رحلة الطائف.. أسباب الاختيار

رحلة الطائف.. أسباب الاختيار

فكَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم -وللمرَّة الأولى منذ البعثة- أن ينطلق بدعوته خارج مكة، فيذهب إلى بلدٍ آخر يدعو أهله إلى الإسلام، ويطلب نصرتهم ومساندتهم، وقبل ذلك لم يكن يخرج من مكة.

لقد كانت أبواب الدعوة مفتوحة في مكة على الرغم من المشقَّة والإيذاء؛ لذا نجد الرسول صلى الله عليه وسلم لا يخرج منها لأنَّ الدعوة فيها أولى؛ حيث إنَّه من الضروري أن يبني قاعدةً صلبةً لأُمَّته، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتوقَّع أن تكون هذه القاعدة في مكة؛ لأنَّه بُعِث فيها، واختارها الله لتكون البداية، بالإضافة إلى أنَّ الأقربين أولى بالمعروف، والمسئوليَّة ناحية أهل البلد أسبق من المسئوليَّة نحو غيرهم، وكأنَّه يُعَلِّمنا أنَّ الداعية لا يترك مكانه إلَّا إذا استحالت عليه الدعوة فيه، أمَّا قبل ذلك فمكانه الأساسي مع القوم الذين يعيش معهم؛ أما الآن؛ وبعد المستجدَّات الكثيرة في مكة صارت المرحلة تتطلَّب بحثًا عن ميدانٍ جديدٍ من ميادين الدعوة، فالدعوة إلى الله يُمكن أن تتحوَّل من ميدان إلى ميدان آخر؛ لكنَّها لا يُمكن بحالٍ أن تقف وتتجمَّد.

ولا شكَّ أنَّ الاختيارات أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت كثيرة؛ فالقبائل العربيَّة متعدِّدة، ومدن وأقاليم الجزيرة العربيَّة متناثرة، وكان عليه أن يبدأ بإحداها، ثم ستصل الدعوة بعد ذلك إلى كلِّ مكانٍ إن شاء الله، فعلى أيِّ البلاد وقع اختياره صلى الله عليه وسلم؟

لقد اختار صلى الله عليه وسلم مدينة الطائف.

ولم يكن هذا الاختيار اختيارًا عشوائيًّا؛ بل كان اختيارًا مدروسًا؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم كان سياسيًّا بارعًا، وقائدًا محنَّكًا، يدرس كلَّ خطوةٍ بدقَّةٍ شديدة، فالطائف تتميَّز عن غيرها من مدن الجزيرة بعدَّة صفات:

فأولًا: تُعتبر الطائف هي المدينة الثانية في الجزيرة العربيَّة بعد مكة، ومركزًا حيويًّا مهمًّا من مراكز الكثافة السكانيَّة والتجارة، ولها مكانةٌ في قلوب العرب؛ حتى إنَّ المشركين كانوا يقولون: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا القُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31]، والقريتان هما مكة والطائف[1].

ثانيًا: تسكن في الطائف قبيلة ثقيف، وهي من أقوى القبائل العربيَّة، ولو آمنت لكانت سندًا عظيمًا للدعوة، بقوَّة جيشها، وكثرة عددها؛ خاصَّةً أنَّ الظاهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت أنَّ قريشًا ستظلُّ تُحارب الإسلام في المستقبل، وقد بلغ من قوَّة ثقيف أنَّها القبيلة الوحيدة التي استعصى على المسلمين بعد ذلك دخول بلدها عَنْوة[2] حتى جاء أهلها مسلمين طوعًا.

ثالثًا: كانت المنافسة الدينية بين مكة والطائف كبيرة، فمكة وإن كان بها البيت الحرام، وبها -أيضًا- الصنم الذي كان يُقَدِّسه كثيرٌ من العرب وهو هُبَل، فإنَّ الطائف كان بها صنمٌ آخر من أهمِّ أصنام العرب وهو اللات، وكثيرًا ما كان يُقْسِم به العرب على اختلاف قبائلهم، أمَّا صنم العُزَّى فكان في وادي نخلة على مقربةٍ -أيضًا- من الطائف، فلو ذهب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوته فلعلَّهم يدخلون فيها طمعًا في سحب البساط من تحت أقدام أهل مكة.

