الصراع بيـن الأطراف اليمنية وأثره في إثارة أطماع القوى الخارجية في اليمن في التاريخ الحديث والمعاصر (1)

مـنتـدى المـؤرخ الحـصـيف

سلسلة حلقات برنامج النقاش الرمضاني التاريخي

الحلقــة الثانية والعشـرون

الصراع بيـن الأطراف اليمنية وأثره في إثارة أطماع القوى الخارجية في اليمن في التاريخ الحديث والمعاصر

22 رمضان 1443هـ / 23 أبريل 2022م

رئيس الجلسة

د. ريـاض الصـفوانـي.

القســم الأول

التــقديم للحــلقة

تقديم رئيس الجلسة

الدكتور د. رياض الصفواني

مقدمة الجلسة:

السلام عليكم ورحمة الله ....... قبل الولُوج في الموضوع لابد من التنويه إلى أن الفترة الزمنية التي نحن بصددها طويلة وبعض وقائعها متداخلة وشائكة، فهي تشتمل على معظم تاريخ اليمن الحديث والمعاصر ويصعب تغطيتها كاملة في حلقة واحدةٍ، لذلك سأحاول أن أجعل التركيز على أبرز المحطات ذات العلاقة المباشرة بالموضوع، ويمكن تغطية ما أمكن من الفجوات من خلال الإضافات والمداخلات والتعقيبات، مع التأكيد على أن الموضوع لا ينحصر على مدير الحلقة وحده إذ يشترك أعضاء شعبة الحديث والمعاصر كافة في توجيه حواره والرد على التساؤلات المثارة والإيضاحات المطلوبة وكل ما يمكن أن يثري الموضوع ويحقق الفائدة المرجوة.

المحاور:

والموضوع ينقسم إلى المحاور الآتية:

أولًا: الصراع بين آلــ "شرف الدين" و "الطاهريين" وأثره في إثارة أطماع قوى المماليك والعثمانيين في اليمن.

ثانيًا: الصراع بين آلــ "شرف الدين" وأثره في إثارة أطماع القوى العثمانية.

ثالثًا: الصراع بين الأطراف السياسية في الأجزاء الجنوبية والشرقية من اليمن وأثره في إثارة أطماع القوى البريطانية.

رابعًا: الصـراع بين آلــ "القاسـم" وأثره في إثـارة أطماع القوى العثمانية ١٨٤٩-١٨٧٢م.

خامسًا: الصراع بين أشراف المخلاف السليماني ثم بين الأدارسة والإمام يحيي وأثره في إثارة أطماع القوى الوهابية ومحمد علي باشا وآلــ "سعود".

أولًا: الصراع بين آلــ "شرف الدين" و "الطاهريين" وأثره في إثارة أطماع قوى المماليك والعثمانيين في اليمن.

