قصة إسلام عمر رضي الله عنه.. روايات وملاحظات (2)

قصة إسلام عمر رضي الله عنه.. روايات وملاحظات

(الجزء الثاني)

قَالَ: فَرَجَعَ عُمَرُ عَامِدًا إلَى أُخْتِهِ وَخَتَنِهِ، وَعِنْدَهُمَا خَبَّابُ بْنُ الأَرَتِّ مَعَهُ صَحِيفَةٌ، فِيهَا: ﴿طه﴾ يُقْرِئُهُمَا إيَّاهَا، فَلَمَّا سَمِعُوا حِسَّ عُمَرَ، تَغَيَّبْ خَبَّابٌ فِي مِخْدَعٍ لَهُمْ، أَوْ فِي بَعْضِ الْبَيْتِ، وَأَخَذَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ الصَّحِيفَةَ فَجَعَلَتْهَا تَحْتَ فَخِذِهَا، وَقْدَ سَمِعَ عُمَرُ حِينَ دَنَا إلَى الْبَيْتِ قِرَاءَةَ خَبَّابٍ عَلَيْهِمَا، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: مَا هَذِهِ الْهَيْنَمَةُ الَّتِي سَمِعْتُ؟ قَالَا لَهُ: مَا سَمِعْتَ شَيْئًا. قَالَ: بَلَى وَاللَّهِ، لَقَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّكُمَا تَابَعْتُمَا مُحَمَّدًا عَلَى دِينِهِ. وَبَطَشَ بِخَتَنِهِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، فَقَامَتْ إلَيْهِ أُخْتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ لَتَكُفَّهُ عَنْ زَوْجِهَا، فَضَرَبَهَا فَشَجَّهَا، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ قَالَتْ لَهُ أُخْتُهُ وَخَتَنُهُ: نَعَمْ قَدْ أَسْلَمْنَا وَآمَنَّا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ.

فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا بِأُخْتِهِ مِنَ الدَّمِ نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ، فَارْعَوى[7]، وَقَالَ لأُخْتِهِ: أَعْطِينِي هَذِهِ الصَّحِيفَةَ الَّتِي سَمِعْتُكُمْ تَقْرَءُونَ آنِفًا أَنْظُرْ مَا هَذَا الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ. وَكَانَ عُمَرُ كَاتِبًا، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ، قَالَتْ لَهُ أُخْتُهُ: إنَّا نَخْشَاكَ عَلَيْهَا. قَالَ: لَا تَخَافِي. وَحَلَفَ لَهَا بِآلِهَتِهِ لَيَرُدَّنَّهَا إذَا قَرَأَهَا إلَيْهَا، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ، طَمِعَتْ فِي إسْلَامِهِ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَخِي، إنَّكَ نَجِسٌ، عَلَى شِرْكِكَ، وَإِنَّهُ لَا يَمَسُّهَا إلَّا الطَّاهِرُ. فَقَامَ عُمَرُ فَاغْتَسَلَ، فَأَعْطَتْهُ الصَّحِيفَةَ، وَفِيهَا: ﴿طه﴾. فَقَرَأَهَا، فَلَمَّا قَرَأَ مِنْهَا صَدْرًا، قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَكْرَمَهُ! فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ خَبَّابٌ خَرَجَ إلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عُمَرُ، وَاللَّهِ إنِّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللهُ قَدْ خَصَّكَ بِدَعْوَةِ نَبِيَّهُ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ أَمْسَ وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَيِّدِ الإِسْلَامَ بِأَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ، أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ». فالله اللهَ يَا عُمَرُ. فَقَالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ عُمَرُ: فَدُلَّنِي يَا خَبَّابُ عَلَى مُحَمَّدٍ حَتَّى آتِيَهُ فَأُسْلِمَ. فَقَالَ لَهُ خَبَّابٌ: هُوَ فِي بَيْتٍ عِنْدَ الصَّفَا، مَعَهُ فِيهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. فَأَخَذَ عُمَرُ سَيْفَهُ فَتَوَشَّحَهُ، ثُمَّ عَمَدَ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ، فَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الْبَابَ، فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ، قَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَنَظَرَ مِنْ خَلَلِ الْبَابِ فَرَآهُ مُتَوَشِّحًا السَّيْفَ، فَرَجَعَ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فَزِعٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُتَوَشِّحًا السَّيْفَ. فَقَالَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: فَأْذَنْ لَهُ، فَإِنْ كَانَ جَاءَ يُرِيدُ خَيْرًا بَذَلْنَاهُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ جَاءَ يُرِيدُ شَرًّا قَتَلْنَاهُ بِسَيْفِهِ.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "ائْذَنْ لَهُ". فَأَذِنَ لَهُ الرَّجُلُ، وَنَهَضَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى لَقِيَهُ فِي الْحُجْرَةِ، فَأَخَذَ حُجْزَتَهُ[8]، أَوْ بِمِجْمَعِ رِدَائِهِ، ثُمَّ جَبَذَهُ بِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: «مَا جَاءَ بِكَ يَابْنَ الخَطَّابِ؟ فَوَاللهِ مَا أَرَى أَنْ تَنْتَهِيَ حَتَّى يُنْزِلَ اللهُ بِكَ قَارِعَةً». فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، جِئْتُكَ لأُومِنَ باللهِ وَبِرَسُولِهِ، وَبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللهِ. قَالَ: فَكَبَّرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَكْبِيرَةً عَرَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ عُمَرَ قَدْ أَسْلَمَ. فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَانِهِمْ، وَقَدْ عَزُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ حِينَ أَسْلَمَ عُمَرُ مَعَ إسْلَامِ حَمْزَةَ، وَعَرَفُوا أَنَّهُمَا سَيَمْنَعَانِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَيَنْتَصِفُونَ بِهِمَا مِنْ عَدُوِّهِمْ. فَهَذَا حَدِيثُ الرُّوَاةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ إسْلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ أَسْلَمَ[9].