رابعًا: الطائف قريبة نسبيًّا من مكة؛ فالمسافة حوالي مائة كيلومتر، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يُريد أن يبعد كثيرًا عن مركزه الأول، الذي تعيش فيه طائفة كبيرة نسبيًّا من المؤمنين؛ فالتعاون والتنسيق بين المركزين سيكون أسهل لو كانت المسافة قريبة؛ خاصَّة في هذا الزمن الذي كانت فيه الانتقالات شاقَّة، والطرق وعرة.

خامسًا: كان لأغنياء قريش أملاك في الطائف، خاصَّةً بني هاشم وبني عبد شمس وكذلك بني مخزوم، فلو دخلت الطائف في الإسلام لكان ذلك ضربة اقتصاديَّة موجعة لقريش.

إذًا في الحسابات البشريَّة كانت الطائف مكانًا مناسبًا للدعوة؛ ومن ثَمَّ عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم العزم على الذهاب إلى هناك، وكان ذلك في شوال من السنة العاشرة من البعثة[3]، ولعلَّه من العجيب أن يكون ذلك بعد أقل من ثلاثة أشهر[4] من موت أبي طالب؛ لأنَّه من المعتاد عندنا أنَّه بعد المصائب الكبرى يأخذ المرء وقتًا كافيًا ليُعيد حساباته، ويُرَتِّب أوراقه، حتى يأخذ مسارًا جديدًا يُناسب الظرف الحالي؛ لكن هكذا كانت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيها مساحة سكون، ولا فترة راحة!

المسافة بين مكة والطائف كما ذكرنا مائة كيلومتر تقريبًا، وكانت الرحلة في أواخر شهر مايو وأوائل شهر يونيو سنة 620 ميلاديَّة[5]، وهذا يعني أنَّ درجة الحرارة كانت آخذة في الارتفاع؛ خاصَّةً في هذه المنطقة الصحراويَّة المشهورة بشدَّة الحرِّ، ومع ذلك فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قرَّر أن يقطع هذه المسافة ماشيًا على قدميه[6]! وقد يتعجَّب البعض لهذا الاختيار؛ خاصَّةً أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ليُعجزه أن يُوَفِّر دابَّةً ينطلق بها إلى هناك؛ ولكن الذي يبدو لي أنَّه لم يُرِدْ أن يلفت الأنظار إليه، وهذا من حنكته الأمنيَّة؛ لأنَّه لو رآه أحد المشركين يركب دابَّةً لشكَّ في سفره إلى مكانٍ ما، ولا شكَّ أنَّ المشركين سيكرهون سفر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أيِّ مكانٍ غير مكة؛ لأنَّ سفره يعني نَشْرَ الدعوة خارج البلد، وهذا ما لا يُريده الكفار؛ ومن ثَمَّ آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع هذه المسافة الطويلة سيرًا على الأقدام.

وللسبب ذاته فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأخذ معه كوكبةً من الصحابة لحمايته، ولم يأخذ فارسًا من الصحابة ليكون له سندًا؛ فلم يأخذ حمزة مثلًا، أو عمر، أو الزبير، أو سعد بن أبي وقاص، وكذلك لم يأخذ صديقه الأول أبا بكر الصديق رضي الله عنه؛ كل هذا لكي لا يلفت الأنظار إليه إذا رآه أحد المشركين؛ ولكنَّه أخذ معه غلامه زيد بن حارثة[7]، وكان -كما هو معلوم- قد أعتقه وتبنَّاه، وأطلق عليه زيد بن محمد، فرؤية زيد رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مستغربة، وفي الوقت نفسه فزيد يحبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حبًّا شديدًا، ويستطيع خدمته وحمايته والتضحية من أجله، وقد ظهر ذلك بوضوح بعد زيارة الطائف وما حدث فيها، وزيد بن حارثة لم يكن صغيرًا في هذه الرحلة؛ بل كان يبلغ من العمر أربعين عامًا تقريبًا، وبالتالي فهو عقلٌ راجحٌ يُستشار في أمور الرحلة، ويُعْتَمد عليه في تدبير أمورها.

