منافسة البطالمة لليمن في تجارة البحر الأحمر والمحيط الهندي

مـنتـدى المـؤرخ الحـصـيف

سلسلة حلقات برنامج النقاش الرمضاني التاريخي

الحلقــة الرابعة

منافسة البطالمة لليمن في تجارة البحر الأحمر والمحيط الهندي

04 رمضان 1443هـ / 05 أبريل 2022م

رئيس الجلسة

أ. صفية الدبعي

القســم الأول

التــقديم للحــلقة

تقديم رئيس الجلسة

أ. صفية الدبعي

السَّلام عليكم ورحمة الله ... حلقة اليوم بعنوان " منافسة البطالمة لليمن في تجارة البحر الأحمر والمحيط الهندي".

الملخص:

تاجر اليمنيون القدماء بالبخور والمر والورس والقرفة والصمغ وغيرها مما كانوا ينتجونه في بلادهم كما تاجروا بمنتجات كانوا يجلبونها من الهند وشمال شرق إفريقيا وكانوا سادة القوافل التجارية البرية وسيطروا على تجارة البخور، وقاموا بدور مهم في التجارة بين الشرق والغرب في التاريخ القديم وانعكس ذلك على مجمل نواحي حياتهم في تطور دولهم وإنشاء حواضرها على الطرق التجارية وعيشهم في رغد من العيش. وأدرت تلك التجارة عليهم ثروة بالغ في تقديرها الكتاب الكلاسيكيون ووصلت إلى مسامع حكامهم وآثار ذلك رغبتهم في السيطرة على مناطق إنتاج تلك السلع. لكن كل ذلك تغير بعد ظهور منافسة البطالمة لهم.

والبطالمة هم الأسرة الملكية من أصل مقدوني حكمت مصر بعد الإسكندر الأكبر في الحقبة ما بين ٣٢٣ ق.م إلى ٣٠ ق.م وقد عرفوا بهذا الاسم لأن أغلب ملوكها حملوا اسم أو لقب مثل بطليموس الأول "ابن لاجوس" رفيق الإسكندر الكبير مؤسس تلك الأسرة وقد بلغ عددهم خمسة عشر ملكًا كان آخرهم الملكة كليوباترا السابعة. وقد حكم البطالمة مصر وما تبعها من أقاليم بوصفها تابعة لهم ورثوها عن الإسكندر المقدوني.

وكان بطالمة مصر أنشط من السلوقيين في الاهتمام بالتجارة البحرية والاستفادة من البحر الأحمر وأرادوا كسر احتكار العرب الجنوبيين وعرب الأنباط للتجارة البرية عبر جزيرة العرب. فوجهوا أنظارهم نحو البحار الجنوبية وأرسلوا البعثات الاستكشافية لدراسة أحوال البحار والسواحل والشعوب لتحقيق أهدافهم الاقتصادية. ساعدهم في ذلك موقع مصر كحلقة وصل بين البحرين الأبيض والمتوسط تلتقي بها التجارات الآتية من الشرق والغرب. وكان هذا الاهتمام قد سبقهم إليه قدماء المصريين ثم الفرس أثناء احتلالهم لمصر في عهد الأسرة الأخمينية ثم الإسكندر المقدوني الذي سمع عن الثروات في جنوب شبه الجزيرة العربية بعد سيطرته على مصر وأرسل بعثة بحرية من البحر الأحمر للدوران حول شبه جزيرة العرب واتبعها ببعثات أخرى من مصب نهر الفرات والخليج العربي حتى مصر. رغم أن تلك البعثات لم تحقق أهدافها المرجوة حين عادت قبل ان تدور حول عمان حين وفاة الإسكندر المفاجئة إثر حمى إصابته في بابل. إلِّا إن تلك البعثات أعطت معلومات موثوق بها عن إمكانية الإبحار حول الشواطئ الغربية والجنوبية لشبه جزيرة العرب.

ولذا فقد اتخذ بطالمة مصر عدة خطوات كان من شأنها إحداث تحول كبير في طرق التجارة إلى البحر الأحمر وكسر احتكار الدول اليمنية القديمة أو الأنباط لتجارة الهند مثل:

- عمل بطليموس الثاني "فيلادلفوس" بإعادة حفر القناة القديمة بين النيل والبحر الأحمر والتي كانت قد حفرت من أيام المصريين القدماء وتم إعادة حفرها في أيام الفرس الأخمينيين، فعمل بطليموس على شق قناة من النيل إلى خليج السويس عند مدينة ارسينو "Arsino" وأطلق عليها تسمية قناة بطليموس الثاني وذلك في حوالي ٢٦٩ق. م كما حصنت المدينة بسور حصين لحمايتها من غارات الأعراب.

- قيام أحد أقارب بطليموس الثاني - ومن المحتم بتشجيع منه -  ويدعى أرستون "Ariston" برحلة حول ساحل شبه جزيرة العرب وتتبع الخط البحري حتى عدن وتقديمه تقرير إلى الملك عن الشعوب التي تقطن بعض تلك المناطق.

- في النصف الثاني من القرن الثالث ق.م وضع ملاح إغريقي مجهول الاسم خريطة ملاحية كاملة حتى سواحل الصومال.