ورواية خامسة رواها ابن عساكر في تاريخه:

قال ابن عساكر: أخبرنا أبو البركات الأنماطي، أنا أبو الفضل بن خيرون، أنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن، أنا أبو جعفر محمد بن عثمان، نا عبد الحميد بن صالح، نا محمد بن أبان، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سألت عمر بن الخطاب: «لأَيِّ شَيْءٍ سُمِّيتَ الْفَارُوقَ؟ قَالَ: أَسْلَمَ حَمْزَةُ قَبْلِي بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ، قَالَ: فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَسْرَعَ أَبُو جَهْلٍ إِلَى نَبِيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَسُبُّهُ، قَالَ: فَلَمَّا رَجَعَ حَمْزَةُ أُخْبِرَ، قَالَ: فَرَفَعَ رِدَاءَهُ وَأَخَذَ قَوْسَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ إِلَى حَلْقَةِ قُرَيْشٍ الَّتِي فِيهَا أَبُو جَهْلٍ، قَالَ: فَاتَّكَأَ عَلَى قَوْسِهِ مُقَابِلَ أَبِي جَهْلٍ، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَعَرَفَ الشَّرَّ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَبَا عُمَارَةَ؟ قَالَ: فَرَفَعَ الْقَوْسَ فَضَرَبَ بِهَا أَخْدَعَيْهِ[10] فَقَطَعَهُ فَسَالَتِ الدِّمَاءُ، قَالَ: فَأَصْلَحَتْ ذَلِكَ قُرَيْشٌ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ قَائِدَةٌ. قَالَ: وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُخْتَفٍ فِي دَارِ أَرْقَمَ بْنِ أَبِي الأَرْقَمِ الْمَخْزُومِيِّ، قَالَ: فَانْطَلَقَ حَمْزَةُ مُغْضَبًا حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَخَرَجْتُ بَعْدَهُ بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِذَا فُلانُ بْنُ فُلانٍ الْمَخْزُومِيُّ، فَقُلْتُ لَهُ: أَرَغِبْتَ عَنْ دِينِ آبَائِكَ وَاتَّبَعْتَ دِينَ مُحَمَّدٍ؟ قال: إِنْ فَعَلْتُ فَقَدْ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ عَلَيْكَ حَقًّا مِنِّي. قَالَ: قُلْتُ: ومَنْ هُوَ؟ قَالَ: أُخْتُكَ وَخَتَنُكَ. قَالَ: فَانْطَلَقْتُ فَوَجَدْتُ الْبَابَ مُغْلَقًا، وَسَمِعْتُ هَمْهَمَةً، قَالَ: فَفُتِحَ لِي الْبَابَ فَدَخَلْتُ.

