الوجود اليمني القديم في الحبشة وشرق أفريقيا

مـنتـدى المـؤرخ الحـصـيف

سلسلة حلقات برنامج النقاش الرمضاني التاريخي

الحلقــة الثالثة

الوجود اليمني القديم في الحبشة وشرق أفريقيا

03 رمضان 1443هـ / 04 أبريل 2022م

رئيس الجلسة

د. خلدون هزاع

القســم الأول

التــقديم للحــلقة

تقديم رئيس الجلسة:

الدكتور د. خلدون هزاع

السلام وعليكم ورحمة الله ... حلقة اليوم عن الوجود اليمني في الحبشة والقرن الإفريقي. والتي تتضمن على ثلاثة محاور وهي كالآتي: -

  • المحور الأول: البدايات في عصور ما قبل التاريخ.
  • المحور الثاني: العصور التاريخية.

مقدمة الجلسة:

المحاور:

المحور الأول: البدايات في عصور ما قبل التاريخ:

منذ زمن مبكر بدأت الصلات بين اليمن والقرن الإفريقي عن طريق انتقال السكان عبر البحر مستفيدين من عدد من الجزر المتقاربة كمحطات توقف. وكانت تجارة الأدوات الحجرية من رؤوس السهام والمقاشط المصنوعة من أحجار "الأبسديان" هي السائدة.

وقد دلت الدراسات الأثرية على أن الصلات الحضارية بين السكان في الساحل اليمني والساحل الإفريقي كانت أكبر من الصلات بين سكان الساحل اليمني والداخل اليمني.

المحور الثاني: العصور التاريخية:

في الصور التاريخية برزت بشكل أوضح العلاقات اليمنية الحبشية منذ بدايات الألف الأول قبل الميلاد وتمثل ذاك في عدد من النقوش المدونة بخط المسند التي عثر عليها في "يحا" وغيرها من مناطق الحبشة – وإريتريا - وكتبت تلك النقوش بلغة أهل اليمن السامية مما يؤكد على أن الوجود اليمني خلال النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد حاضرا بقوة في مناطق القرن الإفريقي.

ويأتي الاكتشاف المذهل الذي حدث في عام 2019 م في الساحل الصومالي التابع لإقليم "بونتلاند" ليؤكد على اتساع مدى النشاط التجاري اليمني في القرن الإفريقي. إذ تَّم الكشف عن معبد يمني قديم يحتوي على عدد من النقوش المسندية المدونة بخط المحراث تتحدث صراحة عن مراكب سبأ. وكتابها هم من البحارة اليمنيين الذين كانوا يذهبون إلى هناك لجلب احتياجاتهم من النباتات التي كانت تدخل في صناعة البخور مثل اللبان وغيره. وقد دونت تلك النقوش في عهد المكرب السبئي يثع أمر وتر حوالي القرن الثامن قبل الميلاد.

وهناك نقوش صغيرة عثر عليها في إقليم "صومال لاند" لكنها ليست بأهمية النقوش المكتشفة في 2019 وقد تم نشْر دراسة علمية عن تلك النقوش في 2021 في دورية النقوش والآثار العربية. Arabian Archaeology and Epigraphy     

وعنوان الدراسة هو"Sabaeans on the Somali coast".

وفي القرون الميلادية الأولى تحولت العلاقة من تجارية إلى صراع عسكري وتعزز ذلك بعد التحالف الذي أقامه الملك "علهان نهفان" مع ملك أكسوم في نهاية القرن الثاني الميلادي والذي كان يهدف إلى القضاء على خصومه "الريدانيين" وشمَّل التحالف مملكة حضرموت.

مُنَذ ذلك الحين وجد الأحباش موطئ قدم لهم في السواحل اليمنية واستمرت تدخلاتهم في الصراع بين الملوك والأطراف اليمنية خلال النصف الأول من القرن الثالث وانتهى ذلك التدخل بعد ان هزمهم الملك الريداني "ياسر يهنعم" وطارد قواتهم حتى البحر حسب نقوش "المعسال".

ولم يعد للأحباش ذكر حتى عودتهم من جديد في حوالي 530 ميلادي أي عقب أحداث نجران المعروفة. وخلال فترة الاحتلال الحبشي لليمن برز بشكل كبير الملك أبرهة الذي استقل بحكم اليمن وكان من أبرز أعماله إعادة بناء سد مأرب القديم. أضف إلى ذلك الحروب التي خاضها ضد القبائل العربية الشمالية. ونشير هنا إلى أن العلاقات التجارية والاقتصادية بين اليمن ومناطق الساحل والداخل الإفريقي لم تتوقف عبر التاريخ ولا تزال مستمرة.