إذًا أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الاحتياطات الأمنيَّة، وخرج من مكة على حين غفلةٍ من أهلها، وانطلق إلى الطائف، ليُثبت لنا أنَّ طريق الدعوة ليس سهلًا ولا ممهَّدًا، ومَنْ يعرف طبيعة الطريق بين مكة والطائف ومدى وُعُورته يُدرك مدى الجهد الذي بذله رسول الله صلى الله عليه وسلم للوصول بهذا الدين إلى الناس.

وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، ووقف على أعتابها يُفَكِّر، بمَنْ مِنْ أهلها يبدأ؟

إنَّ الأمر الآن ليس دعوةً فقط؛ بل هو دعوةٌ وطلبٌ للنصرة في الوقت ذاته؛ فالموقف مع قريش أصبح -كما نعلم- حرجًا للغاية؛ ولأنَّه سيطلب النصرة فلا بُدَّ أن يذهب إلى سادة ذلك المكان، فإنَّ الضعفاء لن يُجيروه من قريش، وهي موازنات مهمَّة يعقدها القائد المسلم الناجح، وليس هذا تقليلًا من دور الضعفاء؛ ولكن هذه مهمَّة سياسيَّة واضحة جدًّا، وخطرة في الوقت نفسه، ولا بُدَّ أن يُدرك الرسول صلى الله عليه وسلم مع مَنْ يتحدَّث، ثُمَّ إنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم ليس من الطائف، وليست له إجارةٌ هناك، ومن دون دخول المدينة من بابها الرئيسي فلن يتمكَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم من دعوة كبيرٍ ولا صغير، ولا سيِّدٍ ولا عبد، وهو ما أُسَمِّيه بفقه الواقع؛ لذلك قرَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذهب إلى قيادة الطائف مباشرةً، ومع ذلك فلم يكن هذا القرار سهلًا؛ بل كان مُحيِّرًا! وسبب الحيرة هو وجود قيادتين للطائف وليست قيادة واحدة!

كانت قيادة الطائف قيادة مزدوجة، بمعنى أنَّها موزَّعة بين قبيلتين كبيرتين؛ أمَّا القبيلة الأولى فهي قبيلة بني مالك، وهي القبيلة الأصليَّة في الطائف، والمتمركزة فيها منذ زمن؛ ولكنَّها منذ قديم شعرت بالضعف في مواجهة القبائل الضخمة المحيطة بالطائف، مثل قريش وهوازن وبني عامر.. وغيرها، وعلمت أنَّ أطماع الناس في الطائف كبيرة لخصوبة أرضها، فقرَّرت أن تُحالف قبيلةً أخرى وتُسْكِنها معها في الطائف، ويتقاسما بذلك قيادة الطائف، فتحالفت مع قبيلةٍ أخرى هي قبيلة بني عمرو بن عمير، وصارت قيادة الطائف لهاتين القبيلتين؛ ثُمَّ إنَّ الأيام مرَّت وأصاب القبيلتين ضعفٌ كبير، فقرَّرت كلُّ واحدةٍ منهما أن تتحالف تحالفًا سياسيًّا مع القبائل القويَّة المحيطة بالطائف، لا للبحث عن قوَّة؛ ولكن للخوف من إغارتهم عليهم، فتحالفت قبيلة بني مالك مع قبيلة هوازن، وتحالفت قبيلة بني عمرو مع قريش، فلم يكن هذا التحالف إذًا قائمًا على الحبِّ والتعاون؛ ولكنَّه كان يقوم على اتقاء الشرِّ، ولو فقدت هذه القبائل المحيطة قوَّتها فإنَّ هذا سيفيد قبائل الطائف؛ حيث «ستتحرَّر» هذه القبائل عندئذٍ من التهديد الخارجي لهوازن أو قريش، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُدرك كلَّ هذه الأبعاد التاريخيَّة والسياسيَّة للموقف.