مثَّلت بعض مناطق المرتفعات الشمالية المجال الجغرافي والمعقل السياسي وقبله المذهبي لآلـ "شرف الدين" كقوة زيدية، وبخاصة مناطق (ثِلاَ وكَوكبَان ومِلْحَان وحُفَاش) وأجزاء من حجة، في مقابل القوة الطاهرية التي مثلت بعض أجزاء المناطق الوسطى من الهضبة الشمالية وبعض المنخفضات السهلية حتى عدن مجالها الجغرافي، وقد حكم العلاقات بين الطرفين منطق القوة والتغلب، فكانت الصدامات العسكرية سجالاً بينهما، وهو الصدام المبني على قاعدة احتكار النفوذ السياسي ذي العمق الاقتصادي، ومحاولة توسيع رقعته الجغرافية والبشرية، فكانت عدن الميناء الاقتصادي المهم هي محور ذلك الصراع، في الوقت الذي تبرز فيه أطماع البرتغاليين وتصل قطع من سفن أساطيلهم العسكرية إلى موانئ جنوب البحر الأحمر والمحيط الهندي في محاولات يائسة لإيجاد موطئ قدم لهم في عدن والشحر وجزيرة سقطرى وحتى ساحل عمان وإطباق الخناق على المنطقة وربطها بأطماعهم في شبه القارة الهندية حيث مصدر انتاج التوابل. تلك الأطماع التي أسال لعابها احتدام الصراع بين الطاهريين وآلـ "شرف الدين"، وإن لم يتمكن البرتغاليون من تحقيقها بفضل المقاومة التي أبداها اليمنيون ممثلة بالطاهريين في عدن بالتعاون مع القوة الكثيرية في الشحر بمساندة من البحرية المملوكية ثم العثمانية. وكان أبرز شاهد على احتدام الصراع بين آلـ "شرف الدين" والطاهريين قد تمثَّل في تأليب الإمام شرف الدين الأمير "حسين الكردي" قائد الحملة المملوكية الموجهة ضد البرتغاليين على السلطان "عامر بن عبدالوهاب" الطاهري، بذريعة تواطئِه مع البرتغاليين لاحتلال السواحل اليمنية، الأمر الذي لاقى صدى لدى "الأمير الكردي" لاسيما بعد أن رفض السلطان "عامر بن عبدالوهاب" تلبية طلب المماليك في توفير المال والمؤن للحملة عند مرورها بالموانئ اليمنية الجنوبية الخاضعة للطاهريين، لخشيته من أن تصبح جزية سنوية يقدمها للمماليك، فتمكن المماليك بعد معارك مع القوات الطاهرية من قتل السلطان "عامر بن عبدالوهاب" في صنعاء عام ١٥١٧م، والاستيلاء على صنعاء وسائر مناطق نفوذ الطاهريين، ولم تطُل مدة احتفاظ المماليك بصنعاء وغيرها من المناطق التي استولوا عليها، إذ لم يلبث أن سيطر عليها الإمام "شرف الدين" وأولاده باتفاق جرى بينهم وبين المماليك بعد أن ضعف نفوذ المماليك، نتيجة لسقوط دولتهم بأيدي العثمانيين ١٥١٨م. وبقيت الصراعات بين بقايا الطاهريين وآل شرف الدين مشتعلة بعدئذ، وكان من أبرز شواهدها مجدداً إيغار الإمام "شرف الدين" صَدر "سليمان باشا الخادم" قائد الحملة العثمانية ضد البرتغاليين على الأمير "عامر بن داوود الطاهري" بالذريعِة السابقة ذاتها، وهي اتفاقه مع البرتغاليين سراً على تسليمهم عدن، نتج عن هذه الوشاية إعدام القائد العثماني للأمير "عامر بن داوود"، واستيلائه على عدن، وكان "عامر بن داوود" قبل ذلك قد حاول تأليب القائد العثماني على الإمام شرف الدين للتخلص من عداوته، واصفاً الإمام شرف الدين وأبنائه بتماديهم في الطغيان وإيغالهم في سفك الدماء، استناداً على الحملة التي جرَّدها "المطهر بن شرف الدين" ضد من بقي من قوات الطاهريين في رداع وعدن وتعز وإب، والتي قتل أعداداً كثيرة منهم. وبعد مقتل عامر بن داوود - آخر حكام بني طاهر - تحكّم العثمانيون وآلــ "شرف الدين" بالمشهدين السياسي والجغرافي، واشترك الطرفان في صناعة الأحداث ورسم خارطتها على الأرض لاسيما في المناطق الشمالية الداخلية.

ثانياً: الصراع بين آلـ "شرف الدين" وأثره في إثارة أطماع القوى العثمانية.

تأسس الصراع بين آلـ "شرف الدين" الذين مدوا سيطرتهم إلى المناطق الجنوبية وقاعدتها مدينة تعز - على إثر اضمحلال قوة كلٍ من المماليك وبقايا الطاهريين هناك - على قاعدتين رئيستين:

١ - إسناد الإمام "شرف الدين" ولاية العهد لابنه الثاني "علي" دون ابنه الأكبر "المطهر"، بحجة أن "علياً" أكثر علماً وأفضل خلقاً من المطهر، ولأن "المطهر" لا تتوفر فيه شروط الإمامة الهادوية ومنها شرط سلامة الجسد، فقد كان لديه "عرج " في قدمه، على الرغم من أن النظرية الزيدية لا تقر فكرة ولاية العهد، مما أوغر صَدر "المطهر" على أخيه "علي" وأذكى بينهما نار العداء والمواجهات.

٢ - تقسيم الإمام "شرف الدين" ممتلكاته بين أولاده كإقطاعات عام ١٥٤١م، بحجة كبر سنه واعتلال صحته، الأمر الذي أثار روح التنافس والتباغض بين الإخوة على السيطرة والنفوذ.