القسـم الثـانـي

(الاسئـلة والمداخـلات)

أولاً: الأسئلة والإجابة عنها

ا. د. عبد الله أبو الغيث:

شكرًا دكتور خلدون على هذا العرض ... وأنبه أن موضوع حلقتنا اليوم يقتصر فقط على النفوذ اليمني في الحبشة وشرق أفريقيا. أما التدخل العسكري الحبشي الأول والثاني في اليمن فليس اليوم موضع نقاشه، لكنه سيناقش في الحلقتين السادسة والثامنة؛ لذلك أرجو عدم التطرق له لا في الاستفسارات ولا في الإجابات. وكنت أود لو تعطينا دكتور لمحة عن النفوذ اليمني في سواحل إفريقيا المطلة على المحيط الهندي (تنزانيا وكينيا) الذي ارتبط بالأوسانيين ومن بعدهم القتبانيين والحميريين.

د. أحمد المصري:

شكرًا جزيلًا دكتور خلدون ... علاقة الساحل اليمني بشطره الإفريقي قديمة وموغلة في الزمن كما أشرت في حلقة اليوم.

هل توجد أي إشارة تؤكد انتساب قبيلة العفر الاريترية لليمن؟ فمن الملاحظ أن تقاسيم الشكل وكذلك طريقة تصفيف الشعر تشبه إلى حد كبير ما هو موجود في اليمن.

د. خلدون هزاع:

الاختلاط السكاني بين العناصر السامية والحامية لا يمكن تحديد بدايته فهو موغل في القدم. لذلك نجد أن على الساحل الإفريقي ملامح سامية واضحة في وجوه السكان. تختفي تلك الملامح كلما توجهنا غربًا. أيضًا على الساحل اليمني هناك أيضا ملامح حامية لبعض السكان. لكن التأثير السامي على السكان في شرق إفريقيا أكبر وأقوى وهو ما نلاحظه اليوم.

أما قبيلة "العفر" فهي تمثل جزء صغير للغاية من مناطق الانتشار السامي في شرق إفريقيا. إذ أن السواحل الإريترية مع الساحل الصومالي المواجه لليمن يمتد لأكثر من 1000 كيلو متر. وما اكتشف إلى اليوم لا يزال أقل بكثير من المتوقع اكتشافه على تلك السواحل.

د. صلاح القوسي:

شكرًا دكتور خلدون ... من المعروف تاريخيًا أن سكان مملكة أكسوم التي نشأت قبل الميلاد إنما كانوا من نازحي اليمن في عهد دولة سبأ وحمير، فهل هناك تحديد جغرافي يحدد موقع مملكة أكسوم؟ وما هي تسميتها اليوم؟؟

د. خلدون هزاع:

بالفعل هناك من يقول ان أصل تسمية الحبشة هو قبيلة حبشت التي نزحت من اليمن إلى الساحل الإفريقي. يظل ذلك رأي. وهناك رأي آخر لغوي يقول إن لفظة حبش تعني اللون الأسود والحبشة تعني السود والدليل على ذلك تسمية الأحجار السوداء بالحبش في اللهجة. ويمكن قياس ذلك بتسمية السودان عند العرب.

أما الحدود الجغرافية فهي غير معروفة بدقة لكن يمكن القول ان مناطق اريتريا وأجزاء من أثيوبيا وكذا جيبوتي وبعض الصومال كانت من ضمن مناطق مملكة أكسوم.

ا. د. عبد الله أبو الغيث:

وردت إشارة في كتاب دليل البحر الإريتري (القرن الثالث الميلادي) تسمى الساحل الأفريقي المطل على المحيط الهندي (في كينيا وتنزانيا حاليًا) بالساحل الأوساني، نسبة لدولة أوسان اليمنية القديمة، التي تَّم القضاء عليها في مطلع القرن السابع قبل الميلاد على يد المكرب السبئي "كرب إيل وتر". ما يعني أن الوجود الأوساني هناك يعود لفترة سابقة لسقوطها (على الأقل إلى القرن الثامن قبل الميلاد)، وهو ما يدل على ترسخ ذلك الوجود بدليل استمرار مسمى الساحل الأوساني لتلك المناطق إلى زمن تأليف كتاب الدليل المشار إليه، أي بعد قرابة ألف عام من سقوط الدولة الأوسانية.

وبعد أن آلت للدولة الحميرية السيطرة على منطقة ربطة (الساحل الأوساني في شرق أفريقيا) كانت تتحكم بها عبر ميناء "موزع" المطل على ساحل البحر الأحمر التابع لقيل المعافر، رغم سيطرتها على جزء من ساحل اليمن الجنوبي المطل على خليج عدن، الذي تقع فيه مدينة عدن الساحلية التي كانت تتبعهم خلال هذه الفترة. ولا تحدثنا المصادر المتوفرة عما آل إليه النفوذ اليمني في ربطة، وغالب الظن أنه استمر حتى سقوط الدولة الحميرية على يد الأحباش في مطلع القرن السادس الميلادي، وذلك لعدم وجود قوى سياسية معتبرة هناك يمكن أن تنافس الدول اليمنية القديمة التي تعاقبت على وراثة النفوذ في ذلك الساحل، وكان آخرها الدولة الحميرية.