والآن نقف وقفةً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نُحَلِّل معه الوضع الحرج: لو ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني مالك فإنَّهم غالبًا لن يقطعوا رأيًا إلَّا بعد الرجوع إلى هوازن، وهوازن تُعْتَبر كتابًا مغلقًا بالنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالدعوة لم تصل إليها بعدُ، وليس بين أبنائها حتى هذه اللحظة مسلمٌ واحد، وهم في الغالب سيرفضون الدعوة؛ لأنَّنا نعرف من تاريخ الرسالات السماويَّة كلِّها أن عِلْية القوم غالبًا ما يرفضون الدين في بادئ الأمر خوفًا على مصالحهم وسيادتهم؛ هكذا ذكر الله عزَّ وجلَّ هذه الحقيقة في كتابه عندما وصف كبراء البلاد، وقد سمَّاهم «الملأ»؛ قال تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص: 6]، وقال: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: 33]؛ فهكذا يأتي الإعراض والتكذيب في الغالب من القادة المتمكِّنين.

أمَّا إذا ذهب إلى بني عمرو -التي تُحالف قريشًا- فإنَّ الوضع مختلف، فعلى الرغم من أنَّ سادة بني عمرو يُعتبرون –أيضًا- من «الملأ» الذين يغلب عليهم التكذيب والإعراض عن الدعوات الإصلاحيَّة؛ فإنَّ هناك أبعادًا في الموقف قد تُغَيِّر من ردِّ فعلهم؛ فالتحالف الذي يقوم بين بني عمرو وقريش كما ذكرنا يقوم على الخوف من قريش لا التكافؤ معها؛ أي أنَّه تحالف تبعيَّة، وليس تحالف مساواة وتكافؤ، كأيِّ تحالفٍ يحدث في زماننا الآن بين قوَّةٍ عظمى وأخرى ضعيفة؛ فإنَّه يكون تحالفًا هشًّا ما يلبث أن ينهار إذا بدت بوادر ضعفٍ على القوَّة العظمى، وهكذا إذا وجدت قبيلة بني عمرو فرصةً لإحداث انقسامٍ في قريش فقد تأمن جانبها إلى الأبد، وهذا رجلٌ -صلى الله عليه وسلم- من ورائه بنو هاشم وبنو المطلب، ولا شكَّ أنَّ له أتباعًا في بقيَّة بطون قريش، فلو آزرت بنو عمرو رسولَ الله صلى الله عليه وسلم انقسمت قريش بين مُؤَيِّد ومعارض، وهذا سيُضعف شوكتها، وتكون فرصة لبني عمرو أن تتخلَّص من تهديد قريش وهيمنتها؛ هكذا يُمكن أن يكون تفكير رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف؛ ومن ثَمَّ عمد إلى سادة قبيلة بني عمرو، ولم يذهب إلى سادة قبيلة بني مالك المتحالفة مع هوازن.

هكذا قرَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الذي سيفعله في الطائف ومن سيبدأ بدعوتهم، وتلك كانت الأسباب التي دفعته من البداية إلى اختيار الطائف لتكون وجهة رحلته الدعويَّة ولطلب النصرة والمنعة؛ بعد اشتداد الأذى في قريش في ذلك العام الأليم للرسول صلى الله عليه وسلم وللدعوة عام الحزن، ولم يتبقَّ إلَّا أن نعرف القصَّة من رواياتها، وأن نقف سويًّا عند أحداثها ودروسها بعض الوقفات إن شاء الله تعالى.


(المصدر: موقع قصة الإسلام)


[1] الطبري: جامع البيان 21/593، والماوردي: النكت والعيون 5/223، والبغوي: معالم التنزيل 3/541، وحكمت بن بشير بن ياسين: الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور 4/302.

[2] حاربت ثقيف وهوازن رسول الله صلى الله عليه وسلم في موقعة حنين في شوال سنة 8 هجرية، فهربت ثقيف إلى الطائف، فحاول الرسول صلى الله عليه وسلم دخول الطائف في الشهر نفسه عسكريًّا، ولكن بعد حصار شهر أو يزيد لم يتمكَّن من ذلك، وعاد إلى المدينة، إلَّا أن أهل الطائف جاءوا مسلمين بعد ذلك بسنة في رمضان من سنة تسع!

[3] ابن سعد: الطبقات الكبرى 1/165، والبلاذري: أنساب الأشراف 1/237، وابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم 3/12، وابن سيد الناس: عيون الأثر 1/155.

