الاحتلال البريطاني لليمن 1839م وعلاقته بالصراع الدائر بين قوى الاستعمار الأوروبي (2)

منتدى المؤرخ الحصيف

سلسلة حلقات برنامج النقاش الرمضاني التاريخي

الحلقــة السابعة عشـرة

الاحتلال البريطاني لليمن 1839م وعلاقته بالصراع الدائر بين قوى الاستعمار الأوروبي

17 رمضان 1443هـ / 18 أبريل 2022م

رئيس الجلسة

د. إسماعيل قحطان.

أ. أمل‏:

كان لا بد للإنجليز من سبب يبررون به احتلالهم لعدن، فكان أن وقعت حادثة استغلوها استغلالا كبيرا، ففي عام1837م جنحت سفينة هندية تسمى "داريا دولت"، وكانت ترفع العلم البريطاني بالقرب من ساحل عدن فادعى الإنجليز أن سكان عدن هاجموا السفينة ونهبوا بعض حمولتها وأن ابن سلطان "لحج وعدن" كان من المحرضين على نهب السفينة. في عام 1837م في ظل سيطرة سلطنة لحج على عدن، وقعت حادثة غرق السفينة البريطانية "داريا دولت" قرب الشواطئ اليمنية فوجدت بريطانيا ضالتها لاحتلال عدن وادعت بأن الصيادين اليمنيين قاموا بنهب تلك السفينة وطالبت بالتعويض من قبل سلطان سلطنة لحج محسن العبدلي أو بتمكين بريطانيا من السيطرة على ميناء عدن وكان موقف السلطان العبدلي رفضه بالمساس بالسيادة اليمنية ووافق على دفع أية تعويضات أخرى. ولكن بريطانيا التي لم يكن في نيتها الحصول على أية تعويضات وانما هدفها هو الاحتلال وفرض سيطرتها العسكرية على مدينة عدن ومينائها الاستراتيجي فعدلت عن قبول التعويض وطلبت احتلال عدن مقابل التعويض عما أدعته من نهب الصيادين اليمنيين لمحتويات السفينة "داريا دولت" وبدأت في الاستعداد لتنفيذ غرضها بالقوة المسلحة.

في 22 يناير 1838 وقع سلطان لحج محسن بن فضل العبدلي معاهدة بالتخلي عن مائة وأربعة وتسعين كيلومتر مربع (75 ميلًا مربعًا) لصالح مستعمرة عدن وذلك تحت ضغوط البريطانيين مقابل شطب ديونه التي يقال انها كانت لا تتجاوز الخمسة عشر ألف وحدة من عملة سلطنته، مشترطا أن تبقى له الوصاية على رعاياه فيها.

وفي عام 1839م نفسه أعدت حكومة الهند البريطانية عدة إجراءات للاستيلاء على عدن، ففي 16 يناير دفع القبطان "هينز" بعدد من السفن الحربية بهدف احتلال ميناء صيرة فقاوم اليمنيون بشراسة مستميتة الأمر الذي أجبر السفن البريطانية بالتراجع والانسحاب، ولعل هذه الخطوة من قبل البريطانيين كانت بمثابة بالون اختبار لمدى إمكانات المقاومين اليمنيين والذين بالطبع كانوا يمتلكون أسلحة بدائية ومنها عدد قليل من المدافع التقليدية الرابضة فوق قلعة صيرة المطلة على ميناء عدن القديم.

وبعد ثلاثة أيام في 19 يناير 1839م قصفت مدفعية الأسطول البريطاني مدينة عدن ولم يستطع الأهالي الصمود أمام النيران الكثيفة وسقطت عدن في أيدي الإنجليز بعد معركة غير متكافئة بين أسطول وقوات الإمبراطورية البريطانية من جانب وقوات قبيلة العبدلي من جانب آخر.

د. إسماعيل قحطان:

كل التقدير لكِ أستاذة أمل على هذه الإضافة القيمة والتي تفصل الدور الإنجليزي المتعنت لاحتلال عدن.

