الغـزو الفــكري وأثره على الأمـة الإسلامية (1)

سلسلة حلقات برنامج النقاش الرمضاني التاريخي

الحلقة الرابعة والعشرون:

   24 رمضان 1441ھـ / 17 مايو 2020م

الغـزو الفــكري وأثره على الأمـة الإسلامية

رئيس الجلسة:

د. نشـوان الوجيـه

مقــدمة الحلقــة:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. نقدم لكم عرض مختصر عن الحلقة الرابعة والعشرون، راجياً من جميع الأخوان المشاركة والإسهام في إثراء الحلقة . ودمتم .

يعد الغزو الفكري واحدة من أهم القضايا والمشاكل التي تواجه المجتمع الإسلامي ويدور حولها الجدل بين محذرٍ من مخاطرة وعواقبه، وبين منكرٍ لوجوده وأن الحديث عن ذلك ضرب من الوهم والخيال ، والحقيقة أننا في مسائل الأفكار الوافدة بين نوعين من الأفكار:

- الأول :

الأفكار المتعلقة فيما هو عام ومشترك في الفكر الإنساني مثل علوم المادة والهندسة والرياضيات والكيمياء والفيزياء والطب والطاقة والاتصالات فهذه لا يمكن الاستغناء عنها ولا بد من الاستفادة من خبرات وتجارب وأفكار الآخرين.

ــ الثاني :

 فيما يتعلق بالحضارات والشعوب والأمم ذات التاريخ والتراث والفلسفات والمذاهب والتقاليد والأعراف فلكل منها تميز بشخصيتها القومية والحضارية والدينية التي لها معايير في الحلال والحرام والمشروع والممنوع . وإذا نظرنا إلى ذلك ندرك السمات التي تميز كل أمةٍ عن الأخرى مثل الصين الهند اليابان فكل أمة تختلف عن الأخرى، وكذلك الحال بالنسبة للحضارة الإسلامية والحضارة الغربية في العصر الحاضر فلكلٍ خصوصيتها في عقائدها ونظرتها للحياة ولما بعد الحياة .. وبذلك فنحن أمام موقفين فيما يتعلق بالغزو الفكري :

ــ أولاً : قبول كل ما هو مشترك ولا غناء للإنسانية عنه من وسائل العيش والمادة والصناعة.

ــ ثانياً : أننا ننكر تصور العالم وطناً حضارياً واحداً لأن ذلك يعمل على مسخ وتشويه الحضارات وفقدها لخصوصيتها الحضارية، فنجد مثلاً الحضارة الغربية في طبيعتها لا تحرم العري ولا تعارض الحرية الجنسية طالما خلت من الإكراه والاغتصاب ولا تعيب حرية الزندقة والإلحاد ، وغيرها من الأفكار والفلسفات التي هي غير مقبولة في تعاليم الإسلام وحضارته .. وهي قضايا تحاول مسخ الهوية الدينية والحضارية للمجتمعات الإسلامية ولابد من التنبه لها ومعرفتها من قبل المفكرين والمثقفين والعلماء وتوضيحها للشباب وتحذيرهم من مفاسدها وأضرارها على الفرد والأسرة والمجتمع وخصوصاً ونحن نعيش زمن العولمة .

ومن خلال هذا العرض نوضح باختصار بعض جوانب الغزو الفكري في المحاور الآتية:

المحور الأول - خطط الغزو الفكري .

وقد تمثلت في الآتي :

  • إثارة الشبهات حول القرآن الكريم والسنة المطهرة وأحكام الإسلام وتشريعاته .
  • اختلاق الأكاذيب والافتراءات في تاريخ المسلمين وتشويه غايات الفتح الإسلامي .
  • بث النظريات والأفكار والمبادئ الإلحادية والمناقضة والمخالفة لأسس الإسلام وتعاليمه وشرائعه في مختلف المجالات والاعتقادية والأخلاقية والعملية .
  • استدراج فريق من أبناء المسلمين للدراسة في جامعاتهم للتأثير فيهم بتشويه صورة الإسلام وتاريخه في أفكارهم ، ثم منحهم الشهادات العليا ليعودوا إلى أوطانهم وهم حاملين ذلك الفكر المشوه ليكونوا أدوات وجنود لهم في محاربة الإسلام داخل الخيمة الإسلامية.

المحور الثاني - وسائل الغزو الفكري .

