الاحتكار اليمني لتجارة الهند وطريق البخور القديم (1)

 مـنتـدى المـؤرخ الحـصـيف

سلسلة حلقات برنامج النقاش الرمضاني التاريخي

الحلقــة الثانية

الاحتكار اليمني لتجارة الهند وطريق البخور القديم

02 رمضان 1443هـ / 03 أبريل 2022م

رئيس الجلسة

د. عوض الشـعبي

القســم الأول

التــقديم للحــلقة

تقديم رئيس الجلسة

الدكتور د. عوض الشعبي

السلام وعليكم ورحمة الله ... شهر مبارك على جميع أفراد منتدانا المبجلين. نتناول في حلقتنا النقاشية الثانية من هذا الشهر الرمضاني الكريم، الاحتكار اليمني لتجارة الهند وطريق البخور القديم، والتي تتضمن على مقدمة تتبعها ثلاثة محاور وهي كالآتي: -

المحور الأول: العلاقات التجارية اليمنية الهندية في التاريخ القديم.

المحور الثاني: أهم السلع التجارية الهندية التي احتكرها اليمنيون القدماء.

المحور الثالث: أثر تجارة البخور على العلاقات اليمنية الهندية سياسياً واجتماعياً.

مقدمة الجلسة:

منحت تجارة البخور اليمن القديم مكانة وشهرة تجارية عظيمة بين دول وشعوب وحضارات العالم القديم، وساهمت في ازدهار النشاط التجاري العالمي عندما كانت هي نقطة الاتصال الوحيدة بين مراكز الحضارات الكبرى كحضارة بلاد الرافدين وبلاد وادي النيل واليونان والرومان والهند.

لقد ساهمت تجارة البخور بدور هام في العلاقات التجارية بين عرب جنوب الجزيرة العربية -اليمن القديم- والهند منذ فترة مبكرة من الزمن، فقد كان البخور بأنواعه المختلفة من أهم السلع التجارية التي استوردها التجار اليمنيون من الهند واحتكروه، ويأتي في مقدمة تلك الأنواع "القسط"، حيث كان إنتاجه في جنوب شبه الجزيرة العربية لا يكفي لسد احتياجاتها للتصدير إلى مختلف دول العالم القديم.

وبهذا فقد لعب عرب جنوب الجزيرة العربية دور الوسيط التجاري بين الشرق والغرب بحكم موقعهم المتميز ومهارتهم التجارية ومعرفتهم بفنون الملاحة البحرية، فكانوا يجمعوا سلع الهند ويحتكروها من لبان وتوابل وبهارات وقطن وطيوب وغيرها، ثم يقوموا بتوزيعها إلى مختلف دول العالم القديم عبر طرق برية وبحرية تمتد من الساحل الغربي والساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية، وكانت موانئ جنوب الجزيرة العربية بمثابة مخازن ومستودعات للمنتجات الهندية المستوردة بما فيها أيضا جزيرة سقطرى التي ساهمت بدور هام في تلك العلاقات مع الهند لتوسطها بين طرق التجارة البحرية.

المحاور:

المحور الأول: العلاقات التجارية اليمنية الهندية في التاريخ القديم:

ليس هناك تاريخ متفق عليه لبدء العلاقات التجارية بين الموانئ اليمن القديم والموانئ الهندية، إلِّا أنه من المحتمل أنها بدأت في الوقت الذي بدأت فيه العلاقات التجارية مع بلاد الرافدين وسكان بلاد السند، وبهذا فقد كان لبلاد اليمن القديم علاقات تجارية واسعة مع الهند، وقد جاءت هذه العلاقات من خلال ذهاب تجار اليمن القديم الذين كانت سفنهم تعبر المحيط الهندي في أوقات معينة من السنة.

حيث كانت الرحلات البحرية بين اليمن والهند تتم في بداية أمرها بالإبحار قرب السواحل، واستمرت الأمور على ذلك الحال إلى أن تمكن عرب جنوب الجزيرة اليمنيون القدماء في فترة زمنية ما غير معروفة من اكتشاف سِر الملاحة البحرية عن طريق الرياح الموسمية في المحيط الهندي، مما دفعهم إلى استغلال هذا الحدث الملاحي وركوب البحر بين الجانبين عبر المحيط مباشرة.