فَقُلْتُ: مَا هَذَا الَّذِي أَسْمَعُ عِنْدَكُمْ؟ قَالُوا: مَا سَمِعْتَ شَيْئًا. فَمَا زَالَ الْكَلَامُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، حَتَّى أَخَذْتُ بِرَأْسِ خَتَنِي فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً فَأَدْمَيْتُهُ، فَقَامَتْ إِلَيَّ أُخْتِي فَأَخَذَتْ بِرَأْسِي، فَقَالَتْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِكَ. قَالَ: فَاسْتَحْيَيْتُ حِينَ رَأَيْتُ الدِّمَاءَ، فَجَلَسْتُ، وَقُلْتُ: أَرُونِي هَذَا الْكِتَابَ. فَقَالَتْ أُخْتِي: إِنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونِ، فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقُمْ فَاغْتَسِلْ. قَالَ: فَقُمْتُ فَاغْتَسَلْتُ وَجِئْتُ فَجَلَسْتُ، فَأَخْرَجُوا إِلَيَّ صَحِيفَةً فِيهَا: «بسم الله الرحمن الرحيم» قُلْتُ: أَسْمَاءٌ طَاهِرَةٌ طَيِّبَةٌ. ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 1-7]، قَالَ: قُلْتُ: بِهَذَا جَاءَ مُوسَى؟ ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: 8]، فَتَعَظَّمَتْ فِي صَدْرِي، وَقُلْتُ: مِنْ هَذَا فَرَّتْ قُرَيْشٌ؟ ثُمَّ شَرَحَ اللهُ صَدْرِي لِلإِسْلامِ، فَقُلْتُ: ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. قال: فَمَا فِي الْأَرْضِ نَسَمَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

قُلْتُ: أَيْنَ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَتْ: عَلَيْكَ عَهْدُ اللهِ وَمِيثَاقُهُ أَنْ لَا تهيجه بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَإِنَّهُ فِي دَارِ أَرْقَمَ بْنِ أَبِي الأَرْقَمِ فِي دَارٍ عِنْدَ الصَّفَا، فَأَتَيْتُ الدَّارَ وَحَمْزَةُ وَأَصْحَابُهُ جُلُوسٌ فِي الدَّارِ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْبَيْتِ فَضَرَبْتُ الْبَابَ فَاسْتَجْمَعَ الْقَوْمُ، فَقَالَ لَهُمْ حَمْزَةُ: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ. قَالَ: وَعُمَر بْن الْخَطَّابِ؟ افْتَحُوا لَهُ الْبَابَ فَإِنْ أَقْبَلَ قَبِلْنَا مِنْهُ، وَإِنْ أَدْبَرَ قَتَلْنَاهُ. فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «مَا لَكُمْ؟» قَالُوا: عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ. قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخَذَ بِمَجَامِعِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ نَثَرَهُ نَثْرَةً فَمَا تَمَالَكَ أَنْ وَقَعَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فِي الْأَرْضِ، فَقَالَ: «مَا أَنْتَ بِمُنْتَهٍ يَا عُمَرُ؟» قَالَ: قُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قال: فَكَبَّرَ أَهْلُ الدَّارِ تَكْبِيرَةً سَمِعَهَا أَهْلُ الْمَسْجِدِ. قلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ إِنْ مُتْنَا وَإِنْ حَيِينَا؟ قَالَ: «بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ عَلَى الْحَقِّ إِنْ مُتُّمْ وَإِنْ حَيِيتُمْ». قَالَ: فَقُلْنَا: فَفِيمَ الِاخْتِفَاءُ؟ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَتَخْرُجَنَّ. فَأَخْرَجْنَاهُ فِي صَفَّيْنِ؛ حَمْزَةُ فِي أَحَدِهِمَا، وَأَنَا فِي الْآخَرِ، لَهُ كَدِيدٌ[11]كَكَدِيدِ الطَّحِينِ، حَتَّى دَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، قَالَ: فَنَظَرَتْ إِليَّ قُرَيْشٌ وَإِلَى حَمْزَةَ، فَأَصَابَتْهُمْ كَآبَةٌ لَمْ يُصِبْهُمْ مِثْلَهَا، فَسَمَّانِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَئِذٍ الْفَارُوقَ، وَفَرَّقَ اللهُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ»[12].