ومنها الآتي:

  • فصل العلوم الدينية عن العلوم الأخرى واصطناع الخلاف بينهما وبين علماء تلك العلوم من أجل إخفاء العلاقة القائمة بين علوم الدين وتلك العلوم لئلا تكتمل المعرفة والعلاقة القائمة بينها فيكمل بعضها بعضاً في نصرة الحق ودحض الزيف المبطن الذي يبثه أعداء الإسلام وتيارات الأفك والضلال المحاربة للإسلام والمسلمين.
  • تسخير وتشجيع فئات تدخل في الإسلام مفاهيم وتلفيقات تعمل على تشويه حقائق الله الناصعة حتى يعزف عنه الأخرون .
  • إثارة الشكوك والشبهات حول عقائد الإسلام ومبادئه ونظمه وعباداته لإضعاف ثقة المسلمين بكمال دينهم واقناعهم بأن تقدمهم مرتبط بتركهم لدينهم واللحاق بركب الغرب .

المحور الثالث – أمثلة من قضايا وأفكار الغزو الفكري .

1- القومية :

لقد جاء الإسلام وصهر كل أتباعه على اختلاف أجناسهم تحت مظلة التوحيد وجعله الرابط الوحيد الذي يجمع المسلمين على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وبلدانهم .. وفي العصر الحديث عندما هيمن الغرب عمل على زرع القوميات التي تقوم على الصراع العرقي والمادي وتعزز التعصب وعوامل الفرقة وشحن جماهير كل قومية ضد القومية الأخرى بالكراهية .

وكان من ثمرات ذلك (الترك للأتراك والعرب للعرب)، وسقطت بسببه ما كانوا يسمونه بتركة الرجل المريض (الخلافة العثمانية)، ودخل الداعمون للقومية مستعمرين للبلاد الإسلامية .. واستمر تعزيز ذلك فيما بعد في مرحلة الاستثمار من أجل تكبير الهوة وزيادة الشرخ داخل الخيمة الإسلامية .

2- الدين والدولة والعلاقة بينهما :

 يدور الجدل حول مكانة الإسلام من مشروع النهضة الحضارية التي تصبو إليه الأمة الإسلامية وذلك بين فرقين، فريق يدعي أن العودة إلى الإسلام بمنهجه النقي هو سبيل ذلك، وفريق يدعي أنه لا سبيل إلى تحقيق نهضة حضارية لأمتنا إلا بعلمانية الدولة وفصلها عن الدين كما فعل الغرب عندما تحرر وتخلى عن كهنوت الكنيسة وهيمنتها وأن مشروع الدولة المحمدية أو الخلافة الإسلامية هي الصورة الشرقية للاستبداد والكهانة والسلطة الدينية والحكم بالحق الإلهي الذي عانت منه أروبا .

وعند النظرة المحايدة لهذا المنطق نجد أن هؤلاء قد أهدروا أبسط قواعد المنهج العلمي عند دراسة أي ظاهرة من الظواهر فإنه لابد أن ينطلق ويحكم على ذلك من حقائق واقعها لا من تصورات الآخرين عن حقائق واقع مغاير ، وأن ذلك نوع من الغزو الفكري الذي أصيب به بعض المثقفين من أبناء الإسلام، حيث يجد الناظر أن الكنيسة في أروبا كانت الدولة الدينية لديها تدعي أنها نائبة عن السماء وتصرفاتها معصومة ، وقانونها مقدس وثابت، حتى على ما هو متغير من شؤون الحياة بحكم قانون التطور، الأمر الذي فرض الثبات والجمود على المؤسسات والفلسفات والأفكار والعلوم كما هو حال أروبا في القرون الوسطى والمظلمة.

وهو أمر غير موجود في تاريخ دولة الإسلام فقد قامت على أن الخليفة نائب عن الأمة واختياره بالشورى والبيعة لا بوصية وتعيين السماء وينظر إليه أنه أجير لدى الأمة وخادم لها.

وفيما يخص الجانب العلمي نجد أن الدولة الإسلامية قد شجعت العلماء والمبدعين وفتحت لهم مراكز البحوث ودور الترجمة وجمعت تراث الأمم السابقة واستفادت منه وعملت على تطويره .. وفيما يخص صلاحية الإسلام في نظام الدولة نجد الإسلام قد احتوى دستوره القرآن الكريم على العقيدة والشريعة، وجاء في شريعته ما هو فقه معاملات اي قانون الدولة ونظمها.