د. رياض الصفواني:

قبل احتلال بريطانيا عدن قامت بجولات استطلاعية في طول الشريط الساحلي الجنوبي والجزر الواقعة في البحر الأحمر وجزيرة سقطرى منذ ١٨٠٢م للبحث عن محطة فحم لتزويد سفنها المتجهة إلى الهند، لكن جزيرة سقطرى لم ترُق لهم رغم تميز موقعها في جنوب المحيط الهندي وكانوا، فكانت عدن هي الموقع الأبرز والأكثر ملائمة لتكون محطة وقود وموقع عسكري لمراقبة الملاحة في البحر والتصدي لأي نشاط أوروبي يدخل المياه العربية الجنوبية وبالذات فرنسا.

هذه الجولات الاستطلاعية تؤكد اختلاق البريطانيين لحادثة السفينة "داريا دولت" كذريعة تبرر احتلالهم لعدن، وكانوا فقط يتحينون الفرصة المناسبة لاحتلال المدينة، وما يؤكد هذا الأمر الدراسات التي قامت بها حكومة الهند البريطانية عن موقع عدن وأهميته العالمية وليس فقط بالنسبة للمصالح البريطانية، فقد ورد في تقرير ولسون أن عدن كجبل طارق متى ما تم السيطرة عليها تمكنت بريطانيا من حماية مستعمراتها في الشرق والغرب.

د. إسماعيل قحطان:

شكرًا لك دكتور رياض على هذه المعلومات.

صحيح. كانت بريطانيا قد بحثت عن مراكز تمويل وعدما وجدت أن عدن هي الأنسب حاولت إغراء السلطان العبدلي لكنه رفض التأجير؛ لذلك لجَؤوا إلى التعنت واستخدام القوة العسكرية.

د. رياض الصفواني:

لكن بريطانيا بعد ذلك اشترت مدينة "الشيخ عثمان" من "العبدلي" عام ١٨٨٢م. لتستكمل سيطرتها على عدن ومداخلها وتأمين طرقها مع الداخل من هجمات القبائل وكذا وصول البضائع إلى أسواق عدن، فقد كان أفراد من سلطنة العبدلي والفضلي يعترضون طريق القوافل التجارية المتجهة إلى عدن، ولعل هذا ما يمكن إدخاله ضمن مقاومة الاحتلال، وإن كانت حوادث فردية متقطعة.

ا. د. عبد الحكيم الهجري:

بدخول القوات اليمنية الى ميناء الحديدة عام 1925م وتوزيعها في عسير مستغلة الصراع الأسري بين الأمراء "علي" الإدريسي وعمه "الحسن" الإدريسي بدأ تدخل السعوديين مدفوعين برغبة التوسع أولاً في استنجاد الأمير "الحسن" الإدريسي بهم بتشجيع من لندن ثانيًا، فكان ذلك نقطة البداية للخلاف اليمني - السعودي بشأن إقليم عسير ثم توسعه ليشمل الحدود بينهما بشكل عام.

ما هو الدور الذي لعبته بريطانيا لانضمام إقليم اليمني عسير إلى السعودية؟

د. إسماعيل قحطان:

السعودية في مرحلة التوسع كانت قد خرجت من التبعية البريطانية وأصبحت ضمن النفوذ الأمريكي، لكن الملفت للنظر أن بريطانيا تخلت عن دعم الشريف حسين في مواجهة "ابن سعود"، وتعمدت أن يفقد مناطق نفوذه في الحجاز.

لذلك كان سقوط عسير في أيدي بن سعود تحصيل حاصل نتيجة القوة التي اكتسبها بعد انتصاره على "الشريف حسين" الخصم الأقوى في الجزيرة العربية.

ا. د. عبد الحكيم الهجري:

لعلي في نهاية ما في جعبتي يا دكتورنا الفاضل أود التساؤل.

ماهي معالم سياسة البريطانيين في عدن والمنطقة المحيطة بها عقب الاحتلال في الفترة الممتدة بين عامي 1839- 1869م، وهو تاريخ فتح قناة السويس؟

د. إسماعيل قحطان:

بريطانيا خلال الفترة التي أشرت إليها بروف عبد الحكيم، حاولت أن تُثبَت أقدامها في عدن من خلال ربط السلطنات والمشيخات بالاتفاقيات والمعاهدات حتى تؤمن نفسها من أي عدوان خارجي قد يأتي لها في عدن.