هذان الأساسان أفضيا بالمحصلة إلى تأجيج الصراع على السلطة بين المطهر وأبيه وإخوته من ناحية، وبين الإخوة من ناحية ثانية، ثم بين أولاد المطهر بعد وفاته من ناحية ثالثة، مكّن هذا الصراع والانقسام داخل البيت الزيدي العثمانيين من مد سيطرتهم من السواحل الممتدة من جيزان شمالاً وحتى الشحر شرقاً إلى المرتفعات الشمالية الداخلية، لاسيما بعد أن لجأ المطهر إلى القوات العثمانية ليستقوي بها على أبيه بعد أن انشق عنه وليتمكن بمساعدتها من الاستيلاء على السلطة، ظاناً كما يظهر أن مساعدة العثمانيين له لن يكون ثمنها السيطرة على كافة أجزاء البلاد والتمكين للسلطنة العثمانية فيها، وأنه بعد استحواذه على مقاليد الحكم سيعمل على تنظيم صفوفه ودحر العثمانيين من مناطق نفوذه، وهو مالم يتحقق آنذاك، فقد أثار الصراع بين آلـ "شرف الدين" أطماع القوات العثمانية في التوغل في المناطق الداخلية، وعملت تلك القوات على تدعيم سيطرتها بعد أن أضعفت جبهة المقاومة الزيدية التي عانت أصلاً من التفتيت الداخلي بعد وفاة المطهر وصراع أولاده على السلطة .

ثالثاً: الصراع بين الأطراف السياسية في الأجزاء الجنوبية والشرقية من اليمن وأثره في إثارة أطماع القوى البريطانية.

تشكلت في الأجزاء الجنوبية والشرقية من اليمن منذ أمد بعيد - عدا مدينة عدن - العديد من الكيانات السياسية القبلية، وصارت شبه مستقلة عن بعضها البعض بمرور الزمن، ممثلة بقبائل: العبدلي والفضلي والعوذلي والحوشبي والصبيحي والعقربي ويافع والأميري والهبيلي والرصّاص والكثيري والواحدي والقعيطي والكسادي وآلـ بريك والعمودي، انضوت معظم تلك الكيانات وبخاصة تلك المجاورة لعدن في إطار الدولة القاسمية عند نشوئها في عهد الإمامين المؤيد محمد بن القاسم (ت١٦٤٤م) والمتوكل إسماعيل (ت ١٦٧٦م) والأئمة من بعدهما، ورغم محاولات تلك الكيانات خلع طاعة الإمامة القاسمية وجهود الأخيرة لإخضاعها أكثر من مرة في عهد كل من المتوكل إسماعيل والمهدي محمد بن أحمد صاحب المواهب إلِّا أن خروجها النهائي عن السلطة القاسمية قد تم في عهد الإمام المنصور الحسين بن القاسم (١٧١٧ - ١٧٢٨م)، استكمالاً لبدايات خروجها في فترة حكم الإمام المؤيد محمد بن إسماعيل (١٦٨١ - ١٦٨٦م) الذي اتسمت سياسته العامة بالضعف وتحول أمراء آلـ القاسم إلى مراكز قوى مستبدة بما تحت أيديها من البلاد دون الرجوع إليه، مستغلة تلك الكيانات انشغال الأئمة بتسوية صراعاتهم البينية على السلطة، ولم تكن العلاقات بين بعضها البعض في حالة من السلم دائماً، فقد تخللتها جولات من التنافس على النفوذ والسيطرة، فضلاً عن الصراع على السلطة داخل الأسر الحاكمة نفسها، واستمرت الخلافات تعصف ببعضها بعضاً وبخاصة في كبريات مدن حضرموت (الشحر وشبام وسيئون وتريم) في عهد السلطنة الكثيرية - على سبيل المثال - والتي شهد عهدها الذي امتد إلى الاستقلال في نوفمبر ١٩٦٧م اضطرابات وصراعات كثيرة، انعكست تأثيراتها بنسب متفاوتة على عدم استقرار الأوضاع الداخلية لتلك الكيانات، وتركت أثراً في تسهيل مهمة القوات البريطانية لإحكام قبضتها على مدينة عدن عام ١٨٣٩م، وربط سيطرتها على المدينة بمعاهدات حماية واستشارة مع تلك الكيانات، أفقدتها شخصيتها المستقلة، وعززت سيطرتها عليها في غضون ذلك باتباع سياسة "فرق تسد"، تلك السياسة التي استمرت باستمرار توتر العلاقات بين تلك الكيانات (المحميات)، كما أن انقسام الصف النخبوي العدني خلال خمسينيات القرن الماضي - على الأقل - وانضوائه داخل أطر ضيقة، بين جعل مدينة عدن هوية مستقلة عن بقية الكيانات (عدن للعدنيين)، ثم هندسة الاحتلال لمشروع اتحاد إمارات الجنوب العربي ١٩٥٩م، هذا الكيان الذي يهدف إلى فصل كيانات الداخل اليمني الجنوبي عن عدن وما تمخض عن هذه الأطر من تكريس للتجزئة، ناهيك عن الصراع بين الجبهة القومية وجبهة التحرير في نوفمبر ٦٧م، كل ذلك غذى مشروعات القوى الاستعمارية التفتيتية في جنوب اليمن، وهو ما يعطينا صورة عن القابلية الداخلية للتشظي آنذاك في سياق هويات صغيرة تساعد على ترسيخ أطماع القوى الخارجية وإن اتخذت تلك الأطماع مدى زمني محدد.