3- نظرية التطور والنمو الدروانية :

التي صاغها تشارلز داروين (ت: 1882م) في كتابه (أصل النوع) والتي تدرس الجامعات والمدارس في بلاد الإسلام .

ونظراً لضيق الوقت نجمل عدد من قضايا الغزو الفكري ونترك للنقاش عملية إثرائها وهي الآتي:

4- قضية تحرير المرأة.

5- قضية حقوق المرأة.

6- قضية حقوق الإنسان.

7- قضية فصل الديانة عن التاريخ.

8- الفصل بين العلوم الدينية والعلوم التطبيقية.

9- خلق الصراعات الطائفية والمذهبية وتشويه صورة الدين وخلق جيل متدين يعاني من انفصام في الشخصية ويصور الإسلام بالجمود والتحجر كما كانت المسيحية في العصور الوسطى.

10- الطعن في شخص النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه ، وفي رسالته من اجل خلق جيل مهزوز ومتشكك في نبيه ودينه.

11- الطعن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتقليل من شانهم.

12- وصف الفتوحات والفاتحين بالمستعمرين والناهبين وانه لم يكن لهم هدف إلا النهب وجمع الأموال والرقيق .

13- عدم الاعتماد على القرآن الكريم في قضايا وأحداث التاريخ القديم .

14- تقسيم التاريخ إلى قديم ، وإسلامي أو وسيط ، وحديث ومعاصر .

هذا وكلنا أمل في أساتذتنا الأفاضل ومن زملائنا الكرام في هذا المنتدى العلمي أن يسهموا ويشاركوا في إثراء الموضوع والإجابة على الاستفسارات كل يدلي بدلوه من أجل الاستفادة المجردة عن العواطف أو القناعات والأحكام المسبقة، علماً أن حصيلتي في الموضوع متواضعة .. وقد طرقت هذا الموضوع بغية الاستفادة، إضافة إلى أن أعمال وارتباطات قد تشغلني عن الاستمرار معكم طوال وقت الحلقة لذلك أملي المشاركة من الجميع .. وخواتم مباركة .

ودمتم جميعاً بحفظ الله ورعايته

د . نشــوان الوجيــه

أ. د. عبدالله أبو الغيـث

بارك الله فيك دكتور نشوان على هذا العرض الضافي والوافي .. وموضوع اليوم موضوع عام ويمكن الجميع من المشاركة فيه، لذلك نتوقع نقاشا ثريا بخصوصه .. ولي عدة استفسارات بخصوصه أطرحها على الزملاء الأكارم الذين سيشاركون في النقاش:

1- هل يمكن أن نوثق للبدايات الأولى التي ظهرت فيها عمليات الغزو الفكري في التاريخ؟ سواء على المستوى العالمي أو على المستوى العربي والإسلامي؟

2- هل يمارس الغزو الفكري في العالم من قبل الحضارة الغربية فقط تجاه الحضارات الأخرى؟ أم أن هناك حضارات أخرى تمارس ذلك الغزو؟

3- يتحدث التيار اليميني المتطرف في المجتمعات الغربية عن غزو فكري إسلامي معاصر لمجتمعاتهم، ويعتبرون حجاب المرأة مثلا جزء من ذلك الغزو.. فكيف يمكن تقييم ذلك إذا نظرنا إليه من وجهة نظرهم التي يطرحونها؟

4- عندما نتحدث عن غزو فكري غربي للمجتمعات الأخرى، خصوصا النامية منها تحت غطاء الدفاع عن حقوق الإنسان، كيف يمكن أن نفصل في ذلك الإطار بين ما هو غزو فكري فعلي وبين ما هو إسناد حقيقي للقضايا الحقوقية؟

ودمتــم بخيـر

د . أحـمد المصـري

توضيح حول بعض النقاط التي وردت في المقدمة:

ـ العُري ممنوع في الأماكن العامة في كثير من دول أوروبا و مخالف للقانون، لذلك يتم تخصيص أماكن لمن يريد أن يتعرى.

ـ بالنسبة لمسألة الاعتقاد بديانة معينة أو الإلحاد فهي مسألة من خصوصيات الحريات الفردية التي لا يتدخل فيها القانون، إلا إذ تسبب ذلك في الإضرار بالآخرين.