أ. أمل‏:  

بدأت إنجلترا عشية احتلالها لعدن في تنفيذ سياسة التهدئة في المنطقة حتى تضمن استقرار الأمور في عدن بما يحقق مصالحها الاستراتيجية والتجارية والبحرية فعقدت مع سلطان لحج معاهدة للصداقة ومنحته راتب سنوي؛ إلِّا أن هذا لم يجْد نفعًا حيث حاول سلطان لحج استعادة عدن في عامي 1840و1841م إلِّا أن تلك المحاولات لم تنجح للفارق الهائل في تسليح القوتين.

سياسة "هينز" في دولة الجنوب:

كانت سياسة "هينز" المقيم السياسي في عدن مبنية على قاعدة "فرق تسد" لأن الحكومة في بومباي لم تشاء حينذاك أن تمده بما يحتاج إليه من الجنود لحماية عدن فإذا ثارت إحدى القبائل على الإنجليز كان الحاكم البريطاني يثير قبيلة أخرى عليها.

وقد جاء في كتاب أرسلته شركة الهند الشرقية البريطانية إلى الكابتن "هينز" المقيم في عدن جاء فيها ما يلي: "حرض القبيلة الموالية على القبيلة المعادية"، فلا تحتاج إلى قوات بريطانية وأنه وإن كان هدر الدماء مما يؤسف له، فمثل هذه السياسة تفيد الإنجليز في الصراع بين القبائل.

 أ. أمل‏:

هل كانت هناك معاهدة حماية وصداقة عام ١٩٠٣م؟

د. إسماعيل قحطان:

كانت مع "الهبيلي" في بيحان وكانت معاهدة حماية حصل بموجبها "الهبيلي" على راتب واعتراف بنفوذه في بيحان.

أ. أمل‏:

قرأت أن هناك معاهده مع مشيخة "السقلدي" بالشعيب في عام ١٩٠٣ م، وهي معاهدة أبرمتها حكومة عدن البريطانية مع مشيخات وامارات الجنوب.

تُعَـدّ هذه المعاهدة واحدةً من نصوص معاهدات الحماية والصداقة التي أبرمتها حكومة عدن البريطانية مع سلطنات وإمارات ومشيخات الجنوب، حيثُ جاء إبرام هذه المعاهدة البريطانية بعد ترسيم حدود إمارة "الضالع" ومُلحقاتها مع حكومة اليمن العُثْمانيَّة بواسطة اللجنة المشتركة  "الأنجلو ـ تركية"،  ابتداءً من وادي بَنَا شمال شرق الضالع وانتهاءً بوادي تُبَن شمال غرب الضالع، والتي بدأت عملها من شهر شباط/فبراير1901م، حتَّى آذار/مارس 1903م، كما جاء في التقرير الذي أعدَّه الجنرال "بلهام جيمس ميتلاند" المقيم السياسيّ في عدن  المرفوع إلى وزير شؤون الهند البريطانية "المستر بروديك" المرفق بتاريخ 10 حزيران/يونيو 1904م (سرّي للغاية)؛ وهذه المعاهدة تدخل ضمن المعاهدات المانعة الأبدية التي أبرمتها الحكومة البريطانية مع سائر إمارات وسلطنات ومشيخات الجنوب، فقد وضعت مشيخة "السقلدي" تحت حماية صاحبة الجلالة الملكة الإمبراطورة، وسوف تصبح من الآن فصاعداً تحت الحماية البريطانية.

وقد هدفت السياسة البريطانية من خلال توقيع هذه المعاهدة إلى تقوية نفوذها في المناطق الداخلية لعدن بما كان يُعرف بـ (القبائل التسع الخاضعة لسلطة حكومة عدن البريطانية)، وإبعاد النشاطات والتحرشات المستمرة (العُثْمانيَّة ـ الزيدية) عن حدود المحميات الغربية (المناطق الداخلية لعدن)، بالإضافة إلى توفير قدر كبير من الحماية لها، والذي بدأ يظهر بشكلٍ واضح على حدود إمارة الضالع ومُلحقاتها، والتي كانت أوَّل إمارة جنوبية تعقد معاهدة حماية وصداقة مع التاج البريطاني في عهد الأمير علي بن مقبل بن عبدالهادي حسن الأميري في 2 تشرين الأول/أكتوبر 1880م.

