تاريخ الاستيطان القديم في خليج عدن (3)

تاريخ الاستيطان القديم في خليج عدن

(الجزء الثالث)

هذا وكانت عدن محمية من محميات الإمبراطورية الرومانية، واعتُبرت إحدى أسواقها، وفي القرن الرابع الميلادي تفوقت على موانئ حضرموت وميناء موزع واستحوذت دون منافس على تجارة البحر الأحمر وكانت كذلك خلال الاحتلال الحبشي والاحتلال الفارسي لليمن، واشتهرت في القرن السادس الميلادي كواحدة من أسواق العرب، وعُرفت بمنسوجاتها وبضائعها الثمينة الأُخرى المرغوبة في ذلك الوقت.

رابعاً: التطور التاريخي في خليج عدن:

هناك أدلة أثرية تؤكد أن بلاد اليمن قد تم استيطانها منذ أقدم عصور ما قبل التاريخ، وهذا يشمل إقليم تهامة عموما وساحل خليج عدن خصوصًا، ولهذا سنحاول في هذا الجزء من البحث أن نتتبع أقدم مظاهر استيطان ساحل خليج عدن، بدءا من عصور ما قبل التاريخ، بالرغم من أن أبحاثها ما زالت حديثة العهد، إذ أن الأبحاث كانت قد تركزت على الفترة التاريخية أي عصر الممالك اليمن القديمة.

ساحل خليج عدن في عصور ما قبل التاريخ:

إن الوجود الجغرافي للبحر الأحمر الذي يمثل مضيق باب المندب المدخل الوحيد له، والفاصل بين أفريقيا وآسيا، أدى إلى تباين الآراء حول هذا الممر البحري، فهناك من اعتقد أن البحر الأحمر ربما شكل حاجزًا هائلا لحركة البشرية وذلك منذ عصور ما قبل التاريخ، فضلا عن أنها تقدم تأييدًا لفكرة أن شبه الجزيرة العربية كانت من الناحية الجغرافية طريقا مسدودًا قليل الأهمية خلال أغلب العصر الحجرى القديم([1]) وهو ما يتفق تماما مع الفكرة التي كان قد أثارها من قبل الآثاري Coon وهي فكرة العزلة الثقافية للعربية الجنوبية الغربية فيما قبل عصر الحديد (عصر الممالك اليمنية القديمة)([2]) إلا أن هذه الفكرة قد تم دحضها بنجاح منذ ثمانينات القرن الماضي، بالعثور على أدلة أثرية تعود إلى عصور ما قبل التاريخ وذلك منذ العصر الحجري القديم - الباليوليت حتى عصر البرونز وتفترض أن باب المندب ربما كان الطريق الأقصر لهجرة الإنسان من أفريقيا إلى آسيا (خريطة رقم 3، 4)، وهنا نذكر الدراسة الحديثة التي تدرس فرضية أن سواحل البحر الأحمر كانت مكانا جاذبا للاستيطان البشرى والتواصل الثقافي في عصور ما قبل التاريخ وذلك عبر دراسة مستويات سطح البحر منذ العصور الجليدية فضلا عن عمليات أدلة المسح والكشف الأثري للآثار الغارقة تحت الماء([3]).


وبالرغم من البداية المتأخرة للأبحاث الأثرية في ساحل خليج عدن، فإنه يمكننا أن نقسمها إلى مرحلتين:

المرحلة الأولى:

تشكل البداية الحقيقة لدراسة التطور الأثري والتاريخي في ساحل خليج عدن، الذي نشأ بواسطة البعثة اليمنية الأمريكية عندما حاولت التثبت من فرضية قدم الاستيطان في ساحل خليج عدن، وذلك عندما قامت في الأعوام 1990، 1992م بمسوحات أثرية وحفر اختباري في خليج عدن قرب باب المندب عند مدخل البحر الأحمر وفي الوديان أسفل المرتفعات، وذلك على بعد 25-40 كم من الساحل([4]) ومرد ذلك أنه في ثمانينات القرن الماضي تم العثور على مواقع في شرق وغرب آسيا تضم هياكل بشرية مؤرخة بشكل جيد وآلاتها الحجرية تطابق تلك من العصر الأشولى المبكر - الألدوفان المتطور(Oldowan) في شرق أفريقيا، وذلك في مواقع مثل، موقع "العبيدية" في وادى الأردن في فلسطين الذي أُرخت بقاياه العظمية إلى 1،4 -1 مليون سنة([5])، وفي موقع  دمانيسى (Dmanisi) في القوقاز - جورجيا حيث كُشف فيه عن فك أسفل لبشر يؤرخ إلى 1،8 مليون سنة[6])) ثم في موقع "سانجران دوم " (Sangiran Dome) في جاوا - إندونيسيا حيث تم إعادة تأريخ جمجمتين بشريتين الى  1،6 و1،8مليون سنة على التوالي([7])، كما دلت هذه الأبحاث على أن هذه المواقع الآسيوية المبكرة كانت قد أُستوطنت بواسطة مواطنين ذوي أصول أفريقية، وبالتالي فإن أقدم بشر خارج أفريقيا يعود إلى حوالى 1،8 مليون سنة.