ـ إبتعاث الطلاب و التعليم في البلدان المتطورة هي ظاهرة عامة تتكرر في كل زمان، فكما كان الطلاب يأتون إلى مدن الأندلس للتعليم فيها، فأمر طبيعي أن يتجه العرب إلى بلاد أوروبا لنفس الغرض.

ـ مسألة القومية:

القومية شكل من أشكال تأسيس الدولة، وهي فكرة قديمة جديدة، و قد عاشت أوروبا هذه المرحلة في فترة القرن التاسع عشر، و حاول الأتراك و العرب نقل هذه التجربة إلى بلدانهم لاحقاً (ليست صنع من أجل العرب و المسلمين)، وقد اتجهت أوروبا نحو الوحدة الاقتصادية و تخطت هذه المرحلة.

ـ النقطة (14) لم استوعب المقصود بها.

أما فيما يخص مخاوف التيارات اليمنية في أوروبا من غزو ثقافي إسلامي لمجتمعاتهم، فهذه من القضايا المطروحة على الساحة.

ويبقى السؤال هنا: هل من حقهم الخوف على خصوصياتهم الثقافية كما حالنا أيضاً؟

أ. د. عبدالله أبو الغيـث

نعم .

وعلينا ونحن نقيم هذه النقطة بالذات أن نستخدم معياراً موحدا للحكم، ولا نستخدم معياريين مختلفين، واحد للغزو الفكري الذي نتعرض له من قبل الغرب، وآخر لغزونا الفكري الذي يتحدث الغربيون عن وجوده في بلادهم.

* النقطة (14) ستكون مناقشتها ضمن الحلقة الـ 26" التحقيب الزمني لمراحل التاريخ ومسمياتها".

د .عبدالله الذفيـف

لا أحد ينكر ما تعرض ويتعرض له الإسلام والمسلمين من حملات تشويه وغزو فكري وثقافي .. لكن ليس هذا المهم بل ان المسلمون استمروا تمثيل دور الضحية وقضية التآمر عليهم ليغطوا على ضعفهم وفشلهم وتخلفهم في العلوم والصناعات وغيرها وخاصة خلال عهدنا الحالي.

د. نشـوان الوجيـه

شكراً جزيلاً بروف عبدالله أبو الغيـث.

فيما يخص السؤال الأول: عن البدايات التاريخية الأولى للغزو الفكري فقد كتب الدكتور عبدالحليم محمود نبذه عن ذلك في أحد أبحاثه أوضح فيه ان البدايات الأولى كانت في القرن الثاني عشر الميلادي على يد (لوفنيرايل) مؤلف أول كتاب في أوروبا ضد الإسلام، ثم في القرن الرابع عشر الميلادي ظهر (باسكال) والذي حاول إثارة بعض الشبهات والشكوك حول عدد من قضايا الإسلام .. وقد ذكر الدكتور عبدالحليم محمود ذلك بالتسلسل حتى العصر الحاضر فيمكن الرجوع إلى بحثه .

د . أحـمد المصـري

طُرح سؤال مهم قبل سنة تقريباً في ألمانيا وهو "هل الإسلام ينتمي لألمانيا؟ "

وقد أحدث ردود فعل كبيرة جداً، للعلم فأن ما يجري للجاليات العربية من أنواع الاضطهاد من ببل المتطرفين اليمنيين هو نتيجة للخوف من تأثير الثقافة الإسلامية على المجتمع الغربي.

أ. د. عبدالله أبو الغيـث

وهذا يضعنا أمام عدة أسئلة:

- ما هو الغزو الفكري الحقيقي؟ وما هو الغزو الفكري المفتعل؟ وكيف يتسنى لنا التفريق بينهما؟

- كم نسبة الغزو الفكري الحقيقي الذي تتعرض له الأمة؟ وكم نسبة التهويلات التي نضعها نحن؟ وما هي أسبابها؟

- هل الغزو الفكري مفروض علينا من الخارج؟ أم أن هناك قوى داخلية مستفيدة منه وتروج له؟ وهل تلك القوى الداخلية تعمل لمصلحتها؟ أم أنها مجرد أدوات في يد أطراف خارجية؟ أم أنها تخلط بين هذا وذاك؟

د . أحـمد المصـري

السؤال الأهم هل فعلاً هناك غزو فكري؟ وهل توجد مؤسسات تقوم بهذا؟ و لماذا؟

د .عبدالله الذفيـف

بالفعل بروف عبدالله.