أمّا هدف شيخ بلاد الشعيب من هذه المعاهدة، فكان الحصول على حليف خارجي قوي يضمن له حماية حدود بلاده من الغزو (العُثماني ـ الزيدي) بعد أن أدرك "الشيخ السقلدي" خطورة الأمر وخاصة بعد التهديدات السابقة للعُثمانيين والزيود باحتلال أراضي مشيخته، وأراد أن يكوَّن علاقة سياسيَّة قوَّية مع حكومة بريطانيا، ومن هُنا أدرك أنه لابدّ من عقد معاهدة مع بريطانيا للحد من تلك التهديدات وللاستفادة من الدعم والحماية البريطانية، حيثُ تنصّ الوثيقة: -

"على أن يوافق شيخ الشعيب وورثُته وخلفاؤه وكافة قبيلته بالامتناع عن الدخول في أيّة مراسلة أو اتفاقية أو معاهدة مع أيّة دولة أو حكومة أجنبيَّة، إلاَّ بعد اطلاع الحكومة البريطانية وأخذ موافقتها على تلك المعاهدة التي بينهما".

وفي هذا السِّياق نورد إحدى أهمّ المعاهدات الوثائقيَّة التّاريخيَّة التي وقَّعَتها حكومة التاج البريطاني مع مشيخة الشعيب بعد عدة معارك بين قبائل الضّالع والشّعيب ويافع مع القوَّات العُثمانيَّة والزيدية الغازية التي تكرَّرَت على حدود الضالع منذُ بداية العقد السّابع من القرن التّاسع عشر، وكانت هذه المعاهدات والاتفاقيات ملزمة لجلالة الملكة الإمبراطورة بحماية حدود محمياتها الغربيَّة من اعتداءات العُثمانيين والزيود، حيثُ جاءت نصوص المعاهدة بعد الديباجة على النحو التالي:

 معاهدة شيخ قبيلة الشعيب (السّقالد) في 5 كانون الأول/ديسمبر سنة 1903م التي تمَّ توقيعها مع جلالة الملكة الإمبراطورية.

ا. د. أمة الملك:

شكرًا دكتور إسماعيل ولكل الزملاء، موضوعات شيقة ومداخلات تاريخية جادة.

لكن لم يتم التعرض للحرب العثمانية البريطانية في لحج وما حولها وانتصار الجانب العثماني بالرغم انهم كانوا منهزمين في الميدان الأوربي، وقد يرجع ذلك بل كان السبب الأكبر تعاون الإمام يحيى مع العثمانيين.

أيضًا اتفاقية الحدود عام١٩٠٤ م، مع بريطانيا والدولة العثمانية في المناطق الجنوبية وتأثيرها على العلاقات البريطانية - العثمانية - الإمامية.

د. إسماعيل قحطان:

لك كل التقدير دكتورة أمة الملك.

لم اتعرض في سردي للحرب البريطانية التركية حتى لا أزيد من التشعب في المواضيع

وبالفعل كان المحور الوحيد الذي انتصرت فيه الدولة العثمانية على بريطانيا، وهذا يرجع في المقام الأول إلى حِنكة القائد "علي سعيد باشا" الذي تمكن الزحف والوصول إلى منطقة "الشيخ عثمان".

أما تعاون الإمام فقد كان تعاون معنوي ولم يكن عسكري، حيث كان هناك مقاتلون يمنيون لكن هذا لا يُحسَب للإمام، فالإمام حتى ذلك التاريخ لم تكْن لديه الإمكانات العسكرية وآلة الحرب المتقدمة التي يمكن أن يسند بها الجيش العثماني، بل إن في فترة الهدنة طلب "علي سعيد" من الإمام أن يتقدم بقواته ويستولي على المناطق المحررة وأيضا يأخذ الأسلحة التي هناك؛ لكن الإمام رفض كل ذلك. وهذا الرفض يعطينا الصورة الواضحة أن الإمام لم يكن له الوجود الفعلي والقوي في هذه الحرب وإِلّا لو تواجد ميدانيًا لما تردد في بسط نفوذه.

‏‪ا. د. محمود الشعبي:

كانوا منهزمين حتى في الحجاز والهلال الخصيب وفلسطين سقطت وشارك في هزيمتهم اشراف الحجاز.

د. إسماعيل قحطان:

ويمكن القول - إن من أكبر أسباب هزائم الإمام في حروبه فيما بعد مع البريطانيين أو مع السعودية عدم امتلاكه جيش حديث يواجه به القوى المتربصة باليمن، بل إن من أكبر مطالب حركة المعارضة أن يكون لليمن جيش قوي يدافع عن أرضها بدلًا من الجيش الذي يقاتل الإنسان اليمني.