رابعاً: الصراع بين آلـ "القاسم" وأثره في إثارة أطماع القوى العثمانية ١٨٤٩م، ١٨٧٢م.

شهدت أجزاء البلاد الخاضعة للإمامة القاسمية الكثير من الاضطرابات، الناتجة عن تنافس آلـ "القاسم" وصراعاتهم على السلطة، وقد اشتد الصراع في فترة حكم الأئمة الضعاف منذ الإمام المنصور علي الثاني بن المهدي عبد الله خلال الفترة من ثلاثينيات القرن التاسع عشر وحتى عودة الحكم العثماني للبلاد ١٨٧٢م. وبإلقاء نظرة سريعة على خارطة الصراعات السياسية والجغرافية بين آلــ "القاسم" يتبين لنا الآتي:

الإمام غالب بن محمد بن يحيى في بعض الأجزاء الشمالية الغربية المطلة على تهامة، محمد بن عبد الله الوزير في مرتفعات بلاد "آنِس"، المحسن بن أحمد الشهاري في بلاد كحلان من نواحي حجة، حسين بن أحمد الهادي في بلاد الطويلة شمالي غرب صنعاء، ثم المنصور بن هاشم الويسي، والمنصور محمد بن عبد الله الوزير، والمؤيد العباس بن القاسم بن محمد في صنعاء وبعض نواحيها.

أفضى هذا التنافس والصراع بالمحصلة إلى تمزيق البلاد وفُقد معه الأمن وفشت أعمال السلب والنهب والقتل والتقطع من جانب بعض القبائل، مما حدا بأهالي صنعاء إلى تنصيب الشيخ محسن معيض والحاج أحمد الحيمي - كبار رؤساء الحارات - حكاماً للمدينة، فقام حكمهما على التنكيل بالأهالي وبخاصة التجار والحرفيين الذين فرضوا عليهم إتاوات باهضه، جعلتهم في حالة رفض ومواجهة لها.

أثارت هذه الحالة أطماع القادة العثمانيين في بعض نواحي تهامة - التي استقر فيها مقامهم منذ عام ١٨٤٩م بعد استنجاد الشريف حسين بن علي حيدر بهم لدعمه ضد منافسيه وعلى إثر جلاء قوات محمد علي باشا عنها - وأخذوا يرقبون ما ستؤول إليه الأمور في صنعاء عقب إخفاق محاولة سيطرتهم عليها عام ١٨٤٩م بعد أن استدعاهم الإمام المتوكل محمد بن يحيى للاستقواء بهم ضد منافسيه وقتله في نفس العام بتهمة الخيانة، فوجدوا الفرصة مواتية للتوجه إلى صنعاء ولاسيما بعد أن راسلهم بعض وجهائها لإنقاذ البلاد وإقرار الأمن فيها، وفي مقدمتهم: علي بن المتوكل عبدالله وزيد بن أحمد الكبسي ومحمد بن يحيى حميد الدين وحسين جغمان وحسين الشامي ومحمد المطاع وآخرون، فتم للعثمانيين بقيادة المشير أحمد مختار باشا السيطرة على صنعاء وانضوت البلاد مجدداً تحت السيادة العثمانية حتى عام ١٩١٨م.