ومن وجهة نظري من حق أي امة من الأمم ترويج ونشر ثقافتها ما لم يكن بالغصب والإكراه.. وعلى الأمم المتلقية لتلك الثقافة رفضها ومقاومتها أو قبولها والتأثر بها .. فما يحق لنا لا ننكره على غيرنا.

أ. د. عبدالله أبو الغيـث

يقول ابن خلدون بأن المغلوب مولع بتقليد الغالب، وبالتالي فالحضارة المهيمنة تنتشر بشكل تلقائي لدى المجتمعات المتخلفة .. وتلك قضية تتكرر على مدى التاريخ.

د .عبدالله الذفيـف

دكتور احمد ...

لا أحد ينكر وجود غزو فكري موجه للمسلمين .. لكن الأهم ما مدى تقبل المسلمين لهذا الغزو وتأثرهم به أو مقاومته والتمسك بثقافتهم وهويتهم الإسلامية والعربية.

د. نشـوان الوجيـه

* أيضاً بروف عبدالله أبو الغيـث

فيما يخص السؤال الثاني، فإن الغزو الفكري تهدف له الكثير من الأمم لكن الغرب هو صاحب النصيب الأكبر نظراً للهيمنة والإمكانات التي يمتلكها التي يمتلكها في العصر الحاضر .

وفيما يخص تخوف الغرب من غزو فكري فإن ما يحدث في الغرب من حجاب وغيرها من قضايا الإسلام فليس ذلك بغزو ورائه أجنده وأهداف وإنما هي قناعات شخصية أثرها ايجابي على الفرد والأسرة والمجتمع .

وفيما يتعلق بالسؤال الرابع وهي قضايا حقوق الإنسان فقد حققت لهم في مجتمعاتهم شيء يذكر .. اما فيما يتعلق بتعاملهم عن ذلك في مجتمعاتنا فهو في الغالب كمن يدس السم في العسل وهي غالباً ضح وكذب وقضية فلسطين خير شاهد على التعامل المزدوج .

د . أحـمد المصـري

أخي عبدالله هي ثقافة عامة موجودة ، الأقوى يفرض منتجاته بوسائل متعددة في أماكن سيطرته، نحن نسمع دائماً بأن هناك مؤسسات لا هم لها إلا تدمير الإسلام و المسلمين .. صراحة ابحث عن شيء ملموس أو معلومات عن هذه المؤسسات أو الجماعات التي تفرغت لهذا العمل، ولماذا تقوم بذلك.

د .عبدالله الذفيـف

تقوم بذلك كنوع من الصراع بين الحق والباطل عبر الزمن ..ومن منظور آخر لا يمكن السيطرة على امة من الأمم قبل غزوها وتهيئتها فكرياً وثقافياً.

د. نشـوان الوجيـه

أهلا بأخي الغالي دكتور أحمد .

الغزو الفكري موجود وشواهده ومظاهره موجود كما أوضحنا ذلك في العرض سابقاً .. وفيما يخص المؤسسات التي تقوم به فهي كثيرة منها: الصهيونية ، والماسونية ، التبشير ، الاستشراق ، العلمانية ، وغيرها .

والهدف هو مسخ القيم والأخلاق وجعل المجتمع الإسلامي مجتمعاً متفككاً وضعيفاً حتى يسهل السيطرة عليه وخلق زعامات خاضعة لهم من أجل نهب ثروات الأمة، وليس بخافٍ ما هو حاصل .

د . أحـمد المصـري

ما أجده فعلاً غزواً فكرياً هي تلك المحاولات التي عمل الغازي العسكري و الاقتصادي فرضها فرضا على المجتمع المُستعمر والخاضع له.. مثال على ذلك فرض اللغة في التعليم و محاربة اللغة الأصلية (الاستعمار الفرنسي نموذجاً)، فهو غزو حارب الهوية الوطنية في الجزائر و بلاد أفريقيا التي استعمرها الفرنسيين .. محاربة الأديان و تدمير المؤسسات الدينية، ما حدث في بلاد وسط آسيا من قبل الروس .. أمثلة كثيرة ارتبط فيها الغزو بالفرض أو الإجبار.

ا . ساميـة حميد

ويمكن أن يكون التهيئة بدون حمل سلاح أيضا دكتور عبدالله تكون فكريا ودينيا واقتصاديا أكبر عامل ما يسمى بالتأثير والتأثر من الجانبين.