وهذه نقطة أخرى تؤكد لنا أن الإمام لم تكْن لديه القدرات العسكرية التي يمكنه أن يساند بها الدولة العثمانية.

 د. رياض الصفواني:

في كتاب العبدلي " هدية الزمن في أخبار لحج وعدن " ذكر اشتراك بعض قبائل الحجرية بالقتال إلى جانب قوات علي سعيد باشا، بالإضافة إلى إمداد الشيخ " عبد الوهاب نعمان " - إن لم تخني الذاكرة - للقائد العثماني بالأموال التي طلبها لتسديد العجز في مرتبات جنوده، فدفع له مبلغ خمسة آلاف ريال فرنسي، وقدم القائد العثماني الشكر والثناء على هذه المساعدة في رسالة للسلطات العثمانية. كذلك قدم بعض أعيان وأهالي منطقة القماعرة (ماوية) وبعض القرى القريبة من مدينة القاعدة بعض المؤن للقوات العثمانية في معركتهم مع البريطانيين.

ا. د. محمود الشعبي:

كما هو مثبت في المصادر فان سكان محافظة تعز بالذات مشائخ وأعيان وقبائل بينهم "بيت النعمان" وجدي "قاسم بن علي"، قد شاركوا في الحرب العالمية الأولى ضد الإنجليز وقدموا تضحيات وشهداء.

وقد كانت "جبهة لحج"، الجبهة الوحيدة المنتصرة على الإنجليز إلى نهاية أيام الحرب في كل جبهات الحرب العثمانية وكلهم القوات القادمة من تعز وقادتها عملوا مع أو تحت إمرة المشير "علي سعيد باشا" وقدموا له ولجيشه التركي المساعدات اللوجستية والمالية والمعنوية والرجال والعتاد والسلاح والطعام، وقد كان جدي "قاسم بن علي" من بين مشائخ وأعيان الحجرية الذين حاربوا في لحج وحتى أن جدي شقيق جدتي لأبي الشيخ "همدان ثابت" قد استشهد في تلك الحرب.

الإمام يحيى لم يحارب ضد الإنجليز أبدًا ولكنه توقف إلى حدٍ كبير عن محاربة العثمانيين وقد أحسن في اتخاذ ذلك الموقف. ولكن الإنجليز عاقبوه بعد الحرب باحتلال الحديدة ثم تسليمها للإدريسي ثم تحريض ومساعدة الأدارسة وابن سعود ضد الإمام يحيى ثم قيام الإنجليز بعمليات عسكرية متكررة على حدود اليمن وعلى بعض المدن حتى تم لهم اجبار الإمام يحيى على عقد اتفاقية عام 1934م. وفي نفس العام اجبروا الإمام في الحرب والهزيمة أمام ابن سعود ثم على عقد اتفاقية استسلام (الطائف) لابن سعود والتنازل عن نجران وجيزان وعسير والكثير من الجزر اليمنية وهي الأراضي التي كرر علي صالح والشيخ عبدالله الأحمر التنازل عنها وقبض أثمانها "تحت شعار أنا شيخك قال له وأنا رئيسك". وللأسف أنهم زادوا حدود الحدود وثبتوها للسعودية أراضي ليس لها حق فيها فهي التي كانت في عام 1902 في أول أيامها في نجد وفي الرياض فقط.

ا. عبد الوارث العلقمي:

نعم دكتور. بل قتل الشيخ أحمد نعمان قائم مقام الحجرية في عزلة الزعازع وتحديدًا في "الزمليه" وهو يجمع المعونات والمجهود الحربي لتمويل الجيش التابع للعثمانيين الذين تحركوا برفقة القائد العثماني على سعيد باشا وبقية مشائخ تعز واب.

د. عبد السلام الصَّباري‏:

نعم. وأيضًا من مشايخ العدين ورداع والبيضاء.