خامساً: الصراع بين أشراف المخلاف السليماني ثم بين الأدارسة والإمام يحيى وأثره في إثارة أطماع القوى الوهابية ومحمد علي باشا وآلــ "سعود".

اتخذت العلاقات بين أشراف المخلاف السليماني بعضهم البعض من ناحية، وبينهم وبين بعض الأئمة من ناحية ثانية طابع الصراع في معظم الفترة التاريخية الحديثة، وهو صراع تمحور حول السلطة والسيطرة، فقد كان أشراف المخلاف من "الخواجيين" و"القطبيين" وآلـــ "خيرات" نواباً للإمامة القاسمية على بلادهم طوال عهدها، وما أن يتوفى أحد الأشراف حتى تنشب الصراعات بين أبنائه على السلطة، مما أغرى الأطراف الخارجية ممثلة بالحركة الوهابية في نجد بزعامة "محمد بن سعود" على مد نفوذها في ما يلي الحجاز جنوباً صوب عسير ومدن المخلاف: جازان وضمد وصبيا وبيشة وأبي عريش، وفي أثناء الصراع بين آلــ "القاسم" بدءاً من الربع الأول من القرن التاسع عشر تحديداً حاول الأشراف الاستقلال بما تحت نفوذهم، ودبَ الصراع بين الشريف حمود "أبو مسمار" وشريف عسير عبدالوهاب "أبو نقطة" وحاول كِلاَ الطرفين التقدم صوب مناطق نفوذ الآخر، وتمكن "أبو نقطة" بعد دخوله في الدعوة الوهابية من النزول من مرتفعات عسير صوب "أبي عريش" عاصمة المخلاف، واصطدم مع قوات الشريف "أبي مسمار"، الذي تقهقر إلى جنوب المخلاف، بسبب الفارق بينه وبين خصمه في العتاد والقوة، ولجأ "أبو مسمار" إلى الإمام المنصور علي (ت١٨٠٩م) طالباً منه الدعم العسكري، ولما لم يجد الدعم المطلوب دخل في طاعة الدعوة الوهابية، وتمكن بواسطتها من مواجهة "عبدالوهاب أبو نقطة" والزحف على مدن جنوب المخلاف (حرض وميدي واللحية)، حتى وصل إلى الحديدة، وتمت له السيطرة عليها باسم الدولة السعودية الأولى، وحاول الإمام المتوكل أحمد بن المنصور علي (ت١٨١٥م) استرداد تلك المناطق من أبي مسمار فتم له ذلك جزئياً، ولم تلبث بعد زمن قصير أن دخلت تلك المناطق ضمن نفوذ محمد علي باشا والي مصر الذي زحف بقواته من الحجاز لمطاردة فلول الوهابيين وكبح تمرد قائده " تركجه بيلماز" بعد أن قضى على الدولة السعودية الأولى عام ١٨١٨م وعاصمتها الدرعية، مستفيداً من صراع الأشراف واضطراب أحوال المخلاف وانكماش نفوذ الإمامة القاسمية، ولم تلبث قوات محمد علي أن انسحبت من المدن التهاميه وتعز التي امتدت إليها سيطرتهم، وذلك بموجب مقررات مؤتمر لندن ١٨٤٠م ثم تسليم تهامة للشريف "حسين بن علي حيدر" الذي دخل في صراع مع الأشراف واستنجد بالعثمانيين الذين ساندوه لتثبيته في السلطة، وبعد أن ضعفت قبضة الأشراف على المخلاف بمرور الوقت وضعف نفوذهم، نتيجة للصراعات التي دبت في أوساطهم انتقل مركز الثقل السياسي في عسير والمخلاف السليماني إلى الأدارسة مطلع القرن العشرين بزعامة السيد محمد بن علي الإدريسي، الذي أسس إمارته واستقر له الحكم فيها إلى أن توفى عام ١٩٢١م، وبعد وفاته دب الصراع بين ابنه علي الذي لم يكن جديراً بالحكم نظراً لصغر سنه وبين عمه الحسن الذي آل إليه الحكم بعد ذلك، غير أن الحسن واجه العديد من الصعوبات الداخلية والخارجية، تمثلت في اضطراب أوضاع قبائل عسير، وتربص أشراف الحجاز وعبدالعزيز آل سعود بالإمارة الإدريسية، فضلاً عن مطالبات الإمام يحيى بضم الإمارة لسلطته بصورة مباشرة كونها جزءاً من أملاك دولته، مع رفض الإدريسي استمرار التبعية للعثمانيين، وبالتالي فقد وجد الحسن نفسه محاطاً بالأطماع من كل صوب، مع بروز الأطماع الإيطالية والبريطانية في المنطقة، ومحاولة إيطاليا السيطرة على جزر "فَرَسَان" في جنوب البحر الأحمر لاستخدامها كقاعدة عسكرية لحماية مستعمراتها في الساحل الشرقي الأفريقي (موانئ عصب ومصوع ودهلك)، ومحاولات بريطانيا منعها من التوغل في جنوب البحر الأحمر - بوصفه بحيرة بريطانية - والسيطرة على جزره وموانئه الغربية، غير أن أطماع عبدالعزيز آل سعود كانت أكثر بروزاً وحسما،ً فقد استغل عبدالعزيز ظروف الإمارة الداخلية والصعوبات التي واجهتها من الخارج وضغَط على الحسن الإدريسي لعقد معاهدة حماية معه عام ١٩٢٦م، وقد بدا أن الإدريسي يومها كان مضطراً لعقدها، ريثما يعيد تنظيم شؤون إمارته، لكن تلك المعاهدة ما لبثت أن تحولت إلى ضم للإمارة الإدريسية وإلحاقها بالدولة السعودية، فلجأ الإدريسي إلى الإمام يحيى عارضاً عليه أن يتسلم مقاليد الإمارة، غير أن تقاعس الإمام يحيى في حماية الأدارسة من عبدالعزيز آل سعود، مكّن الأخير من احتلالها عام ١٩٣٠م، وبسبب هذا الاحتلال اندلعت الحرب بين الإمام يحيى وابن سعود، انتهت باتفاق الطائف الشهير عام ١٩٣٤م.