وكانت الرحلات الموسمية في المحيط الهندي تستغل الرياح الجنوبية الغربية في فصل الصيف للذهاب إلى الهند، والرياح الشمالية الشرقية في فصل الشتاء للعودة منها، وهذا لا يعني بأن الرحلات بين الشاطئين قد اقتصرت على رحلة الصيف والشتاء فقط بل إنها كانا ممكنة طوال العام، وذلك بقطع الرحلة كلها بمحاذاة الساحل مستفيدة من تلك "الأسكال" المنتشرة على طوال سواحل المحيط الهندي والتي شكلت محطات لرسوا السفن والإقلاع منها بكل يسر وسهولة.

ويبدو أن عرب جنوب الجزيرة العربية "اليمنيون القدماء" قد انفردوا دون غيرهم في تجارة الهند بل وصل الأمر بعدم إشراك غيرهم بالملاحة والتجارة في غرب المحيط الهندي، حيث كانت بضائع الهند المصدرة غربا تنقل بواسطة سفن عرب الجنوب، لكون الهنود قد فضلوا تركيز تجارتهم الملاحية نحو القسم الشرقي من المحيط الهندي وبالذات نحو بلدان الشرق الأقصى ذهاباً وإياباً، ويعود السبب في ذلك ربما لعدم وجود المنافسين الأقوياء هناك، والاكتفاء بتلك الأرباح الطائلة من تلك البضائع التي يبيعوها على عرب جنوب الجزيرة العربية "اليمنيون القدماء"، ويبدو أن السيادة العربية في القسم الغربي من المحيط الهندي هي التي أكسبته فيما بعد تسميته ببحر العرب، الذي يعرف بها حتى يومنا هذا.

وبما أن الهند كانت لها منتوجات ومصنوعات يحتاج لها سكان العالم القديم كالمصريين والآشوريين والفينيقيين واليونانيين والرومانيين والعرب، فما كان من عرب جنوب الجزيرة العربية "اليمنيون القدماء" قد تكفلوا بنقل هذه السلع الهندية واحتكارها على سفنهم الشراعية بمساعدة الرياح الموسمية التي عرفوا أسرارها دون غيرهم.

ويبدو أن تجارة البخور والتي تأتي على قائمة السلع الهندية التي احتكرها عرب جنوب الجزيرة "اليمنيون القدماء" قد ساهمت بدور مهم في انتعاش العلاقات التجارية بين موانئ اليمن القديم بما فيها (قنأ، عدن، موزع) وموانئ الهند.

ومن المعلوم أن "اليمنيون القدماء" قد لعبوا دور الوسيط التجاري بين شعوب الشرق والغرب بحكم موقعهم، مما جعلهم همزة وصل للتواصل بين مراكز حضارات العالم القديم (المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط)، وغدا التبادل التجاري بين مناطقهما المختلفة بمثابة عصب التجارة الدولية في حينه، خصوصا وقد مثلت بلدان المحيط الهندي منطقة الإنتاج الأولى، حيث كان اليمنيين يجمعون سلع الهند من البخور "اللبان" وتوابل وبهارات وقطن وغيرها من السلع ويضيفون إليها ما تنتجه بلادهم من بخور (اللبان، والمر، والصبر) وعطور ومنسوجات وغيرها، ثم يقومون بنقلها إلى مختلف دول العالم القديم عبر طرق برية وبحرية، وكانت موانئ اليمن بمثابة مخازن ومستودعات للمنتجات المستوردة من الهند، بينما مثلت بلدان البحر الأبيض المتوسط المنطقة الأولى للاستهلاك.

لقد كانت معظم الموانئ العربية المنتشرة على طول السواحل المحيطة بشبة الجزيرة العربية تعد نقاط انطلاق الرحلات البحرية باتجاه السواحل الهندية وكان من أهم هذه الطرق: طريق يبدأ من ميناء "لويكا كوما " وهو ميناء الأنباط شمال البحر الأحمر متجهاً جنوباً نحو ساحل الجزيرة الغربي وماراً بموانئ "أجرا" وهو الميناء الرئيسي لدولة "لحيان"، ثم ميناء "موزا" "أكليس" جنوب غرب الجزيرة العربية، ومن ثَّم إلى ميناء عدن في أقصى الجنوب الغربي مروراً بميناء قنا ورأس فرتك سمهرم "خو روري"، ومنه تتجه السفن الشراعية إلى شواطئ الهند الغربية.