فهذه بعض الروايات التي جاءت في قصة إسلام عمر، وهناك غيرها الكثير في كتب السيرة والتاريخ، والحقُّ أن كلَّ رواية على حِدَة تعاني ضعفًا في سندها من وجه من الوجوه، أو من عدَّة وجوه، ومع ذلك فلا بُدَّ أن ننظر إلى الملاحظات الآتية قبل أن نردَّ هذه الروايات المتعدِّدة.

الملاحظة الأولى: أنَّ القصة جاءت من طرق مختلفة؛ فقد روى حديثَ أسلم رضي الله عنه مولى آل عمر البزارُ والطبرانيُّ وأبو نعيم والبيهقيُّ، وروى الدارقطنيُّ القصةَ من حديث أنس رضي الله عنه، ورواها كذلك ابنُ عساكر والبيهقيُّ عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأبو نعيم عن طلحة وعائشة رضي الله عنهما، كلهم عن عمر نحوه، فهذه الطرق الكثيرة تُؤَكِّد أن للقصة أصلًا، وهي طرق يُعَضِّد بعضها بعضًا، وهو ما جعل الزرقاني رحمه الله في شرحه للمواهب اللدنية يُؤَكِّد أنَّ هذه القصة كانت سبيل إسلام عمر[13]. وإلى هذا ذهب مجدي فتحي السيد -أيضًا- في تحقيقه لسيرة ابن هشام[14].

الملاحظة الثانية: أنَّ الضعفاء في سند هذه الروايات ليسوا متَّهمين بالكذب أو الوضع، فعلى سبيل المثال نجد أن أحد عِلل هذه الروايات هو أسامة بن زيد بن أسلم، وهو فعلًا ضعيف؛ ولكن من جهة سوء حفظه، وهذا لا يعني أنَّ القصة التي يرويها لم تحدث أصلًا؛ إنَّما يعني أنَّه قد يكون بها بعض الألفاظ التي لم يقلها شيخ أسامة، وشيخ أسامة هو أبوه زيد بن أسلم، وهو عالمٌ ثقةٌ ثبت من المفسِّرين المعروفين، وبالإضافة إلى ذلك فهناك علماء كبار مثل ابن ماجه وابن المبارك رووا عن أسامة بن زيد مباشرةً، دلالةً على قبولهم لروايته، وأنَّه لم يكن في أعينهم شديد الضعف، ولقد قال عنه الذهبي في كتابه المغني في الضعفاء: «رجلٌ صالحٌ ضعَّفه أحمد بن حنبل وغيره لسوء حفظه»[15]. ونقل ابن حجر رحمه الله أنَّ عثمان الدارمي قال عنه: «ليس به بأس». وأنَّ أبا حاتم قال عنه: «يُكْتَبُ حديثُه ولا يحتجُّ به»، ولكن يبدو أنَّ هناك خَلْطًا عند ابن حجر بين هذا الراوي وراوٍ آخر هو أسامة بن زيد الليثي[16]. ومع ذلك فقد قال ابن عدي عنه: «لم أجد لأسامة بن زيد حديثًا منكرًا لا إسنادًا ولا متنًا، وأرجو أنَّه صالح»[17]. وليس معنى كلِّ ذلك أنَّه مقبول الحديث؛ ولكن أقول: إنَّه يحتاج إلى رواياتٍ أخرى من طرقٍ أخرى تُعضِّد روايته، وهذه هي الحال في موقفنا عند الحديث عن قصَّة إسلام عمر.

