موضوعات عن العمارة في جنوب شبة الجزيرة العربية (اليمن القديم) (3)

موضوعات عن العمارة في جنوب شبة الجزيرة العربية (اليمن القديم) (3)

استعرضنا في الموضوع السابق التخطيط المعماري لمدن جنوب شبه الجزيرة العربية القديمة، ويُعدّ التخطيط المعماري أحد الخصائص المعمارية المميزة لتلك المدن القديمة، ولكن قبل الخوض في تفاصيل الخصائص المعمارية المميزة للمدن، سنستعرض في موضوعنا هذا مكونات مدن جنوب شبه الجزيرة العربية القديمة، التي من خلالها سيتم لاحقًا – إن شاء الله – توضيح الخصائص المعمارية المميزة لتلك المدن، وبعدها سنستعرض الأنماط المعمارية المختلفة للبناء، وأساليب البناء وتقنياته المتعددة، فضلاً عن الخصائص المعمارية المميزة للعمارة البيئية التقليدية في عددٍ من المدن اليمنية المتواترة، التي تعد نموذجًا رائعًا لتعامل الإنسان مع بيئته المحيطة به.

مكونات مدن جنوب شبة الجزيرة العربية القديمة:

إنَّ الحديث عن حصر مدن جنوب شبه الجزيرة العربية القديمة، وتوقيت ظهورها والسبق الزمني لكل منها لا يزال يكتنفه الكثير من الغموض؛ لأنَّ النقوش التي تم تدوينها في تلك الحقبة الزمنية لم تهتم كثيرًا بالتاريخ الزمني، وقد تعرض كثيرٌ منها للتلف أو الضياع أو الطمس من قبل الآخرين – قديمًا وحديثًا – لأسباب مختلفة، كما أن الكتابات التاريخية القديمة لم تظهر إلا في مدة متأخرة من العصور القديمة، وأنَّ المؤرخين القدماء كانوا يعتمدون في كتاباتهم عن المدن القديمة على الروايات المتناثرة التي تتأرجح بشكل غير محدد بين الحقيقة والمبالغة والأسطورة، ولم يكن بمقدور كثير من المؤرخين القدماء تحقيق المعلومات التي كانوا يجمعونها، بل قد لا يرى بعضهم ضرورة في أن يقوم بمثل هذا التحقيق، فضلاً عن أن هؤلاء المؤرخين لم يكتبوا إلا عن مدن أثارت انتباههم أو استطاعوا الوصول إليها أو سمعوا عنها، ومن هنا فإن هذه الكتابات – حتى إذا تغاضينا عما جاء فيها من عيوب في جمع المعلومات أو تدوينها – لا يمكن أن تعطينا حصرًا دقيقًا لكافة المدن التي ظهرت في العصور القديمة في جنوب شبه الجزيرة العربية (قمت بعمل حصر لأهم المدن، سأقوم بنشرها لاحقًا، وأتمنى – عند نشرها – أن يقوم المختصون بإضافة المدن التي لم تذكر فيها لتعم الفائدة).

ومن خلال الشواهد الأثرية في المدن المكتشفة والنقوش التي تم ترجمتها من قبل العلماء والباحثين، سعينا إلى تحديد بعض المكونات المعمارية لمدن جنوب شبه الجزيرة العربية القديمة، يمكن تشخيصها بين الشاهد الحي المؤكد أو المفترض الحتمي، بما في ذلك المفترض المجاز، أو ما يمكن اعتباره واردًا وفق الخصائص التجارية والإدارية، بما في ذلك الخصائص الاقتصادية والثقافية للمدينة من ناحية وتأمين مواردها من خارج حدود أسوارها من ناحية أخرى، وفي هذا الخصوص يمكن حصر مكونات المدينة القديمة وفق الآتي:

أولاً: مكونات داخل أسوار المدن .

‌أ- مكونات واضحة المعالم، ولها ذكر في النقوش.

‌ب- مكونات لم تذكر وليس لها شواهد واضحة المعالم ولكن حتمية وجودها مؤكدة.

‌ج- مكونات لم تذكر وليس لها شواهد واضحة المعالم ولكن وجودها له منطق الفرض.