بل إن سلطان لحج العبدلي حاول أن يثني مشايخ القبائل من تعز وإب والعدين ورداع - عندما التقوا به لمحاولة إقناعه للانضمام إليهم إلى جانب العثمانيين بقيادة علي سعيد باشا ضَّد الإنجليز، فقد رفض ذلك الأمر في مساندة العثمانيين وأنهاء حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، مؤكدًا لهم بأن النصر سيكون حليف الإنجليز، ومعاتبًا للشوافع على اندفاعهم مع العثمانيين، وأن عليهم أن يقفوا موقف الِحيَاد في الحرب.

وبعد الهزيمة سلموا الأراضي في هذه المناطق وغيرها للإمام الزيدي، كما جاء في كتاب "هدية الزمن"، ملخصًا ذلك بأن الشوافع لو تجنبوا دخول الحرب إلى جانب العثمانيين لكان بمقدورهم الحصول على استقلال مناطقهم في اليمن الأوسط أو الإقليم الأوسط، بعيدًا عن سلطة الإمام يحي، ونظر العبدلي إليهم وإلى موقفهم بازدراء.

د. رياض الصفواني:

موقف العبدلي هذا ناتج عن التزامه بالمعاهدات المبرمة بينه وبين السلطات البريطانية وكان مخلصا لهم بخلاف سلاطين الصبيحة و "العوذلي" الذين فتحوا طرق بلادهم لـ "علي سعيد باشا" أثناء توجهه إلى عدن وقدموا له بعض أوجه الدعم المادي، كما أن موقف "العبدلي" هذا جاء نتيجة اكتساح العثمانيين للحوطة عاصمة السلطنة وقيام بعض أفراد الحاميات العثمانية بالهجوم على قصر السلطان العبدلي وأقاربه وكان قد فر إلى عدن لائذاً بالسلطات البريطانية، بل وصدرت فتوى من مشيخة الإسلام كما قيل بجواز مهاجمة ومصادرة أملاك من تعاون مع البريطانيين.

‏د. عبد السلام الصَّباري‏:

نعم هذا صحيح.

لكن ماذا جنى الشوافع من أهل هذه المناطق نتيجة موقفهم المساند للعثمانيين، سوى تسليمهم مع مناطقهم للإمام يحي الذي وقف على الحياد في الحرب، ورضيت بريطانيا بذلك نكاية بهم لموقفهم المساند للعثمانيين، وخسروا جميع الأطراف وخضعوا مع مناطقهم لسلطة الإمام، وهذا ملخص تفسير ما جاء عن موقف السلطان العبدلي إزاء الشوافع؛ ووصفهم بالغباء وعدم فهمهم للسياسة وكيفية توظيف المواقف لمصلحتهم ومصلحة مناطقهم، على عكس الزيود الذي وسمهم بالذكاء وكيفية توظيف المواقف لصالحهم، بهذا المعنى تقريبًا.

د. رياض الصفواني:

بعد خروج العثمانيين تداعى مشائخ نواحي تعز وإب لمؤتمر " العماقي " بين ماوية والجند ليتدارسوا تشكيل كيان سياسي مستقل يديروا من خلاله هذه المناطق التي كانت خاضعة للعثمانيين، وبلغ الخبر الإمام يحيى فأسرع لإفشال هذا المؤتمر وأرسل قواته تقريباً بقيادة علي الوزير لملء الفراغ والسيطرة على هذه المناطق، ونعلم كيف واجهت قوات الإمام صعوبات في السيطرة، وكيف استعمل علي الوزير القوة لإخضاعها، والمواجهة مع الشيخ "العقاب" في "حبيش" وتفاصيل كثيرة في هذا الجانب. انتهت بضم مناطق تعز وإب إلى حكم الإمام يحيى وتعيين الأمير علي الوزير أميراً للواء.

د. أنور عباس‏:

وقبضَّ عليهم ثم أوصلوهم صنعاء ليبقى "عبد الوهاب نعمان" بها سجينا ثمانية وعشرون عام، وانتهى الأمر بإعدامه في 1948م مع جملة من أعدموا بسيف الامام أحمد.

د. عبد السلام الصَّباري‏:

تسلم دكتور رياض على هذه المعلومات الصحيحة والمفيدة والقيمة.

ولكن العثمانيين بعد هزيمتهم سلموا جميع الأراضي التي كانت تحت سيطرتهم رسميًا للإمام يحي، ولم يسندوا ذلك لمشايخ المناطق نفسها الذين ناصروهم في الحرب.