إن هذا الوجود يفترض انتقالا مبكرا من أفريقيا وعبور شبه الجزيرة العربية ليس أقل من حوالى 1,9-2 مليون سنة، وحسب معرفتنا الحالية فإن أفريقيا تعد مهد الإنسان وتحديدا في شرقها وذلك منذ حوالى 2,5 سنة([8])، ولذا فإن وجود هذه المواقع الآسيوية التي تعود إلى العصر الحجري القديم الأدنى يثير السؤال عن الممرات الرئيسة لحركة انتقال البشر، كيف وصلوا إلى هناك؟، وأي طريق انتقال خارج أفريقيا سلكوا؟

وفي هذا الخصوص هناك الافتراض الذي استمر طويلا، وهو الطريق "البرية" إلى الشمال، الذي يسير محاذيا للنيل نزولا من إثيوبيا ثم عبور شبه جزيرة سيناء وصولا إلى شرق البحر الأبيض المتوسط ومنها باتجاه الشمال إلى القوقاز وشرقا من خلال زاجروس إلى الهند ثم أرخبيل إندونيسيا.

وحاليا فإن مناخ البحث قد بدأ يتغير ويقدم افتراضا آخرا يرتكز على أن الحركة الأولى للبشرية قد تم عبر طريق الانتقال المائي الجنوبي وهو الطريق من إثيوبيا والقرن الإفريقي عبر مضيق باب المندب الذي يمثل مدخل البحر الأحمر الذي يفصل إفريقيا عن آسيا ثم إلى شبه الجزيرة العربية ثم شبه القارة الهندية([9]).

ومن أجل التثبت من هذه الفرضية فقد قامت البعثة اليمنية - الأمريكية بمسوحات تغطي مساحة حوالي 2475 كم2، كشفوا فيها عن 67 موقعا أثريا على السطح يعود أغلبها الى العصر الحجري القديم الأعلى، ثم قاموا بحفر اختباري إلا أنه لم يكشف عن عمق طبقي لسبب ضحالة عمق التربة التي أزاحتها التعرية الرياحية، وبالتالي تمكنوا من جمع الآت حجرية من السطح، كانت مصنوعة من الريولايت، البازلت والكوارتزيت، وبما أن البقايا الأثرية التي جُمعت كانت من السطح وبالتالي لا يمكن إيجاد تاريخ محدد لها، وعليه فقد تم تصنيفها بالمقارنة على ما أمكن تاريخه في شرق أفريقيا، وذلك اعتمادًا على الشكل، وطريقة الصناعة، وعلى هذا الأساس أمكن تصنيفها إلى نوعين من الصناعات المميزة لهذه الفترة: الأولى، تعود إلى صناعة الأولدوفاي المبكر وتضم نوى كبيرة، آلات قاطعة ( شكل رقم 5) والثانية تعود إلى العصر الأشولي وهي تضم الفؤوس اليدوية([10])(شكل رقم 6).

وبذلك تمكنوا من الوصول إلى استنتاج مفاده، وجود بشر في شرق وغرب آسيا في حدود 1.8 مليون سنة، كما إن المخلفات الأثرية للمواقع حول باب المندب تتفق تماما مع المواقع المبكرة للإنسان القديم من شرق أفريقيا، وهذا يفترض بالضرورة انتقالا أقدم من أفريقيا عبر باب المندب لا يقل عن 1.9 - 2 مليون سنة على شكل موجات بشرية، ولهذا ربما كانت طريق الإنسان من أثيوبيا والقرن الأفريقي عبر طريق " باب المندب" ومنه إلى شبه الجزيرة العربية ثم عمان وإيران وشبه القارة الهندية هو الطريق الأقصر والمفضل باعتباره يشكل الاستمرارية والامتداد الطبيعي لحركة الإنسان القديم المستوطن في الوادي المتصدع بشرق أفريقيا من أولدوفاى، تركانا، أُمو، أواش و جيبوتي ([11])، وجدير بالذكر أن المواقع المبكرة في حضرموت التي وصفتها البعثة الروسية 1983م ربما تمثل استيطانا بشريا متأخرًا لهجرة بشرية إلى العربية الجنوبية الغربية، عبر باب المندب، وأن تاريخها يعود إلى حوالي مليون سنة ([12]).