- تأسيس مستعمرات - على طريقة الإغريق القدماء - على الساحل العربي للبحر الأحمر مثل مستعمرة "Ampelonaea" في مكان ما على ذلك الساحل. وهي مستعمرة أشار إليها الكتاب الكلاسيكيون لحماية سفنهم وتجارهم وإمدادها بما تحتاج إليه وشراء ما يرد إليهم من جزيرة العرب. كما أسست في أيام بطليموس فيلادلفوس موانئ جديدة على سواحل البحر الأحمر لرسوا السفن فيها وللمحافظة على الطرق البحرية من لصوص البحر أو القراصنة بلغت مداها جزيرة سقطرى.

- وفق البطالمة بجهودهم المتواصلة من مد نشاطهم التجاري البحري إلى البحر الأحمر ووصلوا إلى الشواطئ الشمالية للصومال وإلى عدن الذي كان يخضع آنذاك للقتبانيين وشحنوا سفنهم بالبضائع الهندية التي جلبها التجار اليمنيون والهنود.

- تنظيم نوع من سفن الحراسة ووضح حد للقرصنة البحرية في البحر الأحمر بعدما أصبحوا محتكرين لتجارته وأصبح الأسطول الحربي البطلمي يجوب مياه البحر الأحمر لحماية السفن التجارية من القراصنة هناك.

- وجه البطالمة ضربة كبيرة لاحتكار اليمنيين تجارة "الترانزيت" بين الهند ومصر وكذلك للسيطرة اليمنية على الملاحة البحرية في المحيط الهندي في نهاية القرن الثاني قبل الميلاد بعد تمكن البحار اليوناني أيودوكس إلكيزيكي "Euduxus" من العثور مع احد البحارة الهنود الذي جنحت سفينته على ما يبدو جنوبي البحر الأحمر على معلومات عن نظام الرياح الموسمية التجارية التي تهب في المحيط الهندي وقام برحلة إلى الهند والعودة ومن ثم تمكن  "هيبالوس" من اكتشاف وسيلة لاستغلال حركة الرياح الموسمية في النقل البحري لتنظيم رحلات بحرية مباشرة إلى الهند من البحر الأحمر وعبر باب المندب حينما تكون الرياح الجنوبية الغربية مواتية للهبوب والعودة مع هبوب الرياح الشمالية الشرقية ومنذ ذلك الحين أخذ البطالمة بالقيام برحلات منتظمة إلى الهند لأكثر من مائِة وعشرين سفينة تجارية خلال العام ووصلوا إلى شواطئ حضرموت. كان من نتائج ذلك: 

  • حصلت نقلة نوعية في حركة نقل السفن التجارية البحرية بينما تراجعت بالمقابل حركة التجارة البرية وانتهت أو قلت الكثير من الرسوم التي كانت تفرض على طريق تجارة البخور من قبل.
  • انتفعت وازدهرت موانئ جنوب شبه الجزيرة العربية التي كانت محطات انتقالية أو أماكن لتعبئة البضائع والتي وردت أسماؤها في كتاب دليل الطواف حول البحر الاريتري والتاريخ الطبيعي "لبلينيوس" مثل ميناء موزع جنوبي المخا وميناء أوسليس "Oselis" على مضيق باب المندب على سواحل البحر الأحمر وموانئ "قنا وموشا".
  • بعد تحول الطرق التجارية من البر إلى البحر تضررت الدول اليمنية القديمة التي تقع أراضيها بعيدة من السواحل البحرية وساهم ذلك في اختفاء بعضها مثل الدولة المعينية وضعف بعضها الآخر مثل سبأ وسيطر البطالمة والمصريين ومن بعدهم الرومان على طرق القوافل البحرية واكتفى اليمنيون القدماء بما كانوا ينتجونه من البخور والمر وغيرها. واضطروا إلى ترك البحر لمنافسيهم البطالمة الأقوياء والاقتصار على إرسال تجارتهم بطريق البحر نحو بلاد الشام والسيطرة على الطرق البرية مع الأنباط في الشمال.
  • لم يتأثر اليمنيون القدماء وحدهم بسيطرة البطالمة على البحر الأحمر بل تأثر بها عرب الأنباط أيضا الذين حرموا معهم من بعض موارد رزقهم التي كانوا يحصلون عليها من الاتجار بالبحر بعد وصول سفن البطالمة التجارية والسفن الحربية التي تحرسها إلى موانئ البحر الأحمر الشهيرة وشراؤهم ما يحتاجون إليه وبيع ما يحملونه من سلع.
  • حصول احتكاك مباشر بين الثقافة اليونانية والثقافات العربية الجنوبية تمثلت في العثور على كتابات يونانية في مناطق على سواحل البحر الأحمر والخليج العربي ووجود تأثيرات "هيلينية" على تماثيل وتحف وفخار وحتى عملات المنطقة كنوع من نتائج التبادل التجاري.

الخاتمة:

كانت منافسة البطالمة لليمنيين القدماء تحد آخر ومهم واجه حضارتهم وبقاءهم وازدهار أو استمرار تجارتهم وعصب نشاطهم الاقتصادي وجدت له استجابة في مجال نمو تجارة الموانئ البحرية وازدهارها وبالمقابل فشلوا لسبب أو لآخر في مواجهته ودفعوا بذلك ثمنا في تقليل عوائد تجارتهم وكسر احتكارهم لتجارة الترانزيت إلى الدول الأخرى وأهمها الهند. ولربما كان لذلك التحدي مسار آخر لو أنهم تمكنوا من التصدي لتلك المنافسة الناشئة.