واستمرت أطماع آلــ "سعود" بعد قضم عسير وجيزان ونجران في التحكم بالمشهد السياسي في شمال اليمن بما يرسّخ احتلالهم لتلك المناطق، وصياغة واقع يبدد مخاوفهم من انبثاق نظام سياسي ديمقراطي شعبي يهدد عرشهم، بل وحتى نظام ملكي بصلاحيات مقيدة بدستور كما هو شأن بعض أنظمة العالم ولذلك فقد وقف عبدالعزيز آل سعود إلى جانب أحمد حميد الدين ضد حركة ٤٨م الدستورية مستغلاً الصراع بينه وبين رجالات الحركة، وناصب آلــ "سعود" ثورة ٢٦ سبتمبر ٦٢م العداء ولاسيما بعد تدخل مصر عبدالناصر العسكري والسياسي لدعم النظام الجمهوري، ساعدهم على ذلك انقسام الصف الجمهوري خلال خمسة أعوام من عمر الثورة والذي توّج بانقلاب ٥ نوفمبر الأبيض ٦٧م على الجمهورية الأولى (جمهورية سبتمبر) ومباركتهم له، وتبنيهم للمصالحة بين القيادات الجمهورية والملكية ٧٠م، ومن ثم توغُّل السياسة السعودية في الشأن السياسي اليمني حتى اليوم، ومعها بقية القوى الإقليمية (الإمارات وإيران على وجه التحديد) على تعارض أو تضارب مصالحها ومن ورائها القوى الكبرى الداعمة لها على نحو مباشر وغير مباشر (أمريكا وروسيا تحديداً)، استناداً على الصراع الجاري بين الأطراف السياسية اليمنية، وهو ما يعطينا صورة أخرى عن قابلية نخبة من القيادات المدنية والعسكرية للتعاطي الخارجي مع الشأن اليمني، أياً كانت طبيعة وصيغة هذا التعاطي وما إذا كان يصب في مصلحة الداخل اليمني على كل المستويات أم أنه يضر بمصلحته وأهدافه ومكتسباته على المدى المنظور أو البعيد .