وكانت الموانئ اليمنية قد تعاملت بشكل مباشر مع موانئ السواحل الهندية أهمها:

أ- ميناء بريجازا:

يُعَّد هذا الميناء من أهم الموانئ الهندية الواقعة على الساحل الجنوبي الغربي للهند في حوض نهر "تريدا" حيث كان هذا الميناء مركزاً تجارياً تقصده سفن العالم القديم، وكانت تنطلق من ميناء موزع وعدن بالذات رحلات منتظمة للسفن اليمنية إلى ميناء "بريجازا"، وكان الهنود يبعثون من هذا الميناء بسلعهم ومنها السكر إلى موانئ المحيط الهندي العربية والإفريقية.

ب- ميناء بربريكم:

يقع هذا الميناء على حوض نهر السند وهو من الموانئ المهمة في سواحل الهند الشرقية كونه كان ميناءاً وسوقاً تجتمع فيه المنتجات الهندية المختلفة، وكانت سفن اليمن القديم تقصده لتأخذ حاجتها من سلع هذا الميناء.

ج- ميناء موزريس:

يقع هذا الميناء على ساحل الماليبار في الجنوب الغربي لشبه جزيرة الهند، وهو من الموانئ التجارية الهندية الشهير بتصدير سلعة الفلفل، وكان التجار اليمنيون قد قصدوا هذا الميناء للحصول على سلعة الفلفل. هذه المكانة التجارية التي حظيت بها اليمن القديم قد جعلها محل أنظار وأطماع القوى الكبرى في العالم القديم، بما فيهم اليونان والرومان والفرس.

حيث حاول الرومان منذ وقت مبكر السيطرة على اليمن القديم وكسر احتكارها التجاري، واتضح ذلك عندما حاولوا غزو اليمن القديم عام ٢٤ قبل الميلاد بقيادة "إليوس جاليوس"، والتي باءت تلك المحاولة بالفشل وهلك معظم جيش الرومان في صحاري اليمن القديم. ولم يوقفوا عند هذا الحد بل حاولوا مرارا حتى تمكنوا أخيراً من الوصول إلى الهند وكسر الاحتكار اليمني لتجارة البخور العالمية.

رغم نجاح الرومان في القيام برحلات تجارية بحرية مباشرة من مصر إلى الهند، وكسر ذلك التقليد والاحتكار المتعارف علية في سير الملاحة البحرية عبر البحر الأحمر، بعد اكتشاف البحار الروماني "هيبالوس" سِر اتجاهات الرياح الموسمية في المحيط الهندي وبحر العرب، وتحقيق الآمال المنشودة للرومان واليونان في خلق الاتصال المباشر بين بلادهم وبلاد الهند دون وسيط تجاري، إلِّا أن هذا الاكتشاف لم يؤثر كثيراً على الموانئ اليمنية القديمة، حيث ظل القسم الأعظم من التجارة الهندية مرتبطاً كالسابق بتجار عرب جنوب الجزيرة العربية "اليمنيون القدماء"، ويعود السبب في ذلك إلى الآتي:

السبب الأول: سيطرتهم المباشرة على البحر العربي وباب المندب والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر.

السبب الثاني: صعوبات الملاحة التي واجهت السفن الرومانية في رحلاتهما التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن ذي الشعاب المرجانية.

ويبدو أن هذه الأسباب مجتمعة وقفت عائقاً أمام استمرار التجارة الرومانية البحرية مع الهند طويلاً، إذ سرعان ما انكمشت وعادت كما كانت في السابق إلى الارتباط الوثيق بموانئ السواحل الجنوبية لعرب جنوب الجزيرة العربية "اليمن القديم".