القسـم الثـانـي

(الاسئـلة والمداخـلات)

أولاً: الأسئلة والإجابة عنها

د. عبد الله الذفيف:

منافسة البطالمة لليمن في تجارة البحر الأحمر والمحيط الهندي.

سعى البطالمة إلى منافسة اليمنيين على تجارة البخور والتوابل في البحر الأحمر وما يتصل بها من تجارة المحيط الهندي، بل إنهم لم يكتفوا بذلك فقد كانت لهم الرغبة في السيطرة عليها واحتكارها لصالحهم وحرمان اليمنيين منها.

وكانت بداية هذه الأطماع تعود إلى عهد زعيمهم الأول الإسكندر الأكبر حوالي القرن الرابع ق. م، وطموحاته في السيطرة على العالم القديم ومنها العربية السعيدة، حيث أرسل بعثات بحرية استكشافية للتعرف على الشواطئ العربية وإن كانت هذه البعثات الاستكشافية لم تتجاوز الخليج العربي، ويبدو أن موت الإسكندر قد وقف حائلاً دون تحقيق أطماعة في السيطرة على شبه الجزيرة العربية وخاصة اليمن.

وبعد موت الإسكندر المقدوني جرى تقاسم إمبراطورتيه بين قادة جيشه فكانت مصر من نصيب القائد بطليموس، ومن هنا بدأت الخطوات الفعلية لهذه المنافسة التجارية بين اليمنيون القدماء والبطالمة.

وكانت أولى هذه الخطوات إرسال بعثة بحرية استطلاعية للتعرف على السواحل العربية في البحر الأحمر ثَّم عادت هذه البعثة إلى مدينة الإسكندرية وقدمت تقريراً مفصلاً عن السواحل والشواطئ في شمال الجزيرة العربية وجنوبها على البحر الأحمر.

كما قام البطالمة بتجديد وبناء بعض الموانئ المصرية المطلة على البحر الأحمر كميناء "ارسينوي" في خليج السويس، وميناء "ميوس هرميس" وميناء "برينيكي" شرق أسوان.

كما أنهم سيطروا على خليج العقبة وذلك لأنه يشكل منفذاً لتجارة البحر الأحمر إلى البر ومنه إلى بلاد الشام.

ومن الخطوات التي قام بها البطالمة العمل على زيادة سفنهم الحربية في البحر الأحمر وذلك لتأمين السفن التجارية التي كانت تتعرض للقرصنة في مسعاً منهم لتحويل التجار من استخدام الطريق البري الذي كان اليمنيون يشرفون عليه إلى البحر. كما عملوا على استيطان جاليات بطلمية في موانئ البحر الأحمر والمحيط الهندي وبعض الجزر ومنها جزيرة سقطرى اليمنية، كما يذكر ذلك "أجاثارشيدس". وقد توج البطالمة هذه المساعي بوصولهم إلى الموانئ الهندية مباشرة ومعرفتهم أسرار الرياح الموسمية التي كانت حكراً على اليمنيون القدماء، وكانت أول الرحلات البطلمية التي وصلت إلى الهند بقيادة "يودوكسوس إلكيزيكي" حوالي عام ١١٧ ق. م.

ا. د. عبد الله أبو الغيث:

شكرا أستاذة صفية على هذا العرض، الذي يعبر عن مدى اهتمام البطالمة بتجارة البحر الأحمر والمحيط الهندي.

حيث تمكنوا في نهاية المطاف من انتزاع جزء كبير من تجارة طريق البخور البري من يد اليمنيين، وساعدهم على ذلك الصراع الذي دار في اليمن بين دوله القديمة والذي برز منذ أواخر القرن الثاني قبل الميلاد واستمر حتى أواخر القرن الثالث الميلادي عندما تمكنت حمير من جمع اليمن كله في دولة واحدة. وقد بلغ من اهتمام البطالمة بتجارة البحر الأحمر والمحيط الهندي تخصيص منصب عام كان يسمى مسؤول طيبة والبحر الأحمر والمحيط الهندي.

د. خليل القاضي:

يعني صدق المثل الذي يقول: مصائب قوم عند قوم فوائد. فالصراع الداخلي بين الدول اليمنية القديمة زادت من أطماع البطالمة للسيطرة على تجارة طريق البخور.

لك خالص تحياتي أستاذي، وما أشبه اليوم بالبارحة.

ا. د. عبد الله أبو الغيث:

تلك عملية تتكرر عبر تاريخ اليمن ... عندما يتوحد الداخل وتسود الشراكة ويتسع الوطن لكل أبنائه يزدهر الوطن داخليًا ويحتل المكان اللائق به خارجيًا، وعندما يسود الاستحواذ من قبل طرف داخلي يشتعل الصراع، ويؤدي إلى تفكك الجبهة الداخلية وإضعاف الوطن، وبالتالي تدخل القوى الخارجية في شؤون الوطن ومحاولة انتزاع مقدراته وتجييرها لصالح تلك القوى.

أ. صفية الدبعي:

فعلاً. د. عبد الله ... انشغال اليمنيين القدماء بالصراعات الضيقة فيما بينهم أفقدهم المقدرة على التصدي للمنافس الأكبر مما أثر بشكل كبير على استمرار سلطانهم التجار.

