وزارة التفويض

وزارة التفويض

 وزير التفويض هو الذي يستوزره الإمام ويفوض إليه تدبير الأمور برأيه وإمضاؤها على اجتهاده.

ويعتبر في تقليد هذه الوزارة شروط الإمامة([1]) إلا (النسب) وحده، لأنه ممضي الآراء، ومنفذ الاجتهاد فاقتضى أن يكون على صفات المجتهدين، ويحتاج فيها إلى شرط زائد على شروط الإمامة، وهو أن يكون من أهل الكفاية فيما وكل إليه من أمري الحرب والخراج، خبرة بهما ومعرفة بتفصيلهما، فإنه مباشر لهما تارة ومستنيب فيهما أخرى، فلا يصل استنابة الكفاة إلا أن يكون منهم، كما لا يقدر على المباشرة إلا إذا قصر عنهم، وعلى هذا الشرط مدار الوزارة وبه تنتظم السياسة([2]).

وصحة تقليد وزير التفويض معتبرة بلفظ الخليفة لأنها ولاية تفتقر إلى (عقد) والعقود (لا تصح) إلا بالقول (الصريح) فإن وقع له بالنظر وأذن له فيه لم يتم التقليد حتى يعقد له الوزارة بلفظ([3])، أو بالكتابة([4])، ويشترط في وزارة التفويض شرطان:

أحدهما عموم النظر، والثاني النيابة، فإن اقتصر على عموم النظر دون النيابة لم تنعقد به الوزارة.

وإن اقتصر على النيابة لم تنعقد أيضًا، فإذا جمع بينهما انعقدت الوزارة([5])، والجمع بينهما أن يقول الخليفة (قلدتك ما إلي نيابة عني) فتنعقد به الوزارة لأنه جمع له بين عموم النظر والاستنابة. فإن قال له (نب عني فيما إلي) احتمل أن تنعقد به الوزارة لأنه قد جمع له في هذا اللفظ بين الوجهين (عموم النظر، والاستنابة) واحتمل ألا تنعقد به الوزارة، لأنه إذن يحتاج إلى أن يتقدمه (عقد)، ولكن لو قال الخليفة له: (قد استنبتك فيما إلي) انعقدت به الوزارة، لأنه عدل على مجرد الإذن إلى ألفاظ العقود، وإن قال له الخليفة: (انظر فيما إلي) لم تنعقد به الوزارة لاحتماله أن ينظر في تصفحه أو في تنفيذه أو في القيام به([6]).

والعقد لا يبرم بلفظ محتمل حتى يصله بما ينفي عنده الاحتمال، وليس يراعى فيما يباشره الخلفاء وملوك الأمم من العقود العامة، ما يراعى في الخاصة من الشروط المؤكدة لأمرين:

أحدهما: أن من عادتهم الاكتفاء بيسير القول عن كثيره فصار ذلك فيهم عرفا مخصوصًا، وربما استثقلوا الكلام فاقتصروا على الإشارة، غير أنه ليس يتعلق بها في الشرع حكم لناطق سليم فكذلك خرجت بالشرع من عرفهم.

والثاني: أنهم لقلة ما يباشرونه من العقود تجعل شواهد الحال في تأهبهم لها موجبا لحمل لفظهم المجمل على الغرض المقصود دون الاحتمال المجرد([7]).

وإن قال له: (قد استوزرتك تعويلا على نيابتك) انعقدت به الوزارة لأنه قد جمع بين (عموم النظر) فيما جعل إليه بقوله (استوزرتك) لأن نظر الوزارة عام، وثبتت (النيابة) بقوله (تعويلا على نيابتك) فخرجت عن وزارة التنفيذ إلى وزارة التفويض.

ولو قال الخليفة له: (قد فوضت إليك وزارتي) احتمل أن تنعقد به هذه الوزارة لأن ذكر التفويض فيها يخرجها عن وزارة التنفيذ إلى وزارة التفويض، ويحتمل أن لا تنعقد؛ لأن التفويض من أحكام هذه الوزارة، فافتقر إلى (عقد) يتقدمه ما ينفذ به، والأول من الاحتمالين أشبه بالصواب، فعلى هذا لو قال (قد فوضنا إليك الوزارة) صح لأن ولاة الأمور يكنون عن أنفسهم بلفظ الجمع، ويعظمونها عن إضافة الشيء إليهم فيرسلونه، فيقوم قوله (قد فوضنا إليك) مقام قوله (فوضت إليك)، وقوله (الوزارة) مقام قوله (وزارتي)، وهذا أضخم قول عقدت به وزارة التفويض. فإن قال (قد قلدتك وزارتي) أو قال (قد قلدناك الوزارة) لم يصر من هذا القول من وزارة التفويض، حتى يبينه بما يستحق به التفويض، لأن الله تعالى يقول على لسان موسى: « وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» فلم يقتصر على مجرد الوزارة حتى قرنها بشد أزره بأخيه، وإشراكه في أمره لأن اسم الوزارة مختلف في اشتقاقه([8])، وتنعقد اختصاصات وزير التفويض بشرطين يقع الفرق بهما بين الإمامة والوزارة.

أحدهما: يختص بالوزير: وهو مطالعة الإمام لما أمضاه من تدبير وأنفذه من ولاية، وتقليد لئلا يصير الاستبداد كالإمام.

والثاني: مختص بالإمام: وهو أن يتصفح أفعال الوزير، وتدبيره للأمور ليقر منها ما وافق الصواب، ويستدرك ما خالفه، لأن تدبير الأمة إليه موكول وعلى اجتهاده محمول.

ويجوز لهذا الوزير، أن يحكم بنفسه، وأن يقلد الحكام، كما يجوز ذلك للإمام، لأن شروط الحكم فيه معتبرة، ويجوز أن ينظر في المظالم، ويستنيب فيها لأن شروط المظالم فيه معتبرة.

ويجوز أن يتولى الجهاد بنفسه، وأن يقلد من يتولاه، لأن شروط الحرب فيه معتبرة، ويجوز أن يباشر تنفيذ الأمور التي دبرها، وأن يستنيب في تنفيذها لأن شروط الرأي والتدبير فيه معتبرة. وكل ما صح من الإمام صح من الوزير إلا