المحور الثاني: أهم السلع التجارية الهندية:

استأثر عرب الجنوب "اليمنيون القدماء" منذ مطلع الألف الأول قبل الميلاد بنصيب كبير من حركة التجارة العالمية بما فيها تجارة الهند وتحكموا بشبكة مهمة من مسالكها البحرية والبرية، وأصبحت ممالك اليمن القديم (سبأ، حضرموت، معين ، قتبان، أوسان، حمير) منذ تلك العصور نواة لدول تجارية واسعة، ولم تقْتَصر تجارة عرب الجنوب "اليمن القديم" على تصدير منتجاتهم المقدسة المرغوبة لدى العالم القديم فحسب، بل أضافوا إليها ما كانت سفنهم تجلبه من سلع أو يصل إليهم من البضائع المستوردة من الهند بالذات، وتأتي في مقدمتها اللبان والتوابل تلك السلع التي سحرت بألوانها المتعددة وروائحها القوية ومذاقها الشهي عقول اليونان والرومان والفراعنة.

هذه المكانة التي تميزت بها اليمن في سيطرتها واحتكارها تجارة الهند قد منحها شهرة عالمية ذائعة، وقد انعكس ذلك الاهتمام بوضوح في كتب المؤرخين الكلاسيكيين من اليونان والرومان منهم  صاحب كتاب الطواف حول البحر الاريتري "بريبيلوس" الذي تحدث بإسهاب حول حجم التجارة الهندية في الموانئ اليمنية، حيث أشار بشكل واضح إلى أن السفن التجارية القادمة من الهند لا تبْحر مباشرة إلى مصر، وكذلك السفن التي تأتي من مصر لا تجرؤ على الإبحار إلى الهند مباشرة، ولكنها تصل إلى ميناء عدن، وبهذا كانت تستلم البضائع من كلي الجانبيين.

أهم السلع الهندية التي احتكرها تجار عرب جنوب الجزيرة العربية "اليمن القديم":

١- اللبان:

يُعَّد اللبان عماد التجارة لعرب جنوب الجزيرة العربية "اليمن القديم" من أهَّم وأثمن صادراتهم حيث كان مطلوباً ومرغوباً لدى كل شعوب العالم القديم لما له من أهمية دينية ودنيوية، فقد كان استخدامه أساسياً في المعابد عند تقديم القرابين للآلهة، وأثناء المراسيم الجنائزية، وفي عملية تحنيط الموتى، وفي الحفلات العامة وفي الحياة اليومية وفي تركيب العقاقير الطبية، وفي أغراض الزينة والتجميل، وصناعة العطور.

ولم تكن سلعة اللبان التي تصدر إلى العالم الخارجي قاصرة على المنتج المحلي اليمني فقط، بل كانت موانئ اليمن القديم تستقبل سلع الهند وبالذات من Moundou "مندو" سلعة اللبان التي كانت تزرع في الهند.

يبدو أن عرب الجنوب قد جلبوا منتج اللبان من الهند، لكي يبقوا هم المتحكمين والمتنفذين بهذا المحصول النقدي، وعدم وقوعه تحت نفوذ تلك الشعوب التي ركبت البحر وكانت تحلم بالوصول إلى أرض إنتاج البخور والطيوب والتوابل "الهند".

٢- المر:

يأتي المر في المرتبة الثانية من حيث الأهمية في تجارة العالم القديم بعد اللبان، ويبدو أن سلعة المر كانت من السلع التي يصدرها ميناء عدن إلى العالم الخارجي حيث لم تكن قاصرة على ما تنتجه اليمن القديم فقط، بل إضافة إليها ما كان يصدر إليه من الهند.

وكانت هذه السلع تصدر عبر الطريق التي تحدثت عنها المصادر الكلاسيكية "طريق البخور"، حيث يخبرنا "ديودورس الصقلي" الذي عاش في القرن الرابع/ الثالث قبل الميلاد أن اللبان والمر كانا يأتيان إلى عدن، ثم ينقلان عبر طريق اللبان إلى مملكة الأنباط، ومنها ينقلان عبر البحر المتوسط إلى مصر، والى بلاد الشام.

٣- الطيوب والعطور:

تُعَّد من السلع المهمة التي تاجر بها عرب الجنوب ونقلوها إلى بلاد الشام ومصر واليونان والرومان، حيث كان اليمنيون وبالذات سكان عدن يحضرون المواد الخام العطرية من الهند ويتم تصنيعها ومن ثم يقومون بتصديرها إلى الهند مرة أخرى، وهذا يدل على براعة سكان عدن في صناعة الطيوب واحتكارهم لأسرارها.

