة المسجد الأموي الذي كان أعظم مركز للعلم تعقد فيه حلقات الإقراء والتدريس والحديث والوعظ، وفي الأعوام 530-538هـ/1136-1143م سار في البلدان غرباً وشرقاً باحثاً عن كبار العلماء في مكة وبغداد وخراسان ونيسابور وغيرها من كبريات حواضر العلم، استمع للفقها وعايشهم ورافق الكتب وصادقها، وعندما عاد من رحلاته الطويلة في طلب العلم درّس في المسجد الأموي، وحملت مكانته الرفيعة الملك العادل نور الدين زنكي (ت569هـ/1173م) على العناية به، فبنى له دار الحديث النورية وانصرف ابن عساكر إلى التدريس فيها حتى وفاته، وعندما حضرته الوفاة، سار السلطان صلاح الدين الأيوبي في جنازته، وصلّى عليه القطب النيسابوري، ودفن بالباب الصغير.

بلغ عدد شيوخه ألفاً وثلاثمئة شيخ وثمانين امرأة، ويتضمن ثبت الكتب التي نقلها ياقوت الحموي عنه ما يزيد على الستين كتاباً، وإذا استثني تاريخ دمشق فإن معظم مؤلفاته في الحديث وبعضها في الفضائل.

يحتل كتاب دمشق لابن عساكر مكانة مرموقة؛ لكونه من أضخم الكتب التي ألفت عن مدينة واحدة في التراث العلمي التاريخي العربي، كتاب بلغت مجلداته ثمانين مجلدة، وهذه الثمانون مجلدة التي وضعها ابن عساكر عن مدينة دمشق كان معظمها سرداً لتراجم الأشخاص، وليس هذا بمستغرب فقد سمّى كتابه "تاريخ مدينة دمشق وذكر فضلها وتسمية من حلّها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها"، والقسم الذي خصصه في بداية بحثه عن المدينة كان بمنزلة المدخل أو المقدمة لكتابه، فوصف مدينة دمشق جاء في نصف مجلدة من المجلدات الثمانين.

وحين حقق صلاح الدين المنجد المجلدة الأولى، والجزء الأول من المجلدة الثانية أسماه "خطط دمشق" لما وجد فيه من معلومات مهمة عن أبواب المدينة ومساجدها وكنائسها وأنهارها وحماماتها ومقابرها والدور والمنازل الشهيرة فيها.

أفرد ابن عساكر باباً خاصاً لأبواب المدينة وهي تكاد لم تتغير أسماؤها، فالأول الباب الصغير ويسميه أيضاً باب الشاغور، والثاني باب كيسان، والثالث الباب الشرقي، والرابع، باب توما والخامس باب السلامة، ويعرف اليوم بباب السلام، والسادس باب الفراديس، ويعرف اليوم بباب العمارة، والسابع باب الفرج ويعرف اليوم عند بعضهم باسم باب المناخلية، والثامن باب الجابية، ولا تزال هذه الأبواب الثمانية باقية حتى هذا اليوم بحالة جيدة نتيجة للترميمات التي تمت في عهد الأيوبيين والمماليك.

وقد أسهب ابن عساكر في الحديث وليس في الوصف عن الجامع الأموي الذي لم يكن في عهده سواه، فما يذكره هو روايات عن شرف المسجد الجامع بدمشق وفضله وما ذُكر من الأمر الشائع من هدم الوليد بقية كنيسة "مَريُحنا" وإدخاله إياها في الجامع، ثم ما ذُكر في بنا المسجد الجامع واختيار بانيه وموضعه على سائر المواضع، وكيفية ترخيمه وتزويقه وكمية المال الذي عليه أنفق وذكر ما كان في الجامع من القناديل والآلات، هذه الروايات في الواقع لا تقدم معلومات ذات قيمة لدارسي الآثار لأنها روايات ذات طابع تاريخي وغير متفق عليها،  وقد وجد في دمشق أيام ابن عساكر مساجد صغيرة موزعة في أنحا المدينة بلغ تعدادها 242 مسجداً، داخل السور منها 116 مسجداً في الجانب الجنوبي من المدينة، والباقي في الجانب الشمالي، ولم تكن للمساجد أسما وإنما كان ابن عساكر يذكرها وفق مكانها من الحي أو الدرب، أما المساجد الكائنة خارج السور فبلغ عددها 178 مسجداً موزعة بحسب جهات المدينة الأربع، ومن هذا العدد الكبير تمكن عبد القادر الريحاوي من تعرف أحد عشر مسجداً. أما الكنائس فقد ذكر خمس عشرة كنيسة كانت دخلت في الصلح يوم فتح دمشق.

وأحصى ابن عساكر حمامات البلد في أيامه فكانت أربعين حماماً داخل المدينة و17 حماماً خارج الأسوار وفي الربض، وتعرّف الريحاوي ثلاثة فقط لا تزال باقية إلى هذا اليوم.

لم يفرد ابن عساكر باباً خاصاً للمدارس، ولكن عدداً من مدارس دمشق المشهورة وردت أسماؤها من خلال حديثه عن المساجد والقنوات والخطط، وهي إحدى عشرة مدرسة تقع داخل السور، وتعرّف الريحاوي خمسة لا تزال موجودة إلى اليوم.

وقد عدد ابن عساكر الدور المشهورة داخل السور، فبدأ حديثه عن دار الإمارة وهي الخضرا قصر معاوية، ثم ذكر الدور التي كانت للصحابة والأمراء وهي ثلاثون  داراً ونيف، ويعلق ابن عساكر بأنه لا سبيل إلى تحقيق أمرها لتغيرها عن أوضاعها لكثرة نواحيها وأصقاعها.


(موسوعة الآثار).

التعليقات (0)