ألبانيا المسلمة.. كابوس الماضي وغموض المستقبل (1)

ألبانيا المسلمة.. كابوس الماضي وغموض المستقبل

(الجزء الأول)

تشغل ألبانيا الجزء الغربي من شبه جزيرة البلقان، بمساحة قدرها 29 ألف كيلومتر مربع، وتحدها شمالاً كوسوفا والجبل الأسود، وجنوباً اليونان، وشرقاً مقدونيا، وغرباً بحر الأدرياتك، وهو يفصلها عن إيطاليا بمسافة 45 دقيقة فقط بالطائرة. وقد عرفت ألبانيا باسمها الحالي منذ نهاية القرن الرابع عشر، نسبة لقبيلة «ألبانوي» القاطنة حتى الآن في الشمال، ويسميها الألبان شكيبريا، وهي تعني «عش النسور»، وعدد سكانها حوالي ثلاثة ملايين ومئتي ألف نسمة، 70% منهم مسلمون، والبقية نصارى (20% أرثوذكس، 10% كاثوليك)، وغالبية سكانها يعملون في الزراعة، برغم محدودية الأراضي الزراعية حيث إن أغلب البلاد مرتفعات، وهي تعتبر من أصغر وأفقر بلدان أوربا، وشعبها من أكثر الشعوب بؤساً في العالم، فنصفه عاطل عن العمل، وغالبيته تحت خط الفقر، ونصف شبابها تحدوهم الرغبة للرحيل عنها إلى أوربا، وذلك برغم أنها غنية بمواردها من نفط وغاز ومعادن شتى.

الاستقلال والثمن الفادح:

بدأ الألبان يدخلون في الإسلام منذ منتصف القرن الرابع عشر، وصارت بلادهم جزءاً من الدولة العثمانية، منذ أواخر القرن الخامس عشر، وظلت كذلك حتى عام 1912م، حيث انفصلت عنها نتيجة لهزيمة تركيا في حرب البلقان، ومطالبة الحركة القومية الألبانية، التي عُرفت باسم «رابطة بريزرن»، بالاستقلال الذاتي عن الأتراك، لتتحول بعدها إلى مسرح للجيوش الأوربية المتقاتلة في الحرب الكبرى (1914-1918م). وفي نهاية الحرب تم تقطيع أوصال ألبانيا، لأن أوربا رأت فيها مصدراً للخطر الإسلامي المزعوم، وأيضاً عقاباً لشعبها على اعتناقه الإسلام قبل خمسمئة عام، فتم منح إقليم كوسوفا لصربيا، ومنح جزء آخر منها لمقدونيا، وثالث للجبل الأسود، ورابع لليونان، وهكذا تقلصت مساحة ألبانيا من 80 ألف كيلومتر مربع، إلى 29 ألف كيلومتر، ولكي تعترف دول أوربا بما تبقى من ألبانيا، بحدودها السياسية الحالية، فقد اشترطت عليها شروطاً قاسية ومذلة منها: أن تكون دويلة محايدة ذات دستور علماني وفقاً للمعايير الأوربية، وأن تكون خاضعة للرقابة الأوربية الجماعية، وأن تستبدل الحروف اللاتينية بالحروف العربية، وأن تقطع علاقاتها الثقافية مع العالم الإسلامي، وأن تنحي الدين جانباً. وهكذا صارت الغالبية العظمى من المسلمين الألبان عبارة عن أقليات ضعيفة ومضطهدة في البلدان التي توزعوا فيها، في حين انخفضت نسبة المسلمين في الأراضي المتبقية من ألبانيا إلى أقل من النصف تقريباً، مقابل ارتفاع نسبة الأقلية النصرانية، وكان هذا هو المطلوب، لإزالة الصبغة الإسلامية عنها. وفي عام 1920م انضمت ألبانيا إلى عصبة الأمم، واعترف العالم بحدودها السياسية الحالية، إلا اليونان التي لا تزال غير معترفة بهذه الحدود حتى اليوم. وفي مقابل ذلك الاعتراف الدولي تم إلزامها بتقديم تقرير سنوي لعصبة الأمم حول وضع الأقليات بها، ومدى تمتعها بحقوقها العرقية والدينية، في حين فرض عليها مبدأ الرئاسة الجماعية تحت مسمى «المجلس الأعلى للدولة»، الذي يتألف من أربع شخصيات تمثل الطوائف الموجودة في ألبانيا (الإسلام السني، والبكتاشية، والأرثوذكسية، والكاثوليكية)، بحيث صارت المناصب الحساسة توزع على هذه الفئات الأربع، وهذا يعني أن المسلمين في أجهزة الدولة صاروا أقلية، فإذا علمنا أن من كانوا يمثلون المسلمين سياسياً وإدارياً كانوا من القوميين العلمانيين اتضح لنا أن المسلمين بالمفهوم السني خرجوا عملياً من دائرة الحكم منذ هذا التاريخ. وفي عام 1924م أعلنت الجمهورية برئاسة أحمد زوغو الذي لم يلبث أن أعلن نفسه ملكاً على البلاد عام 1928م، فحاول التقرب من الغرب بمحاربة الهوية الإسلامية، وتبنى سياسة علمانية تغريبية متشددة، لجعل ألبانيا جزءاً من أوربا، وذلك على غرار ما فعله أتاتورك، وفي عام 1939م غزا موسوليني ألبانيا، وضمها لإمبراطوريته، ومع احتدام الحرب العالمية الثانية لمع نجم أنور خوجا، البكتاشي الباطني، والشيوعي المتخرج من جامعات فرنسا، بوصفه قائداً للمقاومة الألبانية، ضد قوات المحور الغازية، ودخل «تيرانا» زعيماً لجبهة التحرير الوطنية، التابعة للحزب الشيوعي الألباني، خريف عام 1944م، وبعد تباعد ستالين وتيتو عام 1949م سارع بالانحياز إلى ستالين، وبذلك أفلت من طموح تيتو لضم ألبانيا ليوغسلافيا، وبعد موت ستالين عام 1953م، انحاز إلى ماو وثورته الثقافية عام 1960م، وفي عام 1978م أعلن مقاطعة الصين لانفتاحها على أمريكا، فأوقفت الصين مساعداتها الاقتصادية والعسكرية لألبانيا، وسحبت خبراءها منها، وصارت ألبانيا في عزلة عن العالم، فصدئت المصانع القديمة ولم تستكمل الجديدة، وصبت المئات من الأقبية الخرسانية وسط الحقول على طول البلاد وعرضها كمتاريس لكي تستخدمها المقاومة «البروليتارية» في مواجهة هجوم «إمبريالي» محتمل على ألبانيا «المحسودة». وقد استمر أنور خوجا في السلطة حتى وفاته عام 1985م برغم مرضه العضال في سنواته الأخيرة، ليعقبه نائبه «رامز غاليا»، وفي عام 1991م وعلى إثر انهيار سور برلين، خرج آلاف المتظاهرين في شوارع تيرانا، وأسقطوا تمثال الصنم أنور خوجا، ومنذ ذلك الحين أعيد فتح المساجد والكنائس، وتم بناء بعض المساجد الجديدة من قبل أهل الخير الخليجيين.             

جناية أنور خوجا على ألبانيا:

إن جناية أنور خوجا على الشعب الألباني لا تعني فقط سياسة الإرهاب والبطش، التي مارسها ضده طوال فترة حكمه الطويلة، وخصوصاً ضد المسلمين، فهذه توابع لا أصول، ولكن جنايته تتمثل في إيمانه الجنوني الخيلائي بذاته، وفي احتكاره للحقيقة والرؤية الصائبة في كل شيء، وفرض نمط تفكيره على أمة بأسرها بالسلاح والبطش، وبقوة الدستور والقانون، وحبس هذه الأمة في قفص هواجسه وأنانيته المفرطة وعبادته لذاته، ومن ثم تطبيقه لنظام الحكم المركزي الشمولي البيرقراطي بشكل صارم، واستئثاره بالسلطة فيه بصورة مطلقة. ومن مظاهر جنايته تلك، والتي تعنينا هاهنا، أنه منع التحدث باللغة العربية منعاً باتاً، وكان من ضبط وهو يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم»، أو «الحمد لله»، يقضي في السجن عشر سنوات، وشمل الحظر الأسماء العربية، وكان على الأب الذي يرزق بمولود، عندما يذهب لتسجيل اسم مولوده، أن يختار اسماً من قائمة محددة أعدتها السلطات لتسمية المواليد، كما أنه جعل الإلحاد العقيدة الرسمية للدولة بنص الدستور، واعتبر الممارسة الدينية إسلامية أو مسيحية جريمة يعاقب عليها القانون، وهدم المساجد والكنائس أو حولها إلى متاحف ومخازن ومراقص، وذلك في عام 1967م، وأعلن الألبانوية ديناً جديداً للألبان، ومارس سياسة الخلط المبرمج عن طريق الزواج بين أتباع الديانات، ولم يكتفِ بذلك، بل إنه أقام متحفاً للإلحاد في شكودرا، كبرى مدن الشمال، كان هو الوحيد في العالم. واستعمل مع التيار الإسلامي في ألبانيا أدوات قمعية لم يستخدمها ستالين، ولا ماو، ولا أتاتورك، ولا بورقيبة، ولا القذافي، ولا حافظ الأسد، وكان المسلمون في الاتحاد السوفيتي، وفي يوغسلافيا، وفي الصين، في نعمة مقارنة بحال إخوانهم في ألبانيا خلال فترة حكم هذا الطاغية البكتاشي، والشيوعي الغوغائي، والفرنكفوني الثقافة، المصاب بجنون العظمة، والذي جمع كل ما في أولئك الحكام من شطحات، وغلو، وانتهازية، واستكبار، وشدة بطش، وإجرام، وعاهات مرضية مزمنة، وقد أدت هذه السياسة إلى انقطاع المسلمين بالكامل عن دينهم، وتراثهم، وتاريخهم. ولكي تعرفوا أي داهية دهياء أصيب بها المسلمون في ألبانيا على يدي هذا البكتاشي، والعقود الحالكة التي عاشوها في ظل حكمه، والوضع المأساوي الذي وصلت إليه البلاد في آخر أيامه، أحيلكم إلى الخبر التالي، الذي نشرته مجلة الوطن العربي في عدد يناير 1985م، أي قبيل وفاته بأشهر قليلة:

«الاشتراكية الألبانية، التي يرى زعيمها ومؤسسها وراعيها مدى الحياة أنها الاشتراكية الوحيدة في العالم. سيد شكيبريا.. ورفيقاه الحميمان مرض السكري وداء باكنسون.. ترتجف يدا حاكم عش النسور، ولا تقويان على القبض، بل يرتجف كله كله.. بقوة. همومه انحصرت كلها منذ استلم السلطة في هم واحد: التطبيق التام للمبادئ الماركسية - اللينينية - الستالينية في كل صغيرة وكبيرة. في بلاده فقط يتقارب مرتب المهندس والعامل العادي، ويغيب أي أثر للملكية الفردية، حتى ليبدو الاتحاد السوفيتي قلعة برجوازية ليبرالية رجعية قياساً إلى شكيبريا».

 والحقيقة أن الشيوعية المطلقة، التي تلي الحقبة الاشتراكية في المفاهيم الماركسية، استعجلها أنور خوجا، وأراد أن يحقق أقصى ما يستطيع منها في دولة صغيرة. نصب نفسه قاضياً اشتراكياً، وبدأ يقيس كبار قادة الاشتراكية في العالم بمسطرة ماركسية - لينينية - ستالينية مستقيمة جداً. ماذا كانت النتيجة؟ أحد أوفى رفاقه الشيوعيين «جوزيف بروز تيتو» سقط في الامتحان سقوطاً مريعاً، وحتى ستالين اكتشف خوجا أنه لين جداً في ستالينيته في العام 1948م، فقطع علاقته معه. وانتظر حتى العام 1960م، يومذاك أعلنت موسكو أن «ماوتسي تونج» تحريفي، فأعلن حاكم ألبانيا براءة الزعيم الصيني من التهمة. لكن حدث في الصين ما دعي بـ«الثورة الثقافية»، فأصدر القاضي الألباني حكماً يدين رفيقه بالانحراف عن الخط الماركسي - اللينيني - الماوي. أغلق أبواب ألبانيا أمام أي هبة رأسمالية أو «تحريفية» قد تأتيه من البعيد أو يوغسلافيا القريبة أو من اليونان أو إيطاليا.

وسجن نحو 40 ألف ألباني يتوزعون على 18 مخيم اعتقال، وستة سجون كبرى، وسبعة معسكرات للأشغال الشاقة، وقضى على 4000 من مناوئيه، وحرم السفر على الألبانيين.

(الجزء الثاني)

التعليقات (0)