د. خلدون هزاع:

شكرًا على العرض التفصيلي الرائع.

بالإمكان القول إن انشغال اليمنيين بصراعاتهم الداخلية خلال الفترة من القرن الأول ق.م إلى الثالث الميلادي مكن الآخرين من اخذ مكانهم في التجارة العالمية.

وقد تمكن اليمنيون من توحيد صفوفهم بقيادة الريدانيين ابتداء من عهد الملك "ياسر يهنعم" وابنه "شمر يهرعش" واستعادوا مكانتهم من جديد حتى عادت الخلافات الداخلية من جديد مطلع القرن السادس ليفقد اليمنيون تجارتهم لصالح قبيلة قريش.

أ. صفية الدبعي:

شكرًا. د. خلدون على إضافتك القيمة.

د. أحمد المصري:

شكرًا جزيلًا. أ. صفية الدبعي والشكر موصول للزميل والصديق العزيز د. عبد الله الذفيف.

بعد تحول للطرق التجارية من البر إلى البحر تضررت الدول اليمنية القديمة التي تقع أراضيها بعيدة من "السواحل البحرية". ما أعلمه أن أحد أسباب ظهور الدولة الحميرية التي نشأت في المناطق الوسطى هو تغير طرق التجارة واضمحلال دول قوية نشأت على حواف الصحاري أعني "معين وسبأ". ويبقى السؤال: هل رافق هذا التحول ظهور قوي يمنية أو ممالك يمنية أسست (دولًا) أو ممالك على سواحل البحر الأحمر؟

أ. صفية الدبعي:

شكرًا. د. أحمد المصري.

ليست لدَّي فكرة عن ظهور قوى أو ممالك يمنية أسست دولًا على سواحل البحر الأحمر نتيجة للمنافسة البطلمية واترك المجال للزملاء والأساتذة الأكثر تخصصا في تاريخ اليمن القديم للإجابة. لكني أعرف بأن دولتي قتبان وحضرموت قد أفادتا من انتقال تجارة البخور إلى البحر بوصفهم دول تمتد حتى سواحل البحر العربي في الجنوب ومنطقة باب المندب في الجنوب الغربي ونمت موانئ لهما على السواحل. أما مملكة معين فقد كان ذلك يعني بالنسبة لها انهيار لحياتها الاقتصادية التي اعتمدت بشكل أساسي على عوائد التجارة البرية ولذلك فقد عجل ذلك بزوالها كما كان له أثر في أضعاف دولة سبأ وانتقال الحكم بالتالي للدولة الحميرية.

د. عوض الشعبي:

شكرًا أستاذة صفية ... عرض تاريخي أكثر من رائع على دور البطالمة في معرفة وكشف طريق البحر الأحمر والوصول إلى حلمهم الأول الهند وكسر احتكار اليمنيون لتجارة الهند. ذكرتِ في عرضك سلعة الورس وهي من النباتات التي وجدت في البيئة اليمنية ولها عدة استخدامات كمستحضر تجميل للمرأة اليمنية أو كصباغ الملابس أو مستحضر طبي...هل هناك نقش يذكر سلعة الورس مثلها مثل بقية السلع اليمنية النقدية؟

أ. صفية الدبعي:

شكرًا دكتور عوض على تعقيبك.

ذكرت الورس على اعتبار أنها نبتة تزرع في اليمن وفي الهند الآن. وليس لديَّ فكرة عن نقش يمني قديم ذكرها. ولربما كان اليمنيون فقط يتاجروا بها بعد استيرادها من الهند.

د. إسماعيل قحطان:

شكرًا للأستاذة صفية على العرض الشيق والجميل والمقدرة العالية لديها لطرح موضوع جديد مثل هذا عن نفسي لأول مرة أتعرف على مثل هذه المعلومات.

ما استنتجته من هذا العرض، أن موقع مصر يشكل أهمية استراتيجية لليمن أما سلبًا أو إيجابًا فوجود أي حكومة في مصر ذات أطماع فان هذا يؤثر سلبًا على وضع اليمن كما هو الحال في عهد البطالمة أو في أواخر عهد المماليك الذين قضوا على الدولة الطاهرية.

إن الحكومات اليمنية في عهد القوة والازدهار لم تكن تعمل على بناء مستوطنات متفرقة في طرق التجارة تعمل على حماية التجار وتجارتهم إنما كان الوضع يسير بالبركة وبدون تخطيط.

إن الدول اليمنية القديمة ورغم قوتها في فترات عدة ورغم الازدهار الاقتصادي إلِّا أنها كانت تفتقر إلى نظرية التوسع ومد النفوذ والهيمنة العسكرية وعدم وجود قوة عسكرية يمنية ضاربة كانت تجعلها لقمة سااااائغة لكل من هب ودب. ورأينا سقوط الدويلات اليمنية في كثير من الأمثلة بيد قوى خارجية بل وكانت تسقط بأيدي أي طامح للسلطة فيدخل اليمن ويفرض سيطرته ثم يحكمها.

ما يعني أن الاستراتيجية العسكرية وصناعة القوة كانت غائبة عن اليمنيين منذ الأزل وليس في وقتنا الحالي فقط.