[4] قال أبو جعفر البغدادي: وتُوفِّي أبو طالب بعد ذلك -أي بعد الخروج من شعب أبي طالب- بستة أشهر، وتُوفِّيت خديجة رضي الله عنها بعد أبي طالب بثلاثة أيام، على رأس تسع وأربعين سنة وثمانية أشهر وأربعة وعشرين يومًا من مولده صلى الله عليه وسلم، وخرج إلى الطائف بعد ذلك بثلاثة أشهر وثمانية أيام. انظر: المحبر ص11، وابن قتيبة: المعارف 1/151، قال ابن الجوزي: فلما أتت عليه تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يومًا مات عمه أبو طالب وماتت خديجة بعد أبي طالب بثلاثة أيام، وقيل: بخمسة أيام في رمضان. ثم خرج إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة بعد ثلاثة أشهر من موت خديجة، فأقام بها شهرًا. انظر: ابن الجوزي: تلقيح فهوم أهل الأثر ص19.

[5] تمَّ التحويل من التاريخ الهجري إلى الميلادي عن طريق محول التاريخ بموقع الإسلام التابع لوزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد – المملكة العربية السعودية: www.al-islam.com، وموقع أم القرى: www.ummulqura.org.sa، وذلك بحساب بداية شهر شوال ونهايته على السنة الأولى من الهجرة، ثم أضفنا مقدار الفارق بين السنة الهجرية والميلادية في ثلاث سنوات فكانت بداية شهر شوال ما بين 7-10 مايو 620م، ونهايته ما بين 4-7 يونيو 620م، ويُؤَكِّد صحَّة هذا التحويل أن عتبة وشيبة أولاد ربيعة قدَّما لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنقودًا من العنب، ومن المعروف أن العنب لا ينضج إلَّا مع ارتفاع الحرارة في موسم الصيف، ومن المعروف أن موسم العنب في السعودية يبدأ في شهر يونيو من كل عام. انظر: جريدة الرياض، العدد (16780)، بتاريخ 5 من شعبان 1435هـ= 3 من يونيو 2014م

[6] عن عبد الله بن جعفر قال: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الطَّائِفِ مَاشِيًا عَلَى قَدَمَيْهِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ. الطبراني: المعجم الكبير 13/73 (181)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات. انظر: الهيثمي: مجمع الزوائد 6/ 35، وقال الصوياني: حديثٌ حسنٌ بشواهده. انظر: السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة 1/ 178، وصالح بن طه: سبل السلام من صحيح سيرة خير الأنام عليه الصلاة والسلام 1/ 173، وإبراهيم العلي: صحيح السيرة النبوية ص99.

[7] ذكرت بعض الروايات أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الطائف وحده. قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، يلتمس النصرة من ثقيف، والمنعة بهم من قومه... فخرج إليهم وحده. ابن هشام: السيرة النبوية 1/419، والكلاعي: الاكتفاء 1/246، وابن كثير: البداية والنهاية 3/166، وقال الطبري: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه قال: ولما هلك أبو طالب خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصر والمنعة له من قومه، وذكر أنه خرج إليهم وحده. انظر: تاريخ الرسل والملوك 2/344، وذكرت روايات أخرى أنه خرج بصحبة زيد بن حارثة رضي الله عنه، وهو المشهور. قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن أبي الحويرث، عن محمد بن جبير بن مطعم، قال: لما توفي أبو طالب تناولت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجترءوا عليه، فخرج إلى الطائف ومعه زيد بن حارثة. انظر: الطبقات الكبرى 1/165، والبلاذري: أنساب الأشراف 1/237، وابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم 3/12، وذكر القولين الصالحي: سبل الهدى والرشاد 2/438. قلتُ: المشهور في كتب السيرة أن زيد بن حارثة رضي الله عنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة، وله فيها أكثر من موقف، ويمكن تفسير الروايات التي ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بمفرده من مكة بأن هذا كان مرحليًّا لمسافة قصيرة حتى لا يلفت إليه الانتباه، ثم لحق به زيد رضي الله عنه بعد البعد عن مكة، والله أعلم.

التعليقات (0)