استفسارات أرجو أن تتناولها يا دكتور خلدون:

  • ما تفسيرك لاقتصار المعبودات اليمنية التي عثر عليها في الحبشة على المعبودات السبئية (إلمقه، ذات حميم وذات بعدان، هوبس وعثتر) وعثتر يحضر هنا كمعبود سبئي رغم عبادته في كل الدول اليمنية القديمة؟
  • ما مدى جدية الرأي الذي يربط مسمى مدينة أكسوم (الذي أصبح اسمًا لدولة مترامية الأطراف اتخذت منها عاصمة لها) بمنطقة كسمه في ريمة؟
  • لماذا حرص الرومان بعد سيطرتهم على مصر على تشجيع الدولة الأكسومية لتمد نفوذها على كامل المنطقة الواقعة على الحدود الجنوبية لمصر والتي عرفت تاريخيًا باسم الحبشة، وحرصهم على دحر النفوذ اليمني هناك؟
  • ما مدى جدية ما يطرحه الأحباش من رفض للقول بأن الحضارة امتدت من اليمن إلى الحبشة؟ وتبنيهم لرأي آخر يقول إن ما حدث هو العكس، بمعنى امتداد الحضارة من الحبشة صوب اليمن؟
  • هل ارتبط القضاء على النفوذ السياسي اليمني في الحبشة مع قيام الدولة الأكسومية بالقضاء على حضورها الاقتصادي والديني والثقافي؟

د. خلدون هزاع:

الساحل الأوساني في كتاب الطواف حول البحر الإرتيري يجب ألا يتجاوز البحر الإرتيري وإذا استطعنا تحديد امتداد البحر الإرتيري سوف نتمكن من تحديد امتداد الساحل الأوساني. كذلك هناك أشكال معروف حول تاريخ الكتاب هناك من يقول القرن الأول وهناك من يقول القرن الثالث للميلاد ولكل طرف أدلة يستند إليها. وآخر معلومة حصلت عليها سوف تضيف تعقيد آخر للطرفين والمعلومة تقول إن الملك الحضرمي يدع إل الذي عاصر الملك نبط عم آخر ملوك قتبان كان اسمه (يدع إل لن إل عز يلط). وهذه المعلومة من نقش غير منشور للآن.

1- أيضًا الإله "اخختن" المذكور في نقوش الصومال المشورة أخيرًا. حتى الآن جميع نقوش الحبشة والصومال من المرحلة المبكرة - أي قبل القرن الخامس قبل الميلاد.

في تلك المرحلة كانت الهيمنة السبئية تمتد من مأرب وتتجه غربًا وجنوبًا حتى تتجاوز البحر لتصل إلى عمق القارة الإفريقية؛ لذلك من الطبيعي أن تكون الإله السبئي إل مقه في المقدمة أما الآلهة ذات حميم وذات بعدان فهي آلهة شعبية. وليست خاصة بدولة بعينها.

2- الربط بين أسماء الأماكن في حالات كثيرة يكون منافيًا للواقع و"للربيعي" باع كبير في مثَّلِ ذلك.

3- أرجو إعادة صياغة السؤال.

4- أيضًا ما يذكره بعض الأحباش ينصب في خانة التعصب وليس المعرفة القائمة على الحقائق الثابتة. ربما إن البعض كان يستغل عدم ذكر أسماء ملوك من اليمن في نقوش الحبشة ليدعي ذلك. لكن اليوم الأمر اختلف. لقد ذكرت بأن نقوش الساحل الصومالي تذكر بوضوح تام مراكب سبأ يعني أسطول سبأ وكان ذلك في عهد المكرب "يثع أمر وتر" أي القرن الثامن قبل الميلاد على أقل تقدير.

5- حتى هذه اللحظة أنا شخصيًا لست مع القول إن هناك نفوذ سياسي يمني في الحبشة. كل ما في الأمر هو علاقات تجارية واقتصادية نتج عنها تلاقح حضاري استفاد منه سكان تلك المناطق وأقاموا دولتهم مستفيدين من المعارف التي كانت تصلهم من التجار اليمنيين. كذلك الحضور الاقتصادي والثقافي لم يتوقف إلى اليوم. أما الديني فقد دخل كل بلد في مسار مختلف عن الآخر.