د . أحـمد المصـري

هناك كتابات جديدة ظهرت مؤخراً تصف الفتوحات العربية الإسلامية بأنها نوع من الغزو الفكري، حيث فرضت اللغة العربية و الثقافة العربية القادمة من الصحراء على مجتمعات لا تتحدث بها (مصر مثالاً على ذلك).

كيف يمكن الرد على ذلك .. بدون عاطفة؟

د .عبدالله الذفيـف

من وجهة نظري اسميه غزو فكري إيجابي وبناء.

ا . ساميـة حميد

اؤيدك في ذلك دكتور عبدالله فهو غزو فكري سوى في جوانبه ايجابيات أو سلبيات.

د. نشـوان الوجيـه

فيما يخص الأيادي الداخلية للغزو الفكري نحن أمام تيارين .

ـ التيار الأول: منتفع احتضنته أيادي ومؤسسات خارجية مقابل المال فهو يعمل بخبث ودهاء من اجل بيع دينه وهويته مقابل حفنه من المال تدفع لهم منهم عدد من دعاة تحرير المرأة ومحاربة الحجاب ، أو دعاة العلمانية .

ـ التيار الثاني: مجموعة من أبناء الإسلام انبهروا بالحضارة الغربية أو تأثروا بدعاة الغزو الفكري واندفعوا ليروجوا لتلك الأفكار دون علم بما وراء الأكمة .

د. رياض الصـفوانـي

هل نستطيع أن نربط بين الغزو الفكري الغربي والعولمة الغربية، في تصوري أنه بالإمكان الربط بينهما، فالغزو الفكري اخترق جغرافيتنا وثقافتنا ومعتقداتنا العربية الإسلامية وأحدث فيها تأثيرات بنسب متفاوتة وصور متعددة بين مجتمعاتنا القطرية، منذ أزمنة بعيدة، وتجلى أكثر بعد جلاء الاستعمار القديم عن البلاد العربية منذ ستينيات القرن المنصرم، بحيث نستطيع القول إن الغزو الفكري أحدث تأثيرات ثقافية فاقت تأثيرات الغزو العسكري والهيمنة السياسية للمستعمر القديم. والعولمة كما نعلم جميعا حديثة النشوء، إذ بدأ ظهورها وتصديرها للعالم منذ انتهاء حقبة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي (الشيوعي) والغربي (الرأسمالي) وانفراد المعسكر الغربي بالساحة العالمية بعد بلوغه مرحلة الإمبريالية وهي أعلى مراحل التطور الرأسمالي مع مطلع تسعينيات القرن الماضي، والعولمة في وجهها الثقافي تتجلى في فرض نمط ثقافي مركزي واحد (الثقافة الأمريكية) ثقافة المنتصر اقتصادياً وحضارياً - وفق فوكو ياما - وتعميمها على مختلف بلدان وشعوب العالم وبالذات العالم الثالث، وما نشهده في واقعنا العربي منذ أواخر القرن المنصرم وإلى اليوم من (نمطية عولمية) ثقافية واحدة في سائر مظاهر وأشكال حياتنا العامة هي بمعنى من المعاني غزو فكري ثقافي معاصر أو متطور عن نسخته الموغلة في القدم وإن كانت العولمة الثقافية ملحقة بالسياسية والاقتصادية في المقام الأول.

د. نشـوان الوجيـه

أحسنت دكتور رياض .نعم .

العولمة لها ارتباط كبير بالغزو الفكري، ويمكن ان نسمي ذلك مرحلة التنفيذ الفعلي والتصدير الواسع للغزو الفكري عن طريق وسائل العولمة بفرض ثقافة الأقوى والمهيمن .

*أما حول ما طرحه الدكتور أحمد ..أشكرك أولاً على التوضيح .. ولكن دعني اختلف معك فيما يخص بعض ما طرحت:

أولا: مسألة العُري اذا كان كما ذكرت غير مسموح بها في الأماكن العامة فهي من المسائل البديهية ان لا يسمح بذلك لكن كما ذكرت أنه يتم تخصيص أماكن ومع ذلك فهي أمور تتنافى مع تعاليم ديننا وعادات مجتمعاتنا فدخولها علينا يعد مسخ لهويتنا الأخلاقية .

ثانياً: فيما يخص الانفتاح العلمي والتبادل المعرفي بين الأمم فيما يخص القضايا العامة والمشتركة أو حتى في العلوم الدينية إذا كانت مجردة عن الأهداف المشبوهة فذلك أمر لا وارد ولا غناء عنه وقد حصل كما ذكرت قديماً وحديثاً .