٤- الأقمشة والمنسوجات الحريرية:

كانت الأقمشة والمنسوجات الحريرية من أهم السلع التجارية الهندية التي نقلت إلى جانب البخور عبر طريق البخور إلى دول البحر المتوسط.

5- القرفة:

تُعَّد القرفة من أهم السلع التجارية المستوردة من الهند وسيلان، وتاجر بها عرب الجنوب وكانت القرفة من أهم صادرات "مندوم" و "موسيلوم" و "أرميتون" إلى موانئ اليمن القديم والذي كانت بدورها تقوم بتصديرها من جديد إلى عالم حوض المتوسط بما فيهم اليونان والرومان.

6- الفلفل:

يُعَّد الفلفل من أهم سلع التوابل التجارية المهمة الواردة إلى مواني اليمن القديم، وقد اشتهرت بلاد المليبار الواقعة على الساحل الغربي من الهند بهذا المحصول النقدي، كذلك أيضا من مناطق إنتاجه الشهيرة ساحل التاميل، وتعد هذه المناطق من السواحل الجنوبية الغربية من الهند مثل "موزروي" و "باتيالا" أهم مناطق إنتاجه، وكان عرب الجنوب يطلقون عليها بلاد الفلفل.

وكان اليونان والرومان يستوردونه بكثرة عن طريق شرائه من عرب الجنوب، إذ كانت السفن الرومانية تأتي إلى عدن، وهناك يتم تبادل السلع وتشحن سفنهم بهذه السلعة، بالإضافة إلى سلع أخرى كانت تأتي من الهند إلى الموانئ اليمنية القديمة والتي لا تقل أهمية عن سابقتها تتمثل في النحاس وأخشاب الأبنوس، والأرز والقمح، وزيت السرج والدهن، والسكر والأواني الفخارية وغيرها.

المحور الثالث: أثر تجارة البخور على العلاقات التجارية اليمنية الهندية سياسياً ثقافياً واجتماعياً:

لم يكَّن دور اليمن مقتصراً على استيراد واحتكار عرض المنتجات والسلع الهندية فقط، بل حرص اليمنيون القدماء بكل ما بوسعهم لمنع وصول أي منافسين إليها، مما شجعهم على الاستيطان بها. كذلك كانت اليمن تمثل تجمعاً سياسياً وثقافياً واجتماعياً لكل مرتادي اليمن بما فيهم الهنود.

حيث كانت السفن التجارية الهندية التي تبحر إلى اليمن القديم بسبب الظروف الجوية قد تمكث أياماً وأشهراً في السواحل اليمنية مما يدفع البحارة الهنود إلى الاحتكاك المباشر باليمنيين، وهنا يحصل التلقيح الاجتماعي لاسيما في مجال الثقافة والعادات والتقاليد بين الجانبين.

أيضاً قد ترك الاحتكاك المباشر بين تجار اليمن القديم والهنود ونقل سلعهم عبر البحر والبر للمتاجرة بها جوانب مختلفة من النمو الثقافي والمعرفي والحضاري بين شعوب البلدين، حيث ترك أثره هذا في جوانب مختلفة مثل التشابه في المصطلحات الملاحية الواحدة، وكذلك تشابه صناعة السفن وتقليد كل منهما الطرف الآخر، كذلك تبادل الكثير من الكلمات بما فيها الهندية التي أخذت طريقها إلى اللغة العربية بشكل مباشر.

كما تمخض هذا التواصل التجاري مع الهند على الصعيد السياسي في استمرار تجار عرب جنوب الجزيرة العربية حتى نهاية القرن الثاني قبل الميلاد إلى جانب التجار الهنود في سيادة المحيط الهندي.

ويبدو أن أثر هذه العلاقات التي تمت بين الهند واليمن قد مثَّلت لهم الوسيط التجاري الأول تصديراً واستيراداً، خصوصا في الألف الأول قبل الميلاد، وتتضح تلك العلاقات السياسية بوضوح من خلال ذلك النقش المسندي الذي يعود إلى مطلع القرن الثالث الميلادي، أن الهنود كان لهم ممثلين دبلوماسيين في بلاط ممالك اليمن القديم  وبالذات مملكة حضرموت التي ارتبطت موانئها بشكل مباشر مع الهند، حيث تحدث ذلك النقش عن وجود مندوبين من جنسيات مختلفة حضروا حفل تنصيب الملك الحضرمي "إيل عز يلط"، وكان من ضمنهم هنديان هما: "دهرة وبندرة"، وهذا يعبر لنا عن أهمية مملكة حضرموت للتجارة الهندية وما حظيت بها من مكانة سياسية رفيعة عند الهنود.