د. أمين الجبر:

شكرًا جزيلًا دكتور خلدون على العرض المتميز ... ذكرت في معرض حديثك (دلت الدراسات الأثرية على الصلات الحضارية بين السكان في الساحل اليمني والساحل الإفريقي كانت أكبر من الصلات بين سكان الساحل اليمني والداخل اليمني)، هل مثل هذا الاستنتاج يؤكد فرضية: ان المنطقتين كانتا متصلتين جغرافيَا قبل حدوث الانفصال أو ما شابه من مثل تلك الفرضيات التي قرئنا عنها في بعض أطروحات للعهد القيم.

د. خلدون هزاع:

موضوع الاتصال الجغرافي يقوله أصحاب الجغرافيا. أعتقد أن الأمر محسوم. لكن ما أقصده هو بعد حدوث انشقاق الأرض وتكون البحر الأحمر. لذلك ذكرت أن هناك جزر متقاربة ساعدت في انتقال الطرفين عن طريق القوارب الصغيرة منذ أقدم العصور.

د. عبد الودود مقْشَّر:

حيَّا الله أخي الدكتور خلدون، لدَّي تساؤلات عديدة منها هل نعتبر الدولة أو الإمبراطورية الحبشية هي أساسًا دولة يمنية قديمة أو لنقل سبئية قديمة وامتداد لها وإذا كان الجواب بنعم فهل هي الأصل أم الفرع؟

السؤال الثاني: نرى في حياتنا اليومية وفي عاداتنا وتقاليدنا وكثير من معتقداتنا الشعبية والدينية وتراثنا المعماري نحن سكان السواحل اليمنية الممتدة من جيزان وحلي بن يعقوب حتى صلالة أننا جزء من الساحل الإفريقي فهل تتوافق مع هذه الرؤية؟

هناك قبائل يمنية شهيرة انتقلت إلى شرق إفريقيا وتواصلت مع الكثير من باحثيها مثل عفار أو عفر ويسمون أيضا "الدناكل" نسبة إلى ملك حكمهم وهم من المعافر وكذلك قبائل العيسى من جهة كمران والصليف والحباب والرشايده والحسانية العجالية وهم عموماً ينتشرون في شرق إفريقيا جيبوتي إريتريا والسودان وأثيوبيا فمتى كان وصول هؤلاء إلى إفريقيا؟

هل صحيح ما قاله الإخباريين اليمنيين ان إفريقيا نسبة إلى "إفريقيس بن يعرب بن يشجب بن قحطان"؟

د. خلدون هزاع:

مما لا شك أن بداية تكون الدولة في الحبشة كان امتداد للدولة السبئية من حيث اللغة والثقافة؛ لكن لم نجْد اسم مكرب سبئي ضمن الحكام في أكسوم. كل ما لدينا هو لغة سبئية مختلطة مع بعض المصطلحات المحلية في أثيوبيا كتبت بخط سبئي مبكر وقواعد اللغة السبئية مع بعض الحالات الشاذة وهي قليلة؛ لذلك عند تصنيف النقوش الإثيوبية وضعت كفرع للنقوش السبئية المبكرة. أما موضوع السكان وفي الساحل الشرقي والغربي للبحر الأحمر فالعلاقات بينهم ممتدة طوال التاريخ.

بالنسبة "لأفريقيس" هذا الاسم في مخيلة الكتاب العرب فقط يتوافق مع أصحاب التاريخ الأسطوري.

د. رضوان الأهدل:

شكرًا دكتور خلدون على هذا العرض ... هل ما كان يسمى بالساحل الأوساني يُعدَّ امتدادًا للوجود اليمني في الحبشة؟ وهل كان للعلاقة بين اليمن والحبشة أثر في لفت الانتباه وإثارة مطامع الأحباش لغزو اليمن لاحقًا؟

د. خلدون هزاع:

سبق أن تحدثت عن ارتباط الساحل الأوساني بالبحر الإرتيري. أما المطامع فهي موجودة بلا شك.

ا. د. محمود قاسم الشعبي:

السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل هناك دراسات أكاديمية مرموقة قام بها يمنيون عن الحبشة وهم متخصصون ومحايدون ويجيدون تاريخ لغة الحبشة المعمول بها وماذا كانت استنتاجاتهم؟  كذلك ماذا تقول الدراسات الأوروبية عن الحبشة وعلاقاتها باليمن.

البروفيسورة الألمانية "ايريس جيرلاخ" خبيرة الآثار اليمنية ورئيسة مركز الدراسات الألمانية بصنعاء أفادت في محاضرة لها – حيث قمت باستضافتها في كلية الآداب قبل أكثر من عشر سنوات- أفادت أن خبراء التنقيب الآثاري الألمان في أثيوبيا وجدوا بعض الأدلة المشابهة مع ما هو موجود في اليمن وذكرت السيدة "جيرلاخ" أنها تعتقد ان بعض حكام سبأ ربما أنهم عبروا البحر إلى القرن الإفريقي ومدوا نفوذهم هناك. طبعا هي ذكرت ذلك بأنه من باب الاحتمالات.