ثالثاً: لكن فيما يخص استقطاب بعض الشباب إلى جامعات الغرب او الشرق وتغذية عقولهم بالأفكار المسمومة فذلك ما شهدناه ونشهده .

رابعاً: مسألة القومية فسنتحدث عنها بالليل ان شاء الله.

أ.بكيـل الكليـبي

ما حمله المسلمون من فكر إلى الأندلس كان كفيل بيقظة أوروبا من غفلتها .. لكنه لم يحول دون عودة المسلمين إلى غفوتهم؟

من هذا المنطلق أيقظناهم، ولم نفكر بتبعات ما بعد الإيقاظ فكان الجزاء حروب صليبية استعمار وآخرها إعطاء فلسطين وطن قومي لليهود .. دعوة للتأمل كيف استطاع الغرب هزيمتنا اقتصادياً فكرياً عسكرياً، لم نستطيع الخروج من بوتقة الغرب بحيث نولد استجابة مثلما تولدت لديهم تحدي وجودنا في الأندلس .. كل ما انتجناه فقط تقليد أعمى.

د. نشـوان الوجيـه

أحسنت أخي بكيل .نعم .

لقد استفاد الغرب من تراثنا الفكري ومن حضارتنا العالمية في منهجها الشمولية لجميع جوانب الحياة الإنسانية في معالجتها وخصوصاً في العلوم التطبيقية التي اهتموا بها فنهضوا إلى المستوى الحضاري الذي نراه اليوم ولكن لا يعني ذلك ان نلهث ورائهم في كل الجوانب ، فنحن كما ذكرنا في مقدمة عرضنا بين أمرين من الأفكار المشترك الإنساني في المادة والصناعة وبهذا لابد ان نستفيد منهم .. أما فيما هو من خصوصية حضارتنا وهويتنا الدينية والاجتماعية، فهذا لا بد من المحافظة عليه وعدم الانبهار والانسلاخ .

أ.بكيـل الكليبـي

لا نلهث بل سار الأغلب من العرب مقلداً للغرب بعيداً عن البحث في قيمنا لنخرج للعالم أرقى ما لدينا من حضارة إنسانية وبالتالي نكون في طليعة الأمم التي تخدم الإنسانية جمعياً.

ا . رضـوان الأهـدل

لدي استفسار .. هل التغريب الثقافي يدخل في إطار الغزو الفكري؟

أ.بكيـل الكليـبي

كانت المدن الإسلامية هي المنارة التي اقتبست منها أوروبا نورها وبعثت تراثها وثم نهضة في شتى المجالات ليأتي عصر التنوير ليحل ميلاد أوروبا، وتطور فكرها من خلال مفكريها و فلاسفتها خرجت أوروبا بمفهوم جديد لإدارة العالم بدءاً بالكشوف الجغرافية وانتهى بالاستعمار بجميع أشكاله وتجلياته انتهت أوروبا من متاهة القديم الذي يتداعى وأصبحت تزهو بجديد يتوالد في المقابل ساد البلاد العربية غفوة لازال في سكرتها إلى الآن .. يقول الجابري "ان سبب نهضة أوروبا يعود في الدرجة الأولى إلى غياب الآخر أي ان الاستعمار العربي لم يكن موجود حتى يمنع هذا التقدم بينما كان الآخر الاستعمار الأوربي قد عمل على إعاقة التطور في البلاد العربية"

أما بخصوص التغريب الثقافي:

نعم. أول من حاول إدخال التغريب إلى الشرق السلطان العثماني سليم الثالث الذي أراد إصلاح الدولة العثمانية على الطريقة الأوروبية 1798 إلى 1808.. ثم تلى ذلك السلطان محمود الثاني من 1808إلى 1839م .. محمد علي باشا في مصر 1805إلى 1849م.

حملات التبشير والإرساليات المسيحية والمستشرقين يدخلوا في خانة التغريب الثقافي الفكري.... الخ.

ا . رضـوان الأهـدل

محمد علي باشا ارسل بعثة إلى الغرب برئاسة رفاعة الطهطاوي الذي تأثر بالحضارة الأوربية ، فانطلق يتجول في شوارع باريس للاطلاع على معالمها وثقافتها، ثم تعلم اللغة الفرنسية ، وأصبح يؤلف عن فرنسا ويترجم من الفرنسية إلى العربية ..