كذلك أيضا تجسده هذه العلاقات بصور مختلفة فنية وثقافية وحضارية، حيث تَّم العثور على تمثال لراقصة هندية في ميناء سمهرم الحضرمي والذي يعود تاريخه إلى القرن الثاني الميلادي وهذا يعكس عمق هذه العلاقات بين الشعبين. كذلك أيضًا فقد كان من أثر هذه العلاقات أن تَّم جلب الكثير من أنواع النباتات الهندية إلى اليمن القديم وزراعتها.

الخاتمة:

ارتبطت اليمن القديم بعلاقات تجارية متميزة مع الهند، ونسجت شبكة من خطوط التواصل مع الموانئ الهندية، وأسهمت بشكل واضح في احتكار السلع الهندية التي تستوردها والتي تأتي إليها على ظهر السفن الهندية، والتي بدورها تقوم بنقلها براً وبحراً إلى مختلف شعوب وبلدان العالم القديم.

  • استأثر اليمنيون القدماء بنصيب كبير من السلع الهندية بما فيها البخور والتوابل وتحكموا بها، وهذه السلع كانت تحتل مكانة كبيرة في حركة التجارة العالمية في تلك العصور، وذلك لما لها من أهمية دينية ودنيوية كبرى لدى العديد من شعوب العالم القديم.
  • ساهمت تجارة البخور في قيام علاقات متميزة ومثمرة بين اليمن القديم والهند سياسياً واجتماعياً، مما انعكس ذلك إيجاباً على وجود العديد من التأثيرات الاجتماعية والتمثيل الدبلوماسي بين الشعبين.

القسـم الثـانـي

(الاسئـلة والمداخـلات)

أولاً: الأسئلة والإجابة عنها

د. عبد الله الذفيف:

احتكار اليمنيون القدماء لتجارة الهند وطريق البخور القديم.

لقد أدرك اليمنيون القدماء منذ زمن مبكر جداً أهمية موقع بلاهم التجاري، وما تتمتع به بلادهم من منتجات زراعية كان الطلب عليها كبيراً خلال ذلك العصر كالبخور واللبان والطيوب بأنواعها حيث كانت تستخدم في المعابد والطقوس الدينية وفي التحنيط، وكذلك في الأطعمة. وبذلك فإنهم استفادوا من هذه العوامل التي تميزت بها بلادهم بل وأجادوا استخدامها لصالحهم. وقد انعكس ذلك في ثرائهم وقوتهم ورقي حضارتهم.

فقد أقاموا صلات تجارية مع كثير من أقوام وبلدان الشرق القديم، واحتكروا تجارة الهند وجنوب آسيا وشرق أفريقيا. فقد كانت القوافل التجارية اليمنية تجوب تلك المناطق سواء إلى سوريا وفلسطين وبلاد اليونان وجزيرة "ديلوس قبرص" في الشمال، أو إلى بلاد الرافدين ومناطق الخليج العربي في الشرق، أو إلى مصر في الغرب.

كما أنهم احكموا سيطرتهم على الطرق التجارية البحرية بفضل خبرتهم البحرية ومعرفتهم بمواعيد هبوب الرياح الموسمية وتبدل اتجاهاتها بين الصيف والشتاء، وذلك للوصول إلى الهند والحبشة وشرق أفريقيا. حيث كانوا يأتون بالبضائع من الهند وشرق أفريقيا ثم تخزن هذه البضائع في الموانئ اليمنية ثم يعاد تصديرها مرة أخرى على أنها منتجات يمنية.

وبذلك كان الجزء الأكبر من التجارة العالمية في بلاد العرب خلال الألف الأول ق. م تحت سيطرة اليمنيون وخاصة السبئيين والمعينين، فقد كانوا يقيمون في كل محطة من المحطات التجارية في شمال الجزيرة العربية التي يمر بها الطريق التجاري حاميات من السبئيين أو المعينيين لحمايتها والإشراف عليها حتى تصل إلى وجهتها الأخيرة.