د. رياض الصفواني:

بموجب اتفاق "موندروس" ١٩١٨م، لم يقبل المشايخ الخضوع لحكم الإمام يحيى ولذلك حاولوا تشكيل كيان مستقل انتهى بالفشل.

‏د. عبد السلام الصَّباري‏:

نعم. وشكرًا دكتور رياض على كل هذه التوضيحات، فقط كنت أريد إيصال مغزى موقف السلطان العبدلي إزاء موقف الشوافع.

د. رياض الصفواني:

والشكر لك دكتور على إلمامك ورفدك للنقاش بهذه المعلومات المهمة.

وأصدقك القول دكتور أني لا أستسيغ استعمال مفردة "شوافع" و "زيود"، بصفتها مفردات طائفية، برغم إيرادها في العديد من مصادر الفترة وفي الكتابات الأجنبية، وبرغم حقيقة كينونتها أيضاً.

‏د. عبد السلام الصَّباري‏:

صحيح وأنا أوافقك على هذا، وذكري لها هنا هو كما جاء في مصادر الفترة نفسها - ليس غير ذلك، ويبدو أن الساسة المستفيدين من خلق الصراعات والمستحوذين على السلطة والثروة والنفوذ هم من يكرسوا تلك النزعات الطائفية والمناطقية والجهوية ويحرصون على بقاءها، لأن استمرار بقاهم مرتبط بذلك، وكم نتمنى أن يأتي اليوم الذي نتجاوز به كل هذه المسميات إلى دولة المواطنة القائمة على العدل والحق والقانون والحاضنة للجميع - مع أن مؤشرات الواقع تذهب إلى غير ذلك. نعيش على الأمل وربنا كريم.

د. إسماعيل قحطان:

دكتور رياض ... ما يتطرق اليه الدكتور عبد السلام الصباري صحيح.

لقد حدث تسليم رسمي وهذا يخلق الفرق. لدينا قوتين على الأرض ولديها الاستعداد للإمساك بزمام الحكم، فالأتراك فضلوا تسليمها للإمام، وهنا السؤال لماذا تَّم تسليمها للإمام على نكاية بأولئك الزعماء؛ لأنهم حاربوا صراحًة وببسالٍة في الصف العثماني فكان جزاء سنمار، أم هي طبخة تمت بين الاتراك والبريطانيين في اللحظات الأخيرة حيث أن بريطانيا فضلت تولي الإمام للحكم كونه كان أكثر إيجابية حين حايد بينما كان موقف الزعامات اليمنية سلبي مادام قد حملوا السلاح ضد بريطانيا وإن هذا الحمل للسلاح مؤشر بأنهم لن يتوقفوا بعد ذلك من مضايقة بريطانيا.

فــ بالتأكيد ما يخيف بريطانيا أن هناك ترسانة أسلحة عثمانية سيستولي عليها هؤلاء الزعماء وقد يواصلون القتال ضدها، والبريطانيين يدركون الشخصية السلبية للإمام وأنه حتى وإن استولى على هذه الأسلحة فلن يستخدمها، وقد تحقق فعلًا ذلك عندما رفض أخذها.

في منظوري أن هناك اتفاق سري حصل بين البريطانيين والعثمانيين لتسليم الحكم للإمام وهذا بحد ذاته كان خيانة عثمانية لليمنيين.

هذه الحادثة من الخيانة عند انسحاب الأتراك العثمانيين حصل أمر مماثل لها أيام الخروج المصري من اليمن عام 1967م، حيث حدث اتفاق سري بين السعودية ومصر بإسقاط السلال لكونه يمثل التيار الجمهوري المتشدد واستبداله بشخصيٍة تقبل بها السعودية. وبالفعل تم انقلاب 1967م وتولى الإرياني الذي ضرب النظام الجمهوري في مقتل. التاريخ عبارة عن أحداث تتكرر وتتكرر نتائجها إما سلبًا أو إيجابًا.

فخروج الأتراك وخيانة تسليم السلطة للإمام أعادت اليمن للعصور الوسطى مرةٍ أخرى. وكما يمكن القول إن خروج المصريين واتفاقهم مع السعودية بإسقاط السلال أعاد الملكية مرةٍ أخرى بقرقوش جمهوري.

الاحتلال البريطاني لليمن 1839م وعلاقته بالصراع الدائر بين قوى الاستعمار الأوروبي (3)

التعليقات (0)