أ. صفية الدبعي:

شكرًا. د. إسماعيل قحطان على تعقيبك.

في الحقيقة ليست المعضلة دوما في موقع الدول بقدر ما هي بمن يستفيد من ذلك الموقع ويوظفه لصالحه. أما المستوطنات التجارية فقد كان لدولة معين السبق في إقامتها لكنه اقتصر عليها على ما أظن. وأما ان الوضع كان يسير بالبركة فلا أظن ذلك دقيقًا. فللدول اليمنية القديمة أنظمتها وإصلاحاتها التجارية التي لولاها لما قامت لتلك الدول قائمة في الأساس. لكن كان للصراع الذي قام بينها دورا في إضعافها عن مواجهة المنافسة الأجنبية الأكثر خطرًا.

د. إسماعيل قحطان:

شكرًا أستاذة صفية على التوضيح. لكن ما يتبادر إلى ذهني الآن ...  ما مدى الصراع الذي كان بين البطالمة واليمنيين، وكم من الزمن امتَّد؟ وهل كانت هناك معارك ومواقع حربية؟ وهل كان هناك احتلال بطلمي للسواحل اليمنية، أم أن الصراع اقتصر على التجارة وكان صراعًا بين التجار أكثر منه صراعًا بين القوات العسكرية والدول.

د. أمل الحميري:

شكًرا أستاذه صفيه لهذا العرض الرائع لعنوان مهم يهتم بمناقشة الأوضاع التجارية لليمن ومنافسة البطالمة لهم في البحر الأحمر والمحيط الهندي. وما لفت انتباهي المدى الذي وصلت إليه تجارة اليمن في تلك الفترة الزمنية واهتمام بطالمة مصر بالبحار العربية الجنوبية ومحاولتهم كسر احتكار العرب الجنوبيين للتجارة وذلك بإرسال البعثات الاستكشافية حول البحار والسواحل العربية الجنوبية. وسؤالي:

بما أن جزيرة سقطرى قديمًا كانت تعرف بأرض الله الطيبة كما أوردتها أدبيات اليونان والرومان وذلك لأنها اشتهرت بزراعة الصبر السقطري واللبان والبخور وحكيت حول ذلك العديد من الأساطير. فهل تحدثت المصادر البطلمية عنها؟ وهل فعلًا كانت موطن لتجارة البخور واللبان، أم أن هناك خلط عند المؤرخين بينها وبين عدن وجنوب الجزيرة العربية، وهل دخلت ضمن نطاق بلاد البونت التي يتكرر ذكرها في الأدبيات القديمة والتي عرفت بتجارة البخور واللبان والمر؟

ولك فائق الشكر والتقدير.

أ. صفية الدبعي:

شكرًا لمداخلتك عزيزتي دكتورة أمل.

ليس هناك خلط بين ميناء عدن وجزيرة سقطرى في المصادر القديمة فقد ورد ذكر جزيرة سقطرى في المصادر الكلاسيكية عند "بليني" في كتابه "التاريخ الطبيعي باسم ديوسكريدو"، وفي كتاب الطواف حول البحر الإريتري ذكر بإن "ديوسكريدس" - وتعني جزيرة السعادة جزيرة كبيرة سكانها قليلون وكانت تخضع آنذاك "اليعزوز" ملك سباتا وكانت تابعة للعربية الجنوبية. وطبعا أهميتها في ذلك العهد كانت تنبع من حاصلاتها؛ التي لها أهمية كبيرة في أسواق العالم مثل البخور والصبر والصمغ وغير ذلك. كما أنها محطة مهمة لاستراحة السفن للتزود بالماء والأكل. ويذكر ياقوت الحموي ان أكثر أهلها نصارى وأن اليونانيين الذين فيها يحافظون على أنسابهم محافظة شديدة وإنهم رحلوا إليها أيام الإسكندر على حدِ قوله.

أما عدن فقد وردت كميناء لدى بطليموس اليوناني في كتابه الجغرافيا باسم Arabia Emporium بمعنى مركز العربية التجاري وموقعها يطابق موقع Arabeae Eubaemon العربية السعيدة لدى "بريبلوس" أو كتاب الطواف أما أول من أسمى عدن باسمها الحالي منهم "Adana" فهو "اوارانيوس" في القرن الثالث الميلادي.

د. خلدون هزاع:

سقطرى في النقوش "سكرد".

د. خلدون هزاع:

بعد الكتابات التي تركتها الملكة الفرعونية "حتشبسوت" في معبدها هناك نقوش مسندية كتبها مسافرين من اليمن على أحد الطرق التجارية المتصلة بالبحر الأحمر في جنوب مصر؛ مما يعني أن هناك نشاط تجاري قديم ربما يسبق مرحلة وجود البطالمة في مصر. فهل كانت هناك موانئ أقامها يمنيون على الساحل الشرقي لمصر مثلها مثل تلك التي عثر عليها في الصومال؟

من الصعب الجزم بدون دليل أثري. لكن الاحتمال والترجيح وارد بقوة، وهناك أسئلة مهمة حول طبيعة العلاقة بين البطالمة وعرب الجنوب في المجال التجاري. هل كان بينهم تعاون يراعى فيه المصلحة المشتركة أم كان عداء بين الطرفين؟

شخصيًا أرى إن التعاون كان مقدمًا على التنافس بدليل وجود معينية وحضرمية في جزيرة "ديلوس" تاريخها غير بعيد عن فترة البطالمة. أضف إلى ذلك مصدر معظم المواد الخام موجود في جنوب الجزيرة دون إغفال ما هو موجود الصومال والحبشة. والسيطرة على الطرق البحرية لا يعني السيطرة على المواد الخام. لذلك أرجح مبدأ التعاون بين الطرفين لتحقيق الفائدة لكل منهما.

