موضوعات عن العمارة في جنوب شبة الجزيرة العربية (اليمن القديم) (4)

موضوعات عن العمارة في جنوب شبة الجزيرة العربية (اليمن القديم) (4)

 الخصائص المعمارية المميزة لمدن جنوب شبه الجزيرة العربية القديمة:

من خلال ما تم جمعه من معلومات حول عمارة مدن جنوب شبه الجزيرة العربية القديمة، نجد أن الخصائص المعمارية المميزة لتلك المدن تتمحور حول السلوك التشكيلي الفضائي (الفراغي) للمدينة، وتتركز في تخطيطها المعماري، من حيث التحصين، والتكوين والتراص تخطيطياً، ومحاور الحركة، وقرب وبعد ومحورية "البوابة الرئيسة، وتموضع قصر الحاكم، والمعبد الرئيس،  والسوق"، والتفاف المباني السكنية، ويمكن توضيح ذلك بالآتي:

1- التخطيط المعماري للمدينة القديمة:

وقد تم استعراض ذلك في الموضوع الثاني (المنشور على شبكة الوفاق).

2- محاور الحركة في المدينة القديمة

تتمحور الحركة أساساً في بعدين، هما:

الأول: وهو الرئيس، يرتكز بشكل أساسي في محور اتجاه حركة التجارة العالمية القديمة لطريق اللبان (جنوب – شمال)، ولهذا جاءت البوابات الرئيسة للمدينة (جنوبية – شمالية)؛ إذ إن أغلب مدن جنوب شبه الجزيرة العربية القديمة كان لها بابان فقط، وحين التعدد يتجه الباب الثالث نحو محور الغرب، يوجد هذا في – الغالب – في مدن الهضبة الوسطى ومدن الشرق، وقليلة هي المدن التي اعتمدت الأبواب الأربعة (طاهر، 1988م).

الثاني: يتمحور حول اتجاه الحركة البينية للتجارة الثانوية (الرابطة) عالميًا والمساعدة (الداعمة) محليًا وإقليميًا، ومحورها (شرق – غرب).

وعندما أفلت تجارة اللبان والتوابل عبر الصحراء (شبوة – مارب – غزة)، وتلاشى دور المدن الرئيسة في وسط الهضبة وأطرافها الوسطى، تم التوجه نحو محاور حركة التجارة الجديدة، التي تمر عبر المدن الساحلية والجبلية للمرتفعات الغربية، فتنامى نشاطها، وتعزز دورها في خدمة التجارة العالمية، بما جعلها تتخذ لها بوابات ذات محاور رئيسة للحركة وفق تموضعها في سفح جبل، أو وسط سلسلة جبلية تحميها، أو في قاع تتموضع على أطرافه، ولهذا أتت مغايرة تمامًا في الشكل تخطيطًا عن مدن البعد الأول؛ إذ أعطتها التضاريس شكل قولبتها، وأتجه محور الحركة باحثًا عن أقرب مخرج للتواصل مع الطريق الرئيس للتجارة، ولهذا وجد لبعض تلك المدن بابٌ واحدٌ فقط، ولبعضها الآخر بابان رئيسان، والكل يبحث عن مسلك جنوب شمال، أو الالتقاء بأحدهما.

وللدلالة على ما سبق نجد أنَّ لمعظم المدن الرئيسة في وسط الهضبة الوسطى وأطرافها، ومنها مدينة تمنع بوابتين جنوبية وشمالية، والبوابة الرئيسة لمدينة شبوة شمالية فضلاً عن بوابتين أخريين: أحداهما في الطرف الشمالي الشرقي، والأخرى في الجنوب الشرقي(شكل 1).

ولخربة سعود بوابتان جنوبية وشمالية، ولمدينة البيضاء بوابتان جنوبية وشمالية، والبوابة الرئيسة لمدينة قرناو(معين) غربية، فضلاً عن بوابتين: جنوبية وشرقية(شكل 2).

ولمدينة يثل بوابة جنوبية، ولمدينة البريرة بوابتان: جنوبية وشمالية، والبوابة الرئيسة لمدينة سمهرم (خور روري) شمالية، فضلاً عن بوابتين أخريين: الأولى في الطرف الشمالي الشرقي، والثانية في الشرق(شكل 3). ولمدينة عمران بوابتان شمالية، وجنوبية تفتح على الطريق القادم إليها من أسفل الجبل. والبوابتان الرئيستان لصنعاء باب اليمن(جنوباً)، وباب شعوب (شمالاً)، ولعدن بوابة برية شمالية(بوابة العقبة)، وبحرية شرقية(ميناء صيرة).