د. خلدون هزاع:

حتى الآن يوجد القليل من الدراسات التي قام بها زملائنا في اليمن عن علاقات اليمن بالحبشة في مقدمتهم أستاذنا الفاضل أ.د عبد الله الشيبة. لكن موضوع إجادة اللغة الحبشية يجيب عنه الباحثين أنفسهم. مع الإشارة بان اللغة الحبشية اليوم تختلف عن القديمة.

أما الدراسات الأوربية فهي كثيرة معظمها تؤكد الصلات الحضارية بين اليمن والحبشة. مع الأخذ بملاحظة أن البحث الأثري غير مكتمل في اليمن كذلك في الحبشة وما جاورها والأيام القادمة سوف تكشف عن معطيات نجهلها اليوم.

لعل أهم الدراسات هي التي قامت بها "لمياء الخالدي" والتي تتبعت بالبحث الأثري المواقع الأثري من مناطق العدين إلى ساحل تهامة ثم إلى الساحل الإفريقي. وهي مختصة بعصور ما قبل التاريخ.

ا. د. محمود قاسم الشعبي:

أعتقد إلى حد التأكيد بان الألمان الذين عملوا في اليمن - فريق ايريس جيرلاخ - وفي الحبشة الفريق المقابل - لديهم دراسات متقدمة جدًا ومنشورة في مجلات علمية مرموقة خول هذا الموضوع ولكنها منشورة باللغة الألمانية والانجليزية والايطالية. وللأسف القليل من أصحابنا من يجيدون تلك اللغات والجهات المعنية لا تريد تموين فريق متخصص يقوم بترجمة تلك البحوث.

د. خلدون هزاع:

الدراسات لا تقتصر على الألمان فقط.  هناك الكثير ممن عملوا في أثيوبيا وإريتريا ونشروا أعمالهم بلغات مختلفة، وبالطبع المواقع الأثرية محدودة للغاية في الحبشة.

الآن لدينا الصومال وهناك مؤشرات قوية أكدتها البعثات العلمية عن تواجد كبير للسبئيين في الصومال. الدراسات لا تزال في بدايتها. والمستقبل واعد في حال وجود استقرار سياسي في الصومال وأثيوبيا واريتريا.

د. نزار غانم السوماني:

ما صلة إريتريا المحصورة في بحر القلزم بساحل أزانيا المطل على محيط الهند؟ هل تعرضت "لمياء" للاتصال الجيني المبكر بين سكان الضفتين؟

د. خلدون هزاع:

إريتريا هي البوابة لما بعدها.

ا. د. محمود قاسم الشعبي:

نعم. إنه استفسار مستحق ومشروع في ألفين عام الماضية متى كان يوجد دولة إريترية غير العصر الاستعماري الإيطالي ومثلها جيبوتي والصومال في خمسمائة عام الأخيرة.

د. خلدون هزاع:

عدم وجود دولة باسم إريتريا لا يلغي وجودها الجغرافي. كذلك جيبوتي والصومال.

ا. د. محمود قاسم الشعبي:

لقد كانت تحت السيادة الحبشية (الإثيوبية) بل كانت جزء من تلك الدولة.

د. نزار غانم السوماني:

هل وقفتم على أبحاث ما قبل التاريخ التي تؤكد الخليط الجيني ليميني الساحل بالمجموعة الجينية التي على الضفة الإفريقية التي أكتشف فيها الإنسان العاقل homo sapien. الطبيب "على الميري" زميلي بطب صنعاء قال إن أول مخلوقات من هذا النوع من البشري عبرت من اليمن لإفريقيا قبل زهاء ١٠٠ ألف سنة لأنه قبل ذلك كانت توجد أنماط شبه بشرية أهمها الإنسان المنتصب. homo erectus

هل تتكرمون علينا بأصل بحث د. لمياء الخالدي فضلًا.

د. خلدون هزاع:

الخليط الجيني لا يحتاج إلى تأكيد لأنه واضح في أشكال البشر. حاضر سوف أنزلها هنا للجميع.

ا. د. محمود قاسم الشعبي:

العكس صحيح بروف. الجنس البشري الأول عبر باب المندب إلى اليمن وقد تَّم نشر ذلك في "BBC" بعدة حلقات مصورة ومتصورة لأول ظهور للجنس البشري وتحركاته إلى العالم. وغير ذلك يأتي من باب المبالغات القومية.