كما يمكننا أن نلاحظ أنه لم يتم حتى الآن في اليمن العثور على هياكل بشرية لإنسان تلك الفترة المبكرة، وهنا لا بد لنا أن نذكر ذلك الاكتشاف الحديث، الذي أثار كثيرًا من الجدل، لجمجمة إنسان "الهومواركتوس" من العصر الحجري القديم الأدنى، الذي عُثر عليه في منخفض الدناكيل بإريتريا قريبا جدًا من شاطئ البحر الأحمر المقابل لليمن والذي يعود تاريخه إلى مليون سنة)[13]).

ولهذا يمكننا أن نقول إن مسوحات البعثة الأمريكية التي عملت في خليج عدن فضلا عن تلك التي قامت بها البعثة الروسية في حضرموت قد أكدتا على ثبوت استيطان الإنسان القديم في بلاد اليمن منذ العصر الحجري القديم. وبما أن الأدوات الحجرية التي كشفتها جلها من السطح مما لا يُمكّن من تصنيفها بدقة إلى أقسام العصر الحجري القديم (الأدنى، الأوسط، الأعلى)، وهذا في حد ذاته ما يحفز إلى المزيد من الأبحاث الأثرية.

وعموماً فإن اليمن وجنوب البحر الأحمر عند باب المندب تشكل محطة رئيسة في طريق البشرية لعبور البحر الأحمر، وفضلا عن ذلك يمكننا القول، بأن البحث المذكور قد آثار فكرة أن البحر الأحمر ربما أمكن عبوره منذ أقدم العصور وربما أنه كان ممرًا للاتصالات الثقافية بين أفريقيا وآسيا وليس فقط في الفترات المتأخرة.

المرحلة الثانية:

تبدأ منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، منذ 1994-2000م حين تكونت البعثة المشتركة للمعهد الألماني للآثار بصنعاء والأكاديمية الروسية للعلوم بموسكو، وذلك عندما قامت بتنقيبات ومسوحات ميدانية مركزة، مهدت للتوسع في الدراسات والبحث والكشف عن عدة مواقع أثرية على طول ساحل خليج عدن والمنطقة الخلفية لعدن في لحج وأبين بما فيها دلتا وادي أبين ووادي تبن([14])(شكل رقم 2، 3، 4؛ خريطة رقم1) وهي مواقع قرب عدن، كموقع " النبوة " في عدن الصغرى، وموقع " قهيو" في خور عميرة وهي مواقع تتميز بتركز بقايا الركام الصدفي التي استوطنت بواسطة الصيادين وجامعي الرخويات([15])، وإن من أهم نتائج البعثة المشتركة الكشف عن عناصر أثرية جديدة لم يسبق كشفها من قبل، كثقافة صبر فضلا عن ثقافة الصيادين وجامعي الرخويات الذين استوطنوا ساحل خليج عدن، والذين امتدت ثقافتهم منذ عصور ما قبل التاريخ، وخاصة العصر الحجري الحديث المتأخر واستمرت خلال عصر البرونز وصولا إلى العصور التاريخية [16]))، وهو ما يعد إسهامًا جادًّا لإعادة بناء تاريخ منطقة ساحل خليج عدن، كما أن هذه الأبحاث تعد أيضا امتدادًا للمسوحات الأثرية التي أجرتها البعثة الإيطالية حول الركام الصدفي في ساحل تهامة المشار إليها سابقا.

إن ظاهرة الأكوام الصدفية في ساحل اليمن بما فيها خليج عدن، تعود إلى فعل بشري؛ إذ أنها عبارة عن بقايا لقشور الأصداف - القواقع فضلا عن بقايا الأسماك التي تم استهلاكها، ومن ناحية أُخرى فإن أهميتها تكمن في أنها توثق المراحل المبكرة لاستخدامها كنوع من سبل العيش واعتبارها شكلا اقتصاديا من أشكال "جمع القوت " واستغلال المصادر البحرية ضمن مرحلة "الجمع-اللقط" التي تسبق مرحلة إنتاج الغذاء والتي تأكدت في ساحل اليمن منذ العصر الحجري الحديث المبكر (النيوليتي) منذ حوالي 8 ألف سنة ق.م، واستمرت حتى العصور الميلادية المبكرة وكذلك موازية للمالك اليمنية القديمة في عصورها المتأخرة وربما حتى العصور الإسلامية([17]).

إن المسوحات الأثرية مكنت البعثة المشتركة من دراسة المواقع الأثرية في تلك المنطقة منذ الألف الخامس ق.م حتى بداية العصر الميلادي، ففي منطقة خور عميرة والتي تقع حوالي 80 كم إلى الغرب من عدن، وفي عام 1999 خلال المسوحات الميدانية في الموقع، اتضح وجود مجموعة من المواقع الساحلية، وهي عبارة عن أكوام من الصدف البحري تمثل مستوطنات ومحطات خلّفها الصيادون وجامعو القواقع لفترات زمنية مختلفة، تغطي كل العهود الأثرية للمنطقة منذ العصر الحجري الحديث وصولا إلى العصور الوسطى.