ومن أقدم مدن جنوب شبه الجزيرة العربية الإسلامية محاكاة لهذه الخاصية، مدينة تعز ببوابتيها الشمالية الشرقية (باب موسى)، والجنوبية الغربية (الباب الكبير)، وبوابة مدينة شبام حضرموت جنوبية، والبوابة الرئيسة لمدينة الشحر جنوبية باتجاه البحر، وتعدُّ مدينة زبيد أكثر إيضاحًا لكونها في سهل، فلها أربع بوابات هي: الشبارق في الشرق، وهي الرئيسة والأكثر أهمية، من حيث قربها من السوق ومركز الحكم (القلعة) وعلى محوره، والنخيل في الغرب على محور السوق، والجامع الكبير، ومسجد الأشاعر، وتأتي أهميتها بعد الشبارق، وهي صلتها بالبحر والعالم الخارجي، وسهام في الشمال، والقرتب في الغرب، ولهذا نجد بوابتين أساس محور تكوين مدينة زبيد (شرق – غرب) (شكل 4).

وبناءً على ذلك فإن مدن جنوب شبه الجزيرة العربية القديمة والإسلامية اعتمدت محاور حركتها الداخلية أساسًا على إتجاه الحركة الخارجية، الذي اتخذ من المحور الأساس (جنوب – شمال)، ومن ثم (غرب – شرق) عالميًا وإقليميًا ومحليًا من ناحية.

وعليه تمحورت خطوط الحركة داخل المدينة، وتوزعت مكوناتها وفق نظم التراتيب ( بوابة – ساحة – سوق – معبد(مسجد) – قصر – حارات سكنية – طرق – حدائق – حقول وبساتين)، وهذا ما اعتمدت عليه الحاضرة اليمنية حتى مطلع القرن العشرين.

3- المعبد:

هو المكان الذي يلجأ إليه الناس لعبادة آلهتهم، وللعمارةِ علاقةٌ وثيقة بالدين منذ أقدم العصور؛ إذ تعدُّ المعبِّر الرئيس عن المعتقدات الدينية التي تسود المجتمع، وقد انعكس تعدد الآلهة في الجنوب شبه الجزيرة العربية القديم جليًا في تعدد عمارة المعابد، التي أقيمت في مختلف ممالك الجنوب شبه الجزيرة العربية القديم.

ولو تتبعنا موقع المعبد بالنسبة لمخطط المدن التي تم التنقيب فيها حتى الآن، لوجدناه يختلف بحسب المملكة التي يتبعها والمدة الزمنية التي أقيم فيها؛ إذ وجد في المدن السبئية في شرقي المدينة مثل معابد مدن صرواح ومارب (في الركن الجنوبي الشرقي)، وفي المدن المعينية والحضرمية في شمال المدينة مثل معابد مدن الجوف قرناو ويثل وخربة هرم ونقب الهجر.

أي إنَّ المعبد في تخطيط مدن جنوب شبه الجزيرة العربية وجد في أطراف المدن، وهذا ما نجده في مدنها الإسلامية المتواترة، كصنعاء وعدن وشبام حضرموت ومارب؛ إذ أتى الجامع على محور السور ولم يأت في الوسط (على تقاطع المحورين الرئيسيين)، ونجد ذلك أيضًا في مدن يمنية إسلامية المنشأ، كمدن تعز وزبيد وجبلة وإب وذمار، فقد جاء الجامع في أطراف المدينة قرب السور، وعلى المحور الأساس في أكثر الأحيان، بينما اتخذت المدن في الأقطار الإسلامية المسجد الجامع المحور الأساسي المتوسط لتخطيطها، كبغداد الدائرية والقاهرة الفاطمية والقيروان.

ولهذا وبناءً على ما سلف فإن مدن جنوب شبه الجزيرة العربية الإسلامية اعتمدت في الكثير من أسس التخطيط (في صيرورة الزمان والمكان وكينونتهما) على ما كانت عليه المدينة القديمة بيئيًا (طبيعة وعمراناً).

4- المباني السكنية (القصور والدور)

انتشرت في مدن جنوب شبه الجزيرة العربية القديمة تقنية البناء المتعدد الطوابق؛ إذ كان التوسع الرأسي يشكل المرتكز الرئيس، بدلاً من التوسع الأفقي، ومن أهم الأسباب التي أدَّت إلى ذلك محدودية مساحة المدن التي غالبًا ما كانت تقام على التلال الجبلية، أو الأسوار العالية التي تحيط بها لضرورات أمنية ودفاعية.

ويُعدُّ طراز العمارة البرجية بأسلوب نواة المبنى (القطب) – ويطلق عليه حاليًا (ناطحات السحاب) أو ما يسمى في لغة الهندسة الحديثة (Supper Construction) – أهم الطرز المعمارية التي رفدت بها عمارة جنوب شبه الجزيرة العربية القديمة الحضارة الإنسانية.