ثانيًا: مكونات خارج أسوار المدن.

أولاً: مكونات داخل أسوار المدن.

أ- مكونات واضحة المعالم ولها ذكر في النقوش.

1- السور بمكوناته (الجدران، البوابات، الأبراج).

يُعدّ السور احد أهم مقومات المدينة القديمة؛ إذ تحاط المدينة بسور كلي أو جزئي بحسب طبيعة المنطقة، التي وجدت فيها هذه المدينة، وأن بعض المدن غير المسورة في المناطق الجبلية الوعرة، تشكل التضاريس الطبيعية للمدينة سورًا منيعًا يصعب اختراقه.

وقد وجد أن البدايات الأولى لبناء الأسوار في جنوب شبه الجزيرة العربية تعود إلى العصر البرونزي؛ إذ كشفت الأبحاث الأثرية عن مستوطنات مكونه من صف من الحجرات المتصلة ببعضها على شكل بيضاوي وتشكل جدرانها الخارجية سورًا للساحة الداخلية للمستوطنة، كمستوطنات خولان الطيال، وأثبتت تنقيبات البعثة الإيطالية لموقع يلا - الدريب بأن للمدينة قبل توسعها سورًا قديمًا يتكون من البيوت الخارجية المستوطنة، شيدت متلاصقة لتشكل طوقًا حولها مع وجود فتحات قليلة أغلقت بجدران منفصلة، ووجد أن الجدران الخارجية لتلك البيوت شيدت من المواد التي استخدمت لبناء السور(ديمجرية، 1988م، ص31)، هذا النوع من الدفاعات، يعدُّ من أقدم أنواع التسوير على مستوى الحضارات القديمة في العالم، وقد وجد في كثير من مستوطنات العالم القديم، ومنها المستوطنات التي وجدت في افريقيا (de Maigret, 2002, P 268-269).

وهو يسبق أسوار التطويق الفعلية، وقد اُستعمل في كثير من مدن جنوب شبه الجزيرة العربية منها هجر خمومه وهجر هربت وهجر ضليمين (الأشكال 1-3)، وما زال هذا النوع من الأسوار قيد الاستعمال إلى اليوم، ونجده على سبيل المثال في مدينة شبام حضرموت التي تسمى حديثًا بالمدينة المسورة [Walled City] (شكل 4)، ثم تطورت الأسوار لتصبح جدران منفصلة تشيد من الحجر أو التراب، حول المستوطنات والمدن، كتلك الأسوار التي تم اكتشافها حول هجر أبي زيد في (وادي مرخة ويلا الدريب والسبال وحمة القاع في المرتفعات)، الوسطى (ديمجرية، 1988م، ص 29 - 31).

وتعيد النقوش المكتشفة – حتى الآن – تاريخ بداية بناء الأسوار الدفاعية الحرة التي تحدد حدود المستوطنات إلى القرن الثامن قبل الميلاد، وهناك نقوش عدة وجدت مكتوبة على كُتل حجارة الأسوار، أقدمها التي كتبت من قبل (يتع أمر بين ابن سمهو علي) أحد أقدم مكربي  سبأ في نهاية القرن الثامن قبل الميلاد، وازداد بناء الأسوار مع وصول الملك (كرب إل وتر ابن ذمار علي) إلى عرش سبأ في بداية القرن السابع قبل الميلاد الذي اشتهر ببناء التحصينات الشاملة، التي شيدت حول المدن مثل: مدينة مأرب ودون ذلك في نقوش وجدت على أسوارها تخبرنا عن تاريخ بنائها (de Maigret, 2002, P. 271)، ثم انتشرت في مدن ممالك جنوب شبه الجزيرة العربية الأخرى، كمدن ممالك معين وقتبان وحضرموت، ووصل تطور بناء أسوار المدن ذروته في المدن الرئيسة على خط طريق القوافل الذي يربط  جنوب شبه الجزيرة العربية بشمالها.