وهكذا رأينا كيف أن الصراع السياسي الداخلي بين الأطراف اليمنية قد أثار أطماع القوى الخارجية وسهل لها مهمة الاستيلاء على مركز البلاد وأطرافها، وهو أمر ما كان ليحدث لولا ما أفرزه الصراع الداخلي من ضعف وانقسام وتشرذم. وما أشبه اليوم بالبارحة.

القسـم الثـانـي

(الاسئـلة والمداخـلات)

أولاً: الأسئلة والإجابة عنها

ا. د. عبد الله أبو الغيث:

شكرًا دكتور رياض على هذا العرض ... وننبه أن هذه الحلقة عامة وباب المساهمات فيها مفتوح في عصور التاريخ اليمني المختلفة ولا يقتصر على العصر الحديث فقط.

ففي التاريخ القديم مثلًا لم يكن يحدث التدخل الخارجي إلِّا في ظل صراع واختلاف داخلي، فالحملة الرومانية في أربعة وعشرون قبل الميلاد كانت نتاج حروب شهدتها اليمن بين دولها القديمة خلال النصف الثاني من القرن الأول قبل الميلاد.

التدخل الحبشي الأول الذي امتد من منتصف القرن الثاني حتى منتصف القرن الثالث الميلادي كان بسب احتدام الصراع بين سبأ وحمير بدرجة أساسية بل وكان حضوره بطلب من سبأ.

الغزو الحبشي الأخير تم في ظل تفكك للجبهة الداخلية ما أدى إلى إضعاف دولة حمير وسقوطها على يد الأحباش.

ومثله الوجود الفارسي الذي أتى مساندًا لسيف بن ذي يزن ثم استأثر بالحكم من دونه، ولا يستبعد استغلاله لعدم توحد الجبهة الداخلية من خلف العهد الجديد لفعل ذلك.

د. رياض الصفواني:

حياك الله بروف عبد الله. ونؤكد إلى ما نوهت في أعلاه أن موضوع حلقة اليوم هو موضوع الجميع في الحديث والمعاصر والجميع شركاء فيه، في حالِة الغياب أو الانشغال بأمرٍ ما.

ا. عبد الوارث العلقمي:

شكرًا دكتور رياض على هذا العرض الشامل الرائع ... وكما عهدناه منكم دومًا بما تحمله من معلومات تاريخية مهمة، وضعت فيه النقاط على الحروف بخصوص الصراع بين الأطراف اليمنية وأثره في إثارة أطماع القوى الدولية والأجنبية.

سؤالي: سيبدأ من المخلاف السليماني، وهو بالنسبة لاتفاقية مكة 1926م بين "الحسن الإدريسي" و"عبد العزيز بن سعود" بدخول الإمارة الإدريسية تحت حماية آلــ "سعود"، فهل هذه الحماية هي التي استطاع بها "عبد العزيز آل سعود" ضم المخلاف (جيزان، نجران، عسير.... الخ) إلى الدولة السعودية. كجانب قانوني أم كان ضمها بفرض أمر واقع وبالقوة العسكرية؟

د. رياض الصفواني:

حياك الله أ. عبد الوارث.

إنَّ معاهدة الحماية ١٩٢٦م رسخت أمر واقع، إِذ كانت لعبد العزيز آل سعود محاولات للتمدد في هذه المناطق ورفضت بعض قبائل المنطقة التمدد السعودي وحدثت مواجهات بينها وبين قوات آلــ "سعود"، وبموجب هذه المعاهدة بسط عبد العزيز سيطرته على هذه المناطق وخولته المعاهدة التشبث بها ثم تتالت الأحداث على إثر هذه البسط وحدثت الحرب المعروفة التي انتهت باتفاق الطائف 1934م.

ا. د. محمود الشعبي:

شكرًا دكتور رياض على هذا العرض الممتاز والمتمكن ... لقد قمتم بتقسيم الموضوع إلى محاور تاريخية ومنطقية مرتبة وموضحة وقد جعلتها سهلة الفهم والتسلسل الموضوعي والتاريخي للأحداث ربما أن بعض التواريخ غير مطابقة لكن الفوارق بسيطة ولا تخل بالسياق.