د. نزار غانم السوماني:

الزميل "الميري" وجد مساندة لأطروحاته هذه من مركز يمني أهلي للدراسات التاريخية بصنعاء لكن حينما رجعت لورقته العلمية بالنت لم أجْد فيها مثل هذه الدعوى وأعتقد أن الاستيطان البشري في جنوب جزيرة العرب أحدث من ذلك الذي في "أرض العفر" وقد زرت شخصًيا متحف "جثمان لوسي" في أديس أبابا. وبكوني طبيب أفكر أيضا بدلالة الجينات، هناك مراجعات منهجية كبرى الآن بالنسبة لمفهوم العرق والأثنية والقومية ليتم تبسطوها لنا انثروبولوجيا. نحتاج

sapeans on the Somali coast please

ا. د. محمود قاسم الشعبي:

بروف نزار. أنا حضرت تلك المحاضرة للدكتور الرائع "الميري" مع الدكتور "العودي" و "عبد الرحمن العلفي" قبل عشر سنوات أو يزيد في مركز منارات للدراسات التاريخية أمام وزارة المالية في صنعاء ولا بد أنه يوجد صورة من المحاضرة في أرشيف المركز؛ ولكن المادة التي تَّم عرضها كان يغلب عليها العامل القومي والجيني الغير مسنود علميًا من قبل باحثين غيرهم وليس فيها من التاريخ ما يدعم دلك ولا من الأنثروبولوجيا رغم احترامنا الكبير للدكتور "الميري".

أبحاث قناة الـ "BBC " تقول إن أول وجود للعنصر البشري في المنطقة التي منها تنزانيا وكينيا وما حولها وليس إريتريا.

د. نزار غانم السوماني:

لاحظوا تزامن النفوذ اليمني الثقافي بأنواعه على الشط الإفريقي من الشمال إلى الجنوب: "حضارة يحا" خمسمائة قبل الميلاد في بلاد التجراي بأثر سبأ، حضارة الصومال ستمائة قبل الميلاد بأثر سبأ ومكربها "أل وتر"، ثم حضارة أزانيا اعتمادا على تعريف البحرين الإريتري والأوساني أيضًا ستمائة قبل الميلاد بأثر أوساني يليه قتباني يليه حميري. هل يمكن أن نطمئن إلى مثل هذا الاستنتاج الذي يحتاج بدوره للتنقيح الاحترافي والاغناء بالسبب الذي دفع الكتلة السكانية اليمنية لهذا النزوح وربط ذلك بمستوى التقدم التجاري المتبادل عبر البحر في تلك الحقبة، أرجو تصويب الكلام.

ا. د. عبد الله أبو الغيث:

من وصل إلى السواحل البعيدة للمحيط الهندي في الهند لن يكون غريب أو صعب عليه الوصول إلى ما هو أقرب منها في شرق أفريقيا.

أنت يا دكتور تتحدث عن مصطلح الهيمنة السبئية في الحبشة وترفض مصطلح النفوذ السبئي، ولا أدري أيهما الأبعد تعبيرًا عن الوضع من وجهة نظرك؟

أما زمن كتاب دليل البحر الإرتيري فقد أوضح الدكتور يوسف عبد الله بأدلة واضحة أن تأليفه تم في أواخر القرن الثالث الميلادي، لأنه ببساطة لا يمكن لكتاب كتب في القرن الأول قبل الميلاد أن يذكر أحداثا حدثت بعد تأليفه بثلاثة قرون، أما ذكره لأحداث حدثت في وقت سابق لتأليف الكتاب فأمر طبيعي.

د. خليل القاضي:

مشكور أستاذي على هذا العرض العلمي الرائع ... هل يمكن اعتبار التجارة هي السبب الرئيس لهجرة بعض القبائل اليمنية القديمة وخاصة السبئية- والتي تمارس مهنة التجارة - في تأسيس أول دولة في شمال شرق إفريقيا.

د. عبد الرب الصنوي:

أظن أنه يتوجب على أهل الشأن في السلطة تشجيع الدراسات العلمية لمعرفة خصائص الأشجار أو النباتات المختلفة ولاسيما مثل هذه الأشجار التي كانت تمثل موردا اقتصاديًا مهما للدول اليمنية القديمة. ربما فقدت بعض هذه الأشجار أو النباتات أهميتها فيما يرتبط بطبيعة استخداماتها قديمًا، ولكن من خلال دراسة خصائصها بصورة شاملة ربما يتم الكشف عن خصائص لم تكن معروفة يمكن استخدامها في أغراض جديدة.

أقول هذا من خلال ما صادفت في منطقتي من وجود بعض الأجانب قبل عدة سنوات وهم يبحثون عن أنواع معينة من الأشجار ويدفعون فيها مبالغ كبيرة بالعملة (الصعبة بالمناسبة)، وشجعوا بعض الناس على التوسع في زراعة تلك الأشجار وأنهم على استعداد للشراء منهم، حيث كنت أمر بجانبها ولا أعرف حتى اسمها. أظن إلى درجة تشبه اليقين؛ أنه لو وُجٍد توجه للاهتمام بدراسة خصائص الأشجار في هذا البلد المبارك لربما تصبح موردًا كبيرًا من موارد الخزانة فيه.