خامساً: أهم المواقع.

موقع كود قهيو:

تم التنقيب فيه عام 2000م عبر المجسات الاختبارية وتعدّه البعثة المشتركة بأنه الأكثر أهمية؛ إذ لا يمكن مقارنته مع أي موقع معروف في كل شبه الجزيرة العربية، وذلك من حيث الحجم وكثقافة المخلفات الأثرية التي تعتبر ممثلة لكل الفترات التاريخية ([18]).

ان مستوطنة "قهيو" تغطي مساحة 1.5 كم ويقع إلى الجنوب من وادي مرخة، وحوالي 2 كم إلى الغرب من الساحل الحالي للبحيرة وشكله يبدو كجبل كبير ارتفاعه حوالي 13.5 متر، طبقاته الأثرية كونت كتلة سمكها 7 أمتار تمت دراستها بدقة عبر عدة خنادق اختبارية، أهمها الخندق المدرج بطول 48م وعرض 3م (شكل رقم 7) إن المخلفات الأثرية لموقع "قهيو" تنقسم إلى 21 سوية أثرية، أقدمها تعود إلى العصر الحجري الحديث، الموقع يرجع تاريخه بحسب معطيات الكربون المشع إلى الألف الخامس-الألف الرابع ق.م، ومخلفاته تتكون من: أصداف، بقايا سمكية، بقايا حيوانية، فضلا عن الرماد والبقايا الحجرية. ومن خلال مقارنة مكوناته الأثرية بمواقع أخرى، فقد لوحظتْ مظاهر لاقتصاد أكثر تخصصا وذلك عبر:

- ندرة البقايا العظمية للأسماك، وإن وجدت فهي للأنواع الكبيرة.

- عدم توفر ثقالات شباك الصيد الثقيلة.

- عدم وجود الخطاطيف الكبيرة اللازمة لصيد الأسماك الكبيرة، إذ لا بد إن عملية الصيد قد تمت بطرق أُخرى، ربما بواسطة الحراب([19]).

موقع النبوة:

يقع في أطراف عدن الغربية، حيث قامت البعثة المشتركة بمسح مكثف في منطقة الموقع مما أدى إلى كشف ثلاثة مواقع للاستيطان تم التنقيب فيها بواسطة الحفر الاختباري ومن ثم دراستها وهي:" النبوة 2"، "النبوة3"؛ و" النبوة4" ويعد "النبوة2" الأكثر أهمية، لأنه يحتوي على إستراتجرافيا تتكون من 7 طبقات أثرية وعلى الأقل 16 منطقة سكنية (شكل رقم 2)، وبالتالي ما يتبع ذلك من غنىً بالمواد الأثرية. وقد تم فيها حفر عدة خنادق اختبارية أكبرها مساحته 60م2 وعمقها الأقصى يصل إلى 4.5 م ([20]).

ومن خلال دراسة المخلفات الأثرية اتضح أن الموقع يحتوي من الناحية التاريخية على فترتين تاريخيتين: الطبقات العليا (2-6) تعود إلى عصر البرونز منذ أواخر الألف الثالث-النصف الأول من الألف الثاني ق.م، والطبقات السفلى (10-12) تشكل الفترة الأقدم في المواقع التي تعود إلى أواخر الألف الرابع-الألف الثالث ق.م للعصر الحجري الحديث المتأخر. ومن ذلك يتضح لنا أن المخلفات المادية لهذا الموقع تقدم معطيات لمستوطنات بشرية استقرت في شاطئ خليج عدن منذ حوالي الألف الرابع-منتصف الألف الثاني ق.م. ([21]).

 

(الجزء الأول)

(الجزء الثاني)

(الجزء الرابع)


([1]) Bailey et al.2007:1

([2]) Coon 1943:187

([3]) Bailey et al.2007

([4]) Whalen &Schatte1997 Figs.1-2

([5]) Whalen 1993:2

([6]) Gabunia، and Vekuna 1995:509

([7]) Swisher et al.1994:1118

([8]) إنيزان 2007:19

([9]) Bailey et al 2007:1; Whalen and Schatte1997:9

([10]) Whalen and Schatte 1997:1-4

([11]) Whalen،1993-1994:3

([12]) Amirkhanov 2006:605

([13]) Abbate et al. 1998: 458-460

([14]) Amirkhanov 2006:599)؛ فوغت 2003:19

([15]) Amirkhanov2006Fig.218:511; Vogt 1999-2000:42

([16]) Vogt 1999-2000:42

([17]) Vogt 1999-2000:43-44;Tosi 1985:369; Amirkhanov 2006:623

([18]) Amirkhanov 2006:623

([19]) فوغت 2003:19

([20]) Amirkhanov 2006:622

([21]) Amirkhanov 2006:622-3

التعليقات (0)