لديَّ هذان الاستفساران، وهما:

أولًا: من خلال معارفكم المتعمقة أين تكمن جغرافيا (أين ظهرت) بؤر الصراعات في التاريخ الحديث والمعاصر؟

ثانيًا: ما دام جماعة كبيرة من رموز الأئمَة هُم من طلبوا العثمانيين بالمجيء من الحديدة لدخول صنعاء؛ فلماذا لا نعتبر قدومهم مثل قدوم غيرهم من القوى الأجنبية التي حكمت اليمن كونهم جاؤوا بطلب من بعض قادات أهله؟!

د. رياض الصفواني:

شكراً بروف محمود على اطرائك وأرجو أن أكون عند حسن ظن الجميع.

لم أتَبْيَن القصد بالضبط من سؤال مكمن بؤر الصراع، لكن بؤر الصراعات في اليمن في معظم أنحاء اليمن وبخاصة الصراع على الموقع والموضع على ساحل البحر الأحمر والمحيط الهندي وفي جوف البحر في باب المندب، هذه الأجزاء هي التي سالت لها لعاب القوى الخارجية إقليمية ودولية وإلى اليوم، وستظل هي بؤر صراع جغرافي استراتيجي سياسي اقتصادي.

أما بالنسبِة لاعتبار مجيء العثمانيين أو استقدامهم مثلهم مثل غيرهم نعم فقد سبق أن استدعاهم "المطهر بن شرف الدين" و "المتوكل محمد بن يحيى" وقبلهم المماليك وغيرهم وهم قوى إسلامية لها أطماعها وأهدافها وحكمت أجزاء من اليمن بصرف النظر عن الأهداف المعلنة أو نحو ذلك.

ا. د. أمة الملك:

الله يبارك فيك دكتور رياض ... هذا هو التاريخ، أشكرك على هذا العرض التاريخي المنهجي المتسلسل بأحداثه وزمنه، وهذا يدل على مؤرخ متمكن وقارئ متمرس لا تؤثر فيه السياسة ولا التعصب الحزبي، المؤرخ الحق الذي يحمل الأمانة التاريخية ويعرض الأحداث التاريخية كما وردت دون مواربة ولا أحقاد نفسية وسياسية. بارك الله فيك وفي أمثالك من المؤرخين الصادقين مع أنفسهم، ويحملون هوية وطنية صادقة.

د. رياض الصفواني:

كل التقدير لكِ دكتورتنا الفاضلة.

ا. عبد الوارث العلقمي:

نعم. دكتور رياض.

ما يمكن القول- أن ثمَّة عوامل مهمة تضافرت أصبحت بموجبها هذه الإمارة أو هذا المخلاف تابعا للدولة السعودية وهي: -

العامل الأول: الجانب القانوني المشرع وهي المعاهدة المتمثلة باتفاقية الحماية 1926م.

العامل الثاني: القوة العسكرية المتمثل بالتمدد العسكري السعودي بقوة السلاح.

العامل الثالث: وهو العامل الدولي والاعتراف الدولي المساند بفرض ذلك الأمر الواقع وهو الدور البريطاني الذي سبق توضيحه في حلقات سابقة حسب ما اعتقد.

ا. د. محمود الشعبي:

بدخول العثمانيين اليمن عام 1538 انحصر الصراع في اليمن لمدة قرن كامل بين الأئمة والعثمانيين ثَّم بين الأئمة أنفسهم، وفترة بسيطة مع سلاطين الجنوب الذين لم يخضعوا للحكم القاسمي إلِّا حوالي ثمانون عامًا، ثمَّ استقلوا إلى عام 1990م، والدليل على ذلك أن بعض الأئمة كَفرَّوا كل سكان اليمن الأسفل بحجِة أنهم لم يحاربوا العثمانيين، وتمَّ تحويل بلادهم إلى أراضي خراجية ومعاملتهم مثل اليهود والنصارى.

أيضًا في الحكم العثماني الثاني كانت الحروب عثمانية مع الأئمة إلاَّ فِيمَا نْدَر. فهل يجوز القول بانها حروب يمنية عثمانية؟

*نحترم كل إجابة مهما كانت بشرطٍ ألَّا يكون فيها وصاية على كتابة التاريخ.

الصراع بيـن الأطراف اليمنية وأثره في إثارة أطماع القوى الخارجية في اليمن في التاريخ الحديث والمعاصر(2)

التعليقات (0)