هناك على سبيل المثال شجرة أو نبتة من المتسلقات لها فوائد طبية كبيرة تغني عن إجراء عمليات جراحية مثل الغدة الدرقية، وأقول هذا أيضًا أن أحد أصدقائي في صنعاء كان في المتحف الحربي أُصيب بهذه الغدة ولم يفده العلاج الذي قرر معه الأطباء إجراء عملية لإزالة الغدد ولكن العملية تتطلب ضبط النبض والضغط، وهو ما لم ينضبط وظل شهرين في المستشفى. وحينها أرسلت له أمه بأوراق شجرة تسمى (عصلف أو صعلف) وحين استخدمها تمكن في تلك الليلة أن ينام وبعد فترة شفي تمامًا. وهناك روايات عن فائدتها لأمراض أخرى، ولها تسميات أخرى أيضا في مناطق اليمن.

أرجو المعذرة للإسهاب.  حيث أردت ان أبين أهمية اللبان والمر والصبر وغيرها فيما يوجد من نباتات في هذه البلاد ان تمت دراستها دراسة علمية، وكيف تمت الاستفادة قديمًا فيما تنتجه الأرض بما يعود بفائدة اقتصادية كبيرة للدخل؛ ولكن للأسف لم يحظً هذا الوطن بحكم رشيد بعد يستفيد من تاريخ أجداده وحسن إدارتهم.

د. نعمان العزعزي:

شكرًا جزيلا للأخ الدكتور خلدون عن العرض العلمي الموجز والرائع عن علاقة اليمن بالحبشة. ويمكن القول إن موقع اليمن الاستراتيجي حتم على اليمنيين القدماء عبر تاريخهم الانفتاح تجاريا على ثلاثة اتجاهات.

الأول" شمالاً: برًا إلى وسط وشمال الجزيرة العربية عبر طريق البخور وبرز فيه الدور السبئي والمعيني.

الثاني: شرقًا: بحرًا إلى عالم المحيط الهندي وبرز فيه دور حضرموت.

الثالث: غربًا: بحرًا إلى القرن الأفريقي (الحبشة) عبر باب العبور (المندب).

وبالنظر إلى هذه الاتجاهات نجد أن أقدمها وأسهلها وأقربها هو الانفتاح غربًا عبر مضيق باب المندب الذي يعتقد أنه كان له شرف انتقال الإنسان الأول عبره. والحديث عن بوابة العبور (المندب) يقتضي ذكر العلاقة ما بين الشاطئين الشرقي والغربي كما يقتضي الحديث عن أهمية الزاوية الجنوبية الغربية لليمن والجزيرة العربية (المعافر) التي تمثل أقرب نقطة أسيوية لأقرب نقطة أفريقية.

هذه المنطقة الاستراتيجية يبدو أن أبناءها ساهموا في نقل معطيات الحضارة اليمنية من الساحل الشرقي للمندب إلى القرن الأفريقي (الحبشة).

كما كانت المعافر أيضا الساحة الأولى لتصفية الحسابات العسكرية بين الدولة اليمنية والطموحات الحبشية الطامعة في السيطرة على اليمن والمدعومة من بيزنطة.

وتكمن أهمية العلاقة بين اليمن والحبشة في أنها تعد أقدم العلاقات الخارجية البحرية لسكان جنوب الجزيرة العربية فمن خلالها يمكن تتبع علاقة اليمنيين بباب المندب وبجنوب البحر الأحمر ولعل أن البدايات الأولى لركوب اليمنيين البحر كان من الساحل الشرقي لباب المندب إلى الساحل الغربي له.

د. خلدون هزاع:

كتاب الطواف يذكر اسم الملك إل عز يلط. لذلك استدل أستاذنا المرحوم يوسف عبد الله بأنه من القرن الثالث وهو استدلال صحيح. ما لدينا الآن هو ان هناك أكثر من ملك حضرمي حمل الاسم إل عز يلط آخرهم في القرن الثالث. فمن هو المقصود في كتاب الطواف.

ا. د. محمود قاسم الشعبي:

الاسم عزيلط هل يقول لكم أي تفسير، هل الاسم عربي أم عبري؟

د. خلدون هزاع:

"إل عز يلط"، وليس العزيلط، أو عزيلط.