أ.بكيـل الكليـبي

التغريب الثقافي والفكري غزى الدولة العثمانية في عهد:

  • سليم الثالث 1798ـ 1808م.
  • محمود الثاني 1808 ـ 1839م.
  • عبدالمجيد الاول 1839ـ 1864م.
  • عبدالعزيز الثاني 1864 ـ 1876م.

ا . رضـوان الأهـدل

على الرغم من ان رد الشيخ رفاعة الطهطاوي ابتعث مع الشباب ليكون إماماً لهم في الصلاة وأماناً لهم من الضياع والذوبان في المجتمع الفرنسي.

أ.بكـيل الكليـبي

اقتبس كل النظم والقوانين الفرنسية حتى الجيش نظمه وفق الجيش الفرنسي.

ا . رضـوان الأهـدل

علي الرغم من ان الشيخ رفاعة .. هل يعتبر التنظير للعلمانية جزءاً من الغزو الفكري؟

أ.بكـيل الكليـبي

نعم . ليس تنظير بل تقليد تركيا أتاتورك نموذج.

ا . رضـوان الأهـدل

الاستشراق يعتبر جزءاً من الغزو الفكري وبداياته كانت لصالح الحضارة الإسلامية .. تفسير ذلك حين كانت أوروبا تغط في نوم عميق وفي تخلف رهيب، كان بعض شبابها يذهبون إلى مدارس وجامعات المسلمين في الأندلس لطلب علوم الشرق، فلا يعودون إلا و قد تأثروا بالثقافة الإسلامية، بسبب القوة الذاتية للإسلام ، وعقدة النقص التي يشعر بها المتخلف، فيحاول اللحاق بالمتقدم عبر تقليده، و هذا على ما يبدو بداية ظهور الاستشراق.

د . أحـمد المصـري

الحضارة و التنوير و الابداع في جميع العلوم و المعارف ليست حِكراً على أمة من الأمم، بل هي حالة أو ظاهرة تتوارثها الأمم و تنتقل من أمة إلى أخرى وفقاً للظروف السياسية و الاقتصادية التي تسمح لها بالنمو والازدهار، فالحضارة والتقدم في شتى مجالات المعرفة الإنسانية ازدهرت لدى الصينيون والهنود، ثم انتقلت إلى الإغريق و الفرس وثم إلى العرب والمسلمون، والآن تعيشها أوروبا و الدول الآسيوية، وهكذا دواليك.

د. اريـكا احـمد صـالح

فعلا . كثير دول ذات حضارة كانت تعيش بمعزل عن العالم وما حدث فيه من تطور ونمو علمي لكن عندما رأت أن هذا العزل يضرها أكثر ماي نفعها عادت من جديد وانفتحت على التغريب الأمر الذي شكل لها فيما بعد قفزة نوعية في كافة النواحي .. كلامي هنا عن اليابان.

ليس كل تغريب أو غزو فكري هو دمار أو انهيار دام أن الثوابت موجودة .لا نسقط كل الأمور على هذا .. نأخذ منهم الإيجابي ونترك ما لا يتلاءم مع حضارتنا وثقافتنا.

د. نشـوان الوجيـه

صحيح ما ذكرته دكتورنا القدير أحمد.

فنحن عندما نتحدث عن الغزو الفكري لا ندعو إلى العزلة ومقاطعة الآخرين فإن ذلك ليس صحيح بل الإسلام ودولته عبر التاريخ وخصوصاً في عصر النهضة والازدهار العلمي والمعرفي في عصر الرشيد والمأمون عملت على استجلاب المعارف والعلوم والكتب من الهند واليونان وغيرها وأسسوا بيت الحكمة كمؤسسة علمية وبحثية ودار للترجمة وجلبوا لها المترجمين وكان ذلك هو العامل لقيام تلك الحضارة الإسلامية، ونحن اليوم كما ذكرنا في عرضنا لابد من الاستفادة من علوم ومعارف وتجارب الغرب أو غيرهم فيما يعزز حضارتنا وينهض بنا لنستعيد مجدنا، وإنما نحذر من تلك الثقافات التي تمسخ أخلاقنا وقيمنا وديننا وهويتنا الحضارية .

الغـزو الفــكري وأثره على الأمـة الإسلامية (2)

التعليقات (0)