وضعيفٌ آخر من الضعفاء في هذه الروايات هو القاسم بن عثمان البصري، فبينما قال العقيلي عنه في «الضعفاء»: إنَّه لا يتابع على حديثه[18]. ذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: «ربما أخطأ»[19].

هذه الملاحظة لا ترفع هؤلاء الضعفاء إلى درجة الصحَّة؛ ولكن لا تجعلنا نتشدَّد في رفض الرواية؛ خاصَّةً إذا رأينا اجتماعهم من طرقٍ مختلفةٍ على ذكر الرواية نفسها، وبالنسق والترتيب ذاتهما تقريبًا.

الملاحظة الثالثة: أنَّ عامَّة العلماء الذين كتبوا في حياة الصحابة أو السيرة النبويَّة قد استراحوا إلى ضمِّ هذه القصة في كتبهم؛ نذكر منهم على سبيل المثال: ابن حجر في الإصابة، وابن عبد البر في الاستيعاب، وابن الأثير في أسد الغابة، وابن الجوزي في المنتظم، وابن كثير في البداية والنهاية، والسهيلي في الروض الأنف، والصالحي الشامي في سبل الهدى والرشاد، رحمهم الله جميعًا، وغيرهم كثير[20].

الملاحظة الرابعة: فهي أنه ليس لدينا قصة أخرى بديلة مشتهرة تناقض هذه الرواية، أو تُوَضِّح لنا أمرًا مخالفًا لها، مع الأخذ في الاعتبار أن إسلام عمر ليس أمرًا بسيطًا من أمور السيرة؛ بل هو محطة تحوُّل، وحجر زاوية في الطريق، ولو كان الأمر خلاف هذه القصة لذاعت القصة الحقيقية؛ لأن جميع التابعين كانوا سيسألون الصحابة عنها، فسكوت الجميع عن مثل هذا الحدث يُطمئِن النفسَ إلى أن القصة المشتهرة صحيحة، ولو اختلف فيها بعض الألفاظ عن الحقيقة.

الملاحظة الخامسة: هي أنَّ القصة لا تتنافى مطلقًا مع ما نعرفه عن أحداث المرحلة، ولا تتنافى مع ما نعرفه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أو غيره ممَّن وردت أسماؤهم في القصة، وبالتالي فقبول معاني القصَّة أمرٌ منطقي، ويُمكن أن يُفَسِّر لنا ما خفي علينا في أحداث هذه المرحلة.

الملاحظة السادسة والأخيرة: فهي أنَّ الألفاظ التي جاءت في الروايات المختلفة هي ألفاظٌ قريبةٌ جدًّا؛ بل متطابقة مع الألفاظ التي كانت تُستخدم في ذلك الزمن، وطريقة الحوار كذلك، والتعليقات والإشارات، وكل هذا يُوحي بصدق الرواية، فليس فيها لفظٌ منكر، أو شيءٌ تشعر النفس معه بالكذب أو الوضع، ممَّا يُطمئن القارئ للرواية أنَّها حدثت على هذه الصورة، أو قريبًا منها..

وعمومًا فإنَّنا لا نأخذ من هذه القصَّة أحكامًا فقهيَّة معيَّنة؛ إنَّما فقط نستلهم بعض الطرق الدعويَّة، وبعض الدروس التربويَّة، وهي كلُّها غير متعارضة مع ما نعرفه من كلام رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، أو سلوك الصحابة رضي الله عنهم، فلا ضير -إن شاء الله- من الاستعانة بهذه القصَّة برواياتها المتعدِّدة..