أ. صفية الدبعي:

بالتأكيد النشاط التجاري للبحر الأحمر وللدول التي حكمت مصر قبل البطالمة موجود منذ أيام الفراعنة وحتى بعد احتلال الفرس لمصر والدليل حفر القناة التي تربط أحد أفرع النيل بالبحر الأحمر من قبلهم وتجديد حفرها في زمن "داريوش الأول الأخميني" بعد استيلاءه على مصر. لكن يبدو أن تلك الأنشطة التجارية لم تتعدى "بلاد بونت" في الجنوب وبالتالي لم تشكل خطرا على احتكار اليمنيين لتجارة الهند.

أما طبيعة العلاقة بين العرب الجنوبيين والبطالمة فهي أقرب للمنافسة بدليل مرافقة السفن الحربية للسفن التجارية لحمايتها من القراصنة والذين ربما يكونوا من العرب الجنوبيين أنفسهم الذين لم يكن في مصلحتهم تجوال السفن البطلمية بحرية هناك والوصول المباشر للهند. أما التعاون التجاري في الموانئ فهو شيء وارد باعتبار المصالح.

د. نعمان العزعزي:

الحديث عن القراصنة في البحر الأحمر أيام البطالمة ومن بعدهم الرومان.

السؤال: من القراصنة في البحر الأحمر الذين تحدث عنهم البطالمة ومن بعدهم الرومان؟

 يبدو أنهم بعض العرب بعد أن خسروا الكثير من تجارتهم البرية ونتيجة للمضايقات البطلمية والرومانية فيما بعد للتجارة والسفن العربية عبروا عن مقاومتهم  

للسيطرة البطلمية والرومانية فتحولوا إلى قراصنة في نظرهم؟ من لديه المزيد أو جديد حول هذا الموضوع يدلي به مشكوراً.

أ. صفية الدبعي:

وجهة نظر محتملة دكتور نعمان.

ا. د. عبد الله أبو الغيث:

كفيتي ووفيتي أستاذة صفية. ولي بعض التعليقات على طرح بعض الزملاء إلى جانب موضوع سوف أطرحه عن تاريخ الساحل الغربي لليمن، وهو ما ذهب إليه دكتور نعمان فتهمة القرصنة قديمًا كانت تشبه تهمة الإرهاب حديثًا كل طرف يطلقها على خصومه.

فالقراصنة من وجهة نظر البطالمة في مصر ومن بعدهم الرومان كانت تطلق على العرب سواء في جنوب الجزيرة أو شمالها خصوصًا الأنباط الذين كانوا يمارسون الهجوم على السفن المنطلقة من مصر حفاظًا على مصالحهم التجارية.

ا. د. محمود قاسم الشعبي:

نعم. القراصنة من سكان الشواطئ العربية والإفريقية لدينا دراسة عن القرصنة في العصر الحديث منشورة بـ "مركز منارات". القراصنة في الغالب يمونون من البلدان المجاورة لإعمال القرصنة أو أنهم يحتمون في جزر نائية ومن تلك الجزر يقومون بإعمال القرصنة وعلى الزمن يطورون من معداتهم وأسلحتهم.

أ. صفية الدبعي:

طبيعة الصراع تجارية اقتصادية وقد ثابر البطالمة من أجل تحقيق هدفهم ووصلوا إليه وعملوا على حماية تجارتهم بأسطولهم البحري. أما المواقع الحربية فلم توجد.

كذلك الاحتلال البطلمي للسواحل اليمنية أيضًا لم يوجد وإنما وجدت حركة إنشاء مستعمرات إغريقية في السواحل الشمالية لحماية وتأمين تجارتهم.

د. خليل القاضي:

تعتبر فترة حكم بطليموس الثاني "فيلادليفيوس" من أهم الفترات التي شهدت خلالها العلاقات التجارية بين دول اليمن القديم ومصر  نشاطًا لم تعهده من قبل، فقد أراد هذا الحاكم أن يحكم سيطرة مصر على طرق التجارة الشرقية من خلال تبادل السلع الشرقية مع السبئيين مباشرة دون وساطة الأنباط، ولذلك قام بإنشاء ميناء "إميبلوني" من أجل السيطرة على تجارة البخور القادم من اليمن ونقله إلى مدينة (ددان - العلا) ومنه إلى مصر عبر السفن، و أدى ذلك إلى توجيه ضربة موجعة لاقتصاد الأنباط الذي كان يعتمد بشكل كبير على تجارة البخور التي كانت تمر عبر أراضيهم، مما جعلهم يلجئون إلى القيام بأعمال القرصنة ضد السفن البطلمية في البحر الأحمر . الأمر الذي دفع "فيلادلفوس" إلى استخدام القوة العسكرية ضدهم عامي 278، 279 ق. م.

أ. صفية الدبعي:

شكرًا لمداخلتك القيمة دكتور خليل القاضي.