2- المباني السكنية:

المبنى السكني هو الوحدة الأساسية لتكوين بنية المدينة، بني في البداية بشكل منفصل وغير منتظم التراص، وكانت المباني السكنية تنتشر على أطراف قصبة المدينة وسوقها، وفي مراحل متعاقبة توسع البناء فتلاصقت وتجاورت، وفصلتها عن بعضها أزقة ضيقة، كما هو الحال في العديد من المدن القديمة المنشأ المستمرة (المتواترة) كصنعاء وشبام حضرموت وشبام كوكبان.

3- المعبد الرئيس والمعابد الأخرى:

تكمن أهمية المعبد في كونه المكان المقدس الذي يرتاده الناس للعبادة وتقديم القرابين والالتماس للآلهة؛ ليحقق لهم آمالهم وأمانيهم، بل إنَّ المعابد كانت تقوم بدور المراكز الإدارية، فتحفظ فيها السجلات الخاصة بالأراضي، ونسخ من الملكية والعقود العامة والخاصة، التي كانت تنقش على ألواح حجرية وتوضع على جدرانها، وقد تمت الإشارة إلى المعبد في نقوش جنوب شبه الجزيرة العربية القديمة بلفظ "بيت" فكان يقال بيت سين والمقصود معبد الإله سين (علي، 1971م، ص409)، وذكر أيضاً بلفظ محرم.

وقد لعب المعبد دورًا بارزًا في مختلف مجالات الحياة، فلكل منطقة ولكل شعب معابده الخاصة به، بل إنَّ هناك أكثر من معبد نجده في المدينة الواحدة، خُصِصَ بعضها لعدد من الآلهة وخُصِصَ بعضه الآخر لعبادة إله واحد معين، وقد عُثِرَ على أنماط مختلفة من المنشآت الدينية، أمكن من خلالها تمييز ثلاثة أنواع من المعابد على أراضي الممالك الكبرى:

المعابد داخل الأسوار ويعتقد أنها أكثر عددًا مما تسمح بافتراضه البقايا الأثرية.

المعابد خارج الأسوار وقد كانت قائمة على مسافة قريبة من أسوار المدن.

الحرم المعزولة ترتبط غالبًا بطقوس اتحادية أو بحج قومي وتتواجد بصورة شبه منتظمة على كل الأراضي.

وعند تتبعنا لموقع المعبد بالنسبة لمخططات بعض المدن التي تم التنقيب فيها حتى الآن، وجدنا أن الموقع يختلف باختلاف المملكة التي يتبعها والمدة الزمنية التي أنشئ خلالها؛ إذ وجد أن المعبد في المدن السبئية يقع شرقي المدينة، مثل: (معابد مدن صرواح ومارب في الركن الجنوبي الشرقي) وفي المدن المعينية والحضرمية في شمال المدينة، مثل: (معابد مدن الجوف قرناو ويثل وخربة هرم وشبوة) .

وأعتقد أن سبب تغير موقع المعبد في مدن جنوب شبه الجزيرة العربية القديمة يعود إلى تغير موقع المدينة الجغرافي بالنسبة إلى الاتجاهات الأصلية؛ لارتباط ديانات تلك المدن قبل الإسلام بالأجرام السماوية.

4- القصر:

ارتبط القصر في مدن جنوب شبه الجزيرة العربية القديمة بالحاكم، وبالمعاني الرمزية المتعلقة به، فهو مقر الحاكم في المدينة العاصمة أو مقر القيل أو الكبير في عاصمة الإقليم وفي الوقت نفسه هو السكن للحاكم وأسرته، ومنه تدار شؤون المملكة أو الإقليم.

5- السوق:

تمثل الأسواق النواة الرئيسية لأغلب مدن جنوب شبه الجزيرة العربية القديمة، والجزء الرئيس في تكوين قصبة المدينة؛  وذلك لارتباطها بالحياة الاقتصادية والاجتماعية للمجموعات البشرية، وهو عبارة عن مساحة واسعة توجد داخل أسوار المدينة، وتحيط بها المحلات التجارية، وتوجد فيه مخازن للبضاعة، وهناك أسواق عامة تقام خارج أسوار المدينة، وهي أسواق أسبوعية أو مرتبطة بمناسبات عامة.