د. عوض الشعبي:

شكرًا دكتور عبد الله الذفيف على هذا المعلومات القيمة التي تعتبر إضافة نوعية لحلقتنا.

ا. د. عبد الله أبو الغيث:

شكرًا للدكتور عوض على هذا العرض ... وألفت انتباه الأعضاء الكرام أني سأشارك بالردود السريعة على بعض الاستفسارات بسبب انشغال الدكتور عوض. وعند تفرغه سيتولى استكمال الردود.

د. عوض الشعبي:

تسلم دكتور عبد الله حفظكم الله.

د. أحمد المصري:

شكرًا جزيلًا دكتور عوض على هذا العرض الرائع لمسار العلاقات اليمنية الهندية التجارية في العصر القديم.

هل تأسست جاليات تجارية في كلٍ من البلدين؟ وما المقصود بكلمة "الأسكال"؟

ا. د. عبد الله أبو الغيث:

تحكي المصادر الكلاسيكية عن وجود جاليات عربية في الموانئ القائمة على الساحل الغربي للهند. ولم تخبرنا النقوش عن جاليات هندية في اليمن، لكن وجيهين هنديين هما "دهرة وبندرة "حضرا حفل تنصيب أحد ملوك دولة حضرموت، ويرى البعض أنهما كانا يمثلان التجار الهنود أو أنهما سفيران للحفاظ على مصالح الهند الاقتصادية في اليمن.

أما "الأسكال" فحقيقة لا أدري المقصود بها، وربما قصد بها من خلال سياق الكلام الرؤوس البرية أو الخلجان التي تمتد في الساحل.

هناك طالب مسجل عندي رسالة ماجستير عن العلاقات اليمنية الهندية منذ العام 2015.. لكنه اختفى ولم يعد يتواصل معي ربما بسبب الظروف المادية. وكنت قد شجعته على ذلك بعد أن أعددت بحثًا في 2010 بعنوان "النشاط التجاري اليمني القديم وصلاته بالهند"، وقد وجدت أن هناك معلومات كثيرة يمكن للباحث تطوير البحث من خلالها وتوسيع معلوماته ليصبح رسالة.

د. عوض الشعبي:

تسلم دكتورنا الفاضل على حسن مشاركتك.

بالنسبة لمصطلح "الأسكال"، قصدت هذا المصطلح في حلقتنا وهو مأخوذ من أطروحتي التي تناولت فيها مملكة قرطاجة والتي قامت أساس على استيطان الفينيقيين على طول الساحل الغربي لشمال أفريقيا، وتحولت هذه "الأسكال" مع مرور الزمن إلى مرافئ بحرية ومن ثَّم إلى مستوطنات دائمة.

وهنا وجدت أن سواحل جنوب الجزيرة العربية قد وجدت فيها مرافئ بحرية ذات طابع جغرافي مميز ساعدها على ربط التواصل البحري مع الهند وشرق إفريقيا. وكما تفضل البروف أبو الغيث "الأسكال" تعني المرافئ البحرية.

د. أحمد المصري:

حسب معرفتي بأن رسالة الدكتوراه للزميل والأخ العزيز د. مجلي الرعيني تناولت موضوع العلاقات اليمنية الهندية في العصر القديم.

ا. د. عارف أحمد المخلافي:

"الأسكال" و "الإسكالات" هي المراكز التجارية، وقد عرفت في "كيليكيا" عندما أسس الآشوريون مستوطنات تجارية في آسيا الصغرى، كما عرفت في قرطاج عندما أسس القرطاجيون في بداية أمرهم اسكالات لممارسة نشاطهم التجاري مع ضمان الحماية للسكان المحليين ثم تأسست على أثرها قرطاجة.

د. عوض الشعبي:

فعلاً بروف عارف، وأنا اقتبستها من أطروحتي، جميل طرحك يحفظك الله.

ا. د. عارف أحمد المخلافي:

نعم هي كذلك، وقد كنت المحكم الخارجي لها بترشيح من جامعة علي جار، وهي رسالة ممتازة ومهمة وباللغة الإنجليزية.

ا. د. عبد الله أبو الغيث:

لم نكن نعلم عنها عند تسجيل الرسالة في 2015.

الاحتكار اليمني لتجارة الهند وطريق البخور القديم (2)

التعليقات (0)