ا. د. عبد الله أبو الغيث:

نعم. دكتور العلاقة بين اليمنيين كانت خليط من التنافس والتعاون، وإن كان طابع التنافس هو الغالب. لكن العلاقات التجارية كانت قائمة بين الجانبين، وقصة التاجر المعيني "زيد إل خير" شاهد على ذلك حيث تَّم التعامل مع جثمانه لدى البطالمة باحترام؛ كونه كان وسيطًا تجاريًا بين الجانبين. وقد كان معاصرًا لبطليموس الثاني "فيلادليفيوس".

في الواقع لم يكن هناك دول يمنية قديمة قامت في تهامة غير الدول اليمنية القديمة المعروفة لنا. لكن تهامة كانت تمثل مكون جغرافي واجتماعي أصيل ضمن مكونات تلك الدول. ولعل تاريخ تهامة القديم يتضح من خلال هذا الموضوع: -

"مستل من بحث للكاتب مقدم إلى المؤتمر العلمي الأول لجامعة الحديدة بعنوان: ساحل اليمن الغربي في التاريخ القديم بين نعمة الموقع الجغرافي ونقمته "تهامة وارتباطها التاريخي بالدول اليمنية القديمة". ا. د. عبد الله أبو الغيث."

تدل الشواهد التاريخية والأثرية على ارتباط إقليم تهامة بالتاريخ اليمني القديم وحضارته الزاهرة، وأنها كانت جزءاً مهماً ضمن ذلك التاريخ وتلك الحضارة، حيث تشير تقارير البعثات الأثرية إلى وجود رسومات ومخربشات وقطع فخارية تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، تنتشر في بعض مناطق تهامة، مثل: حيس وجبل رأس وزبيد وباجل، كما عثر على كتابات مسندية ومواقع أثرية تعود إلى المرحلة التاريخية اليمنية القديمة.

وتنسب تسميات كثير من المدن التهاميه إلى شخصيات تاريخية عاشت في العصر السابق للإسلام، مثل: حيس والزيدية وحرض. إلى جانب الدور التاريخي القديم الذي قامت به بعض القبائل التهامية مثل الأشاعر وعك ومدينتها المهجم، وكذلك الدور التاريخي الرائد الذي شهدته مدن موزع والمخاء ومنطقة باب المندب، وهو ما سنتحدث عنه لاحقاً في إطار هذا الموضوع.

وهناك نقش سبئي تَّم العثور عليه بمنطقة تهامة في موقع الواقر الأثري المطل على وادي سهام، ويعود تاريخه حسبما يرجح "د. يوسف عبد الله" إلى القرن السادس قبل الميلاد، ويتحدث عن إنهاء ضرائب قديمة على أودية تقع شمال تهامة اليمن هي: جازان وخلب ونشان ومور، كانت قد فُرضت عليها في مطلع القرن السابع قبل الميلاد تقريباً. وهو ما يؤكد ارتباط منطقة شمال تهامة بالدولة السبئية في مارب خلال النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد، من وادي سهام جنوباً الذي يصب إلى الشمال من مدينة الحديدة في اتجاه مدينة الصليف، حتى وادي جازان شمالاً الواقع في منطقة جيزان (تقع حالياً جنوب غرب المملكة العربية السعودية).

أما مناطق جنوب تهامة اليمن، خصوصاً منها القريبة من مضيق باب المندب فنفهم من نقش النصر الذي دوّنه المكرب السبئي كرب إيل وتر (حكم أواخر القرن الثامن مطلع القرن السابع قبل الميلاد) أنها كانت تتبع دولة أوسان التي كانت تفرض سيطرتها على منطقة المعافر، وكانت سواحل جنوب تهامة الممتدة من باب المندب جنوباً حتى منطقة الأشاعر شمالاً جزءاً من المعافر، وهو ما نعرفه من خلال نقش سنشير إليه لاحقاً ضمن هذا الموضوع. ومنذ هذا التاريخ الذي قضى فيه المُكَرِب السبئي على دولة أوسان أصبح الساحل الغربي لليمن بشكل عام خاضعاً للدولة السبئية.

واستمرت السيطرة السبئية على كل المناطق التهامية المطلة على ساحل اليمن الغربي إلى أن بدأ نفوذ الدولة القتبانية بالتمدد في منطقة جنوب غرب اليمن ابتداءً من القرن السادس قبل الميلاد عندما بدأ ما يسميه بعض المؤرخين عصر النفوذ القتباني في اليمن، بعد أن عَّد القتبانيون أنفسهم أصحاب الحق بالسيطرة على الأراضي التي كانت تتبع الدولة الأوسانية وسيطرت عليها سبأ، حيث تدل الشواهد بأن سيطرة الدولة القتبانية قد وصلت إلى مضيق باب المندب، واستمرت تلك السيطرة حتى القرن الأول قبل الميلاد تقريبا ، عندما تمكن الكيان الحميري الصاعد من انتزاع مناطق قتبان الساحلية وتحويل قتبان إلى دولة داخلية، وهو ما أضعف قتبان وأدى إلى انهيارها التدريجي ، وغالب الظن أن القتبانيين خلال مرحلة ازدهارهم هذه قد تمكنوا من فرض سيطرتهم على بعض سواحل البحر الأحمر القريبة من باب المندب.