وهذا الطراز من العمارة متأصل في جنوب شبه الجزيرة العربية منذُ القدم، وموثق بالدراسات العلمية التي قامت بها البعثات العلمية الأثرية للمباني والقصور القديمة في كلٍ من: القصر الملكي في مدينة شبوة (بريتون، 1996م، ص99 - 105)، وبيت يفش في مدينة تمنع (ديمجرية وروبان، 2006م، ص 14)، والمباني الثلاثة في مدينة مشغة، والعمارة رقم1 في مدينة ريبون (أكوبيان وآخرون، 1985، ص50)، وغيرها من المباني المدن القديمة.

5- السوق:

تشكل الساحات الرئيسة في المدن القديمة أسواقًا تجاريةً لها، وكانت مخططات السوق في ثلاث مدن تم دراستها – مدن شبوة القديمة، ومأرب وقنا – تظهر وجود أزقة بين مباني السوق، الأمر الذي يصعب معه التحكم بالسوق وحمايته، وظلت هذه المعضلة تخالف ما جاء في النقوش التي تتكلم عن القوانين المنظمة للأسواق – أهمها المسلة القانونية التي وجدت وسط سوق مدينة تمنع، وهي عبارة عن عمود من حجر الجرانيت نقش عليه قانون مملكة قتبان التجاري(شكل 5)، ويعود إلى نهاية القرن الخامس وبداية القرن الربع قبل الميلاد – إلى أن قامت البعثة الإيطالية الفرنسية في مدينة تمنع بدراسة للتخطيط المعماري في الجزء الشرقي لمركز المدينة (ساحة السوق) خلال مواسم التنقيب الممتدة بين عامي 2000م و2004م، وتمكنت من تحديد الخريطة العامة لساحة السوق التي تتكون من بنايات، ظهرت على شكل سلسلتين: إحداهما في الجنوب، والأخرى في الشرق، وهذه البنايات تلتقي معًا مكونة زاوية قائمة في الجزء الجنوبي الشرقي للساحة، وينفصل بعضها عن بعض بأزقة صغيرة، ووجدت جدران منفصلة تغلق تلك الأزقة وتمنع المرور عبرها نحو الساحة، وأن المدخل الوحيد للسوق كان عبر شارع واسع، على كل جانب منه حائط لمبنى ضخم، وهناك مبنى صغير للرقابة (ديمجرية وروبان، 2006م، ص 18-19).

وتم إسقاط هذه المعلومة على أسواق تلك المدن، فجاءت النتيجة مطابقة، وتم وضع تصور مماثل للأسواق في تلك مدن(الأشكال 6 - 8)، ومن الخصائص التي تميزت بها المدن الساحلية أن يكون مدخل السوق في عكس جهة البحر(أي في جهة البر)،  وقد حاولنا أخذ ذلك بعين الاعتبار عند وضع تصور سوق مدينة قنا (شكل 9).

ومن خلال ما سبق سيتم في مواضيع قادمة – إن شاء الله - إسقاط مفردات الخصائص المعمارية للمدينة القديمة، مثل: محاور الحركة الرئيسية للمدن، وموقع المعبد الذي حل محله الجامع والقصر، وطراز العمارة البرجية بأسلوب نواة المبنى (القطب)، والأسواق التجارية، على مخطط عددٍ المدن، منها مدينتان قديمتان منقطعتان (شبوة ومارب)، ومدينتان قديمتان متواترتان لهما استمراريتهما (صنعاء وشبام حضرموت)، للتدليل على التواصل المعماري للمدن القديمة.

 


المراجع:

1- أكوبيان، وبامخرمة، وحامد بافقيه، وسيدوف، وفينقرادف ، 1985م، الأبحاث الأثرية في وادي دوعن، نتائج أعمال البعثة العلمية اليمنية السوفيتية المشتركة لعام 1985م، المركز اليمني للأبحاث الثقافية والآثار والمتاحف وأكاديمية العلوم للاتحاد السوفيتي،  سيؤن، ص35-66.

2- بريتون، جان فرانسوا، 1996م، ملاحظات تاريخية حول القصر الملكي، شبوة عاصمة حضرموت القديمة، المركز الفرنسي للدراسات اليمنية، صنعاء.

3- ديمجرية، اليساندرو، وكريستان روبان، 2006م، تمنع العاصمة القديمة لقتبان، المركز اليمني الإيطالي للبحوث الأثرية، صنعاء

4- طاهر، عبدالرقيب، 1988م، النمو والتطور المعماري الحضري في اليمن ، جامعة ({VUT) التقنية، برنو، تشيكوسلفاكيا.

5- Breton, 1994, Avant Notre Ere, ABADY / Archaologisches Institut San’a, Mainz am Rhein.

التعليقات (0)