6- قصبة المدينة (الشارع الرئيس):

تميزت مدن جنوب شبه الجزيرة العربية القديمة بوجود شارع رئيسي طولي أو عرضي يبدأ من المدخل الرئيس وينتهي في نهاية المدينة أو عند المدخل المقابل – قد يوجد أكثر من شارع رئيس في بعض المدن، كما هو الحال في مدن شبوة وتمنع، وغالبًا ما كانت هذه الشوارع مبلطة بالأحجار.

7- الحارات المنفصلة:

تتشكل المدينة من حارات منفصلة يتم الوصول إليها عبر شبكة من الأزقة الضيقة تتقاطع مع الشارع الرئيس، تتميز كل حارة بخصائص ديموغرافية معينة تختلف عن غيرها من الحارات، ونجد هذا التقسيم في مدن شبوة، وتمنع، وشبام حضرموت، وصنعاء، ومارب، وشبام كوكبان، وغيرها من مدن جنوب شبه الجزيرة العربية القديمة.

8- الساحات الرئيسية والساحات الفرعية:

تحتوي المدينة على ساحة مركزية تتصل بالبوابة الرئيسة للمدينة، يطل عليها – غالبًا – قصر الملك أو الحاكم، وتستعمل سوقًا رئيسيًا للمدينة، كما يوجد في المدينة ساحات عامة – أقل مساحة من الساحة المركزية، تحيط بكل ساحة مجموعة من المساكن العالية لإعطاء الظل للساحات، وتستعمل متنفسًا للقاطنين، فضلاً عن استخدامها أسواقًا داخلية.

9- المساحات الخضراء (البساتين والحدائق):

تتركز عادة خارج المدن، إلا أن هناك دلائل تشير إلى وجودها داخل بعض المدن مثل مدينة صنعاء.

ب- مكونات لم تذكر وليس لها شواهد واضحة المعالم ولكن حتمية وجودها مؤكدة.

هذه المكونات كثيرة ومعظمها يأتي ضمن تكوين السوق وقصبة المدينة أو القصر والسور وبواباته مثل الخانات (السماسر)، والحانات، وورش النجارة والتعدين، ومعامل النسيج والحياكة، ومعاصر الزيت، وخزانة المال، ودور سك النقود وثكنات الجند.

ج- مكونات لم تذكر وليس لها شواهد واضحة المعالم ولكن وجودها له منطق الفرض. كمؤشرات يمكن احتمال وجود الحمام الساخن في مدن المرتفعات الجبلية العالية كناعط وصنعاء.

ثانيًا: مكونات خارج أسوار المدن.

لا يقتصر ارتباط المدينة بمحيطها الداخلي اقتصاديًا، واجتماعيًا، وثقافيًا وأمنيًا، بل يتعداه إلى محيطها الخارجي، فثمة مبانٍ ومنشآت خارج أسوار المدينة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمكوناتها الداخلية، وتكون وحدة متكاملة للمدينة القديمة، ومنها المنشآت الاقتصادية كالسدود (سد مارب وسد شاحك)، وقنوات الري (الأفلاج)، وصهاريج خزن الماء (كريف)، ومناجم التعدين وأفران إنتاج النورة والياجور، واستراحات القوافل على الطرقات، والمنشآت الدينية كمعابد الحرم، مثل:(معبدي أوام وبران في مارب)، والمقابر مثل: (المقابر الصخرية في شبام كوكبان، وشبام سخيم)، والمقابر المبنية المتعددة الطوابق في (مارب، وحيد بن عقيل)، والمنشآت العسكرية كالقلاع والحصون والأبراج .

 


المراجع:

1- ديمجرية، اليساندرو، 1988م، المجموعة المعمارية الأثرية السبئية في وادي يلا (خولان الطيال، الجمهورية العربية اليمنية) تقرير أولي، أسيميو، روما.

2- علي، جواد، 1971م، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ط1،  دار العلم للملايين،  بيروت ، ج6.

3- Breton, 1994, Avant Notre Ere, ABADY / Archaologisches Institut San’a, Mainz am Rhein.

4- de Maigret A., 2002, Arabia Felix, Stacey International, London

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات (0)