وقد تمكن الكيان الحميري (ذي ريدان) من فرض سيطرته على كل القسم الجنوبي من تهامة، عندما امتدت دولتهم في القرون الميلادية الثلاثة الأولى لتشمل الأراضي الممتدة من جنوب تهامة غرباً حتى يافع شرقاً، ومن نقيل يسلح شمالاً حتى عدن جنوباً، وبذلك انحصر النفوذ السبئي في تهامة على قسمها الشمالي كما كان سابقاً. ويبدو أن دولة حمير خلال هذه الفترة كانت تفرض سيطرتها على جنوب تهامة عبر أقيال المعافر، حيث يتضح لنا ذلك من مكونات اللقب الذي كان يحمله كليب يهأمن عامل (محرج) الملك الحميري شمر يهحمد (منتصف القرن الثالث الميلادي)، حيث تسمى فيه ب "محرج شمر يهحمد بذي معافر وأجناد الأشاعر وجماعات الكلاع وعسيفر (عصيفرة) وذي حبيل (الحبيل)".

ولعل كليب المذكور في هذا النقش هو نفسه كليب وائل حاكم المعافر الذي أشار إليه المؤلف المجهول لكتاب دليل البحر الإريتري بصفته تابعاً للملك الحميري كرب إيل، الذي يُعتقد بأن المقصود به هو الملك كرب إيل أيفع خليفة الملك شمر يهحمد المذكور في النقش السابق. حيث يشير كتاب الدليل أن قيل المعافر عبر تحكمه بميناء موزع (جنوب مدينة المخاء) كان يتحكم بمنطقة ربطة في سواحل شرق أفريقيا المطلة على المحيط الهندي (سواحل تنزانيا وكينيا الحاليتين)، ويحدثنا عن نشاط تجاري زاهر لميناء موزع مع العالم الخارجي جعل منه الميناء اليمني الأول خلال هذه المرحلة.

وفي النصف الثاني من القرن الثالث الميلادي تمكن الحميريون من ضم دولة سبأ إلى دولتهم، وحكموا دولة سبأ وذي ريدان، وبذلك خضعت كل تهامة اليمن لسيطرتهم، خصوصاً بعد أن كانوا قد تمكنوا من طرد الأحباش من تهامة.

تجدر الإشارة أن منطقة سهرتنان (السهرة) التي ذكرت في النقوش المسندية، وتمتد من شمال تهامة اليمن الحالية حتى تهامة عسير كانت دائمة الثورات والتمردات ضد الدولة السبئية ومن بعدها الدولة الحميرية. ولعل تسمية سهرتنان (السهرة) قد احتفظت بها منطقة الزُهرة التي أطلقت على إحدى مديريات محافظة الحديدة (تقع في القسم الشمالي من تهامة اليمن)، خصوصاً أن الإبدال بين حرفي الزاي والسين أمر شائع في لغة العرب.

وبعد أن تمكن الحميريون من القضاء على دولة حضرموت في العقد الأخير من القرن الثالث الميلادي في عهد ملكهم شمر يهرعش وأخضعوا كل بلاد جنوب الجزيرة العربية (اليمن القديم) لحكمهم بدأوا يعملون على مد سلطتهم صوب شمال جزيرة العرب بجبالها وسهولها، ما جعلهم بعد قرن من الزمان يطورون في لقبهم الملكي على يد ملكهم أبي كرب أسعد (أسعد الكامل) ويضمون الطود (الجبال) وتهامة (السهول المطلة على البحر الأحمر) إلى ذلك اللقب، وكان المقصود بتهامة هنا كل سهول الجزيرة العربية المطلة على البحر الأحمر في اليمن والحجاز.

وشهدت منطقة تهامة اليمن، خصوصاً في قسمها الجنوبي القريب من مضيق باب المندب أحداثاً عسكرية حامية الوطيس بين آخر ملك حميري (يوسف أسار يثأر/ ذي نواس) وبين الغزاة الأحباش. وكانت مدينة المخاء قد ازدهرت خلال هذه الفترة لتصبح بمثابة الميناء الرئيس لليمن في هذه المنطقة وحلت بدلاً عن موزع القريبة منها، لعوامل لا ندرك تفاصيلها كاملة حتى الآن.

د. عبد الودود مقْشَّر:

من أروع الأبحاث التاريخية القديمة بحق.

د. عوض الشعبي:

تشكر دكتور أبو الغيث على هذه المعلومات القيمة عن تهامة اليمن.

د. خلدون هزاع:

تصويب:

"كليب يهأمن" في نقش "السوا" ليس محرج الملك الريداني "شمر يهحمد". كل ما في الأمر أن النقش غير مكتمل في بدايته، وهناك كسور في حروفه وقراءة دكتور/ يوسف عبد الله، وكذا الدكتور/ عبد الغني علي سعيد رحمهما الله كانت اجتهاد منهما. وقد كشف "نقش سامع" الموسوم بـ "مهيوب - سامع 1 " بأن الاسم هو "كليب يهأمن بن شمر يهحمد ذو معفرم".

كلمة الختام

كلمة الختام: مدير الجلسة.

أ. صفية الدبعي:

وختامًا أشكر كل من تفاعل وأثرى حلقة اليوم النقاشية بالمداخلات أو بالأسئلة.

مع عظيم تقديري للجميع

التعليقات (0)