أ. محمد عطبوش:

يبدو لي معنى اسمه هكذا: إيل، الإله السامي، العز معروف "يلط" بمعنى "الالتصاق". فمعنى اسمه ربما: عزّة إيل الدائمة. هل هناك تأصيل للاسم؟

د. سامي الوزير:

معنى السامي مأخوذ باللغة العربية من العلو والسمو والرفعة كما في معاجم اللغة العربية.

أ. محمد عطبوش:

ساميّ أقصد إله الشعوب الساميّة، وليس السموّ.

د. سامي الوزير:

نعم. معروف والمعنى للاسم سواء لإله قديم أو لبشر هو نفس المعنى باللغة العربية.

أريد أيضًا إن أثير نقاشًا هل يمكن إن نعتبر مملكة أكسوم ببلاد الحبشة إثيوبيا وإرتيريا حاليا امتدادا حضاريا طبيعيا للدولة اليمنية القديمة في القرن الإفريقي قديمًا.

حتى في مطار "أديس أبابا" مرفوع لافتة مكتوب عليها أهلا بكم في أرض الملكة بلقيس كما أخبرنا أستاذنا الدكتور/ عبد الله حسن الشيبه؛ مما يدل على الامتداد الحضاري للدولة اليمنية القديمة في القرن الإفريقي قديمًا.

ا. د. محمود قاسم الشعبي:

الإثيوبيون يعتبرون باعتقاد راسخ أن الملكة بلقيس ملكتهم وليس ان حكم ملوك اليمن قد امتَّد إلى هناك.

د. عبد الودود مقْشَّر:

بل هذا موجود في دستورهم أيام الإمبراطور "هيلاسيلاسي" وأن العائلة الإمبراطورية هي امتداد للزواج المقدس بين سليمان وبلقيس.

ا. د. محمود قاسم الشعبي:

الحبشة تقول بقناعة أن بلقيس ملكتهم ولكن ليس لديهم دليل قاطع يثبت دلك.

وأهل اليمن أيضا ليس لديهم دليل قاطع ينفي على الحبشة ذلك، والسعودية تقول إن "نجران وجيزان وعسير" أرضهم وان الحكومات السابقة باعت لهم ذلك، ونحن نقول إن حكومات اليمن المتعددة أخذت مرتباتنا وحسب المثل المصري فقد ضاعت حقوق اليمنيين تحت "بالرجلين".

د. علي بركات:

في تقديري ليست المسألة فقط امتداد حضاري للأحباش وتأثير، وتأثر بقدر ما هو اعتقاد معزز في الدستور الإثيوبي إن أصل مملكة بلقيس هي الحبشة وأنها ملكة حبشية وإن كونها في اليمن نظرية في سياق النظريات وعززت ذلك الجامعات الإسرائيلية التي تقاربت مع الجامعات الإفريقية وباعتبارها من حاملي العهد القديم.

ا. د. محمود قاسم الشعبي:

أحسنتم يا بروف علي بركات هدا هو الكلام الذي نسمعه عن الحبشة وموقفها من ملكة سبأ.

ا. د. عبدا لله أبو الغيث:

القصة بالنسبة لملكة سبأ لدى الأحباش ليست نقوش، فلم يتم نشْر أي نقوش من تلك التي يتحدثون عنها؛ لكن الأمر بالنسبة لهم أن ملكة سبأ ليست شخصية تاريخية فقط كما هي عندنا في اليمن، لكنها بالنسبة لهم شخصية اجتماعية.

فالطبقات العليا في المجتمع الحبشي تدعي تواصل نسبها إلى "منليك" ابن ملكة سبأ من نبي الله سليمان، وهم بذلك يحتكرون معظم المناصب الاجتماعية والسياسية في المجتمع الحبشي، لذلك سيقاتلون دفاعًا عن حبشية الملكة حتى وإن لم تكن كذلك دفاعًا عن مصالحهم المتوارثة التي يصعب عليهم التفريط فيها بالقول إن الملكة ليست حبشية.

د. عبد الفتاح قاسم الشعيبي:

بالفعل. هذا هو عين الصواب لديهم، وهو الأمر الذي أكده لي شفاهاً أحد أساتذة التاريخ القديم أثناء زيارتي القصيرة للعاصمة "أديس أبابا" قبل اثنا عشر عامًا تقريباً، ويذكر أن هناك نقوش وآثار مازالت شاهده على أن الملكة بلقيس هي ملكة حبشية، ولدينا أحد الأساتذة في قسم التاريخ بجامعة عدن وينتمي بأصوله إلى تلك المملكة ودائماً يتطرق إلى تلك الآراء ويعزز ذلك بنقوش من تلك المملكة.

كلمة الختام

كلمة الختام: مدير الجلسة.

د. خلدون هزاع:

وختامًا أتقدم بالشكر الجزيل للجميع لمشاركتهم في الحلقة النقاشية.

مع عظيم تقديري للجميع

التعليقات (0)