(الجزء الأول)


موقع قصة الإسلام

[1] ختنك: خَتَنُ الرجل المتزوِّج بابنته أو بأخته.

[2] أبو نعيم: معرفة الصحابة، 6/3410.

[3] ذَامِرًا: مُتَهَدِّدًا.

[4] الهينمة: الصوت الخفي.

[5] البيهقي: دلائل النبوة، 2/219، 220، والدارقطني: سنن الدارقطني، (441)، وابن عساكر: تاريخ دمشق 44/35.

[6] البزار: البحر الزخار 1/403، وابن عساكر: تاريخ دمشق 44/33، وقال الهيثمي: رواه البزار، وفيه أسامة بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف. انظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 9/64.

[7] ارعوى عن القبيح: كف عنه ورجع.

[8] حُجْزة الإزار جَنَبته، ومَشَدِّه، وقيل: حُجْزة الإنسان مَعْقِد السراويل.

[9] ابن إسحاق: السير والمغازي، ص181-184، وابن هشام: السيرة النبوية 1/343-346، وابن كثير: البداية والنهاية 3/100، 101.

[10] الأخدعان: عرقان في جانبي العنق وهما شعبتان من الوريد.

[11] كَدِيدٌ كَكَدِيدِ الطَّحين: الكديد التراب الناعم فإذا وُطِئَ ثار غُباره؛ أراد أنهم كانوا في جماعة وأن الغبار كان يَثُور من مشيهم. وكَدِيدٌ فعيل بمعنى مفعول والطحينُ المطحون المدقوق، وكَدَّدَ الرجلُ إذا أَلقَى الكَدِيدَ بعضه على بعض، وهو الجَرِيشُ من الملح، والكَدِيدُ صوتُ الملحِ الجريش إِذا صُبَّ بعضه على بعض.

[12] ابن عساكر: تاريخ دمشق 44/29-31.

[13] شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية 2/10.

[14] قال مجدي فتحي السيد: حديث حسن. انظر: سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، 1/431-435.

[15] الذهبي: المغني في الضعفاء 1/66.

[16] انظر: ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب 1/207. وقال ابن حجر العسقلاني: ضعيف من قبل حفظه. انظر: تقريب التهذيب، ص98. قال بشار عواد معروف، محقِّق تهذيب الكمال: وَقَال الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب: 1 /207»: «وقال عثمان الدارمي عنه -يعني عن يحيى- ليس به بأس». قال بشار: «وهو وهم فاحش إنما هذه مقولته في أسامة بن زيد الليثي، وأصل الخبر في تاريخ الدارمي هو: قلت: وأسامة بن زيد الصغير -أعني ابن أسلم-؟ فقال: ضعيف. قال: وسمعته يقول أسامة بن زيد الصغير ليس هو الليثي الذي يروي عن جعفر بن عون وغيره؛ إنَّما هم ثلاثة: أسامة ابن زيد، وعبد الله بن زيد، وعبد الرحمن بن زيد». تهذيب الكمال في أسماء الرجال 2/335.

[17] ابن عدي: الكامل في ضعفاء الرجال 2/82.

[18] العقيلي: الضعفاء الكبير 3/480.

[19] ابن حبان: الثقات 5/307.

[20] ابن عبد البر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب 3/1144-1159، والسهيلي: الروض الأنف 3/161-170، وابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم 4/132- 135، وابن الأثير: أسد الغابة 4/138-144، وابن كثير: البداية والنهاية 3/99-103، وابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة 4/484، 486، والصالحي الشامي: سبل الهدى والرشاد 2/370- 376. ابن هشام: السيرة النبوية 1/343-346، وأبو نعيم: معرفة الصحابة، 6/3410، والبيهقي: دلائل النبوة، 2/219، 220، والدارقطني: سنن الدارقطني، (441)، وابن عساكر: تاريخ دمشق 44/29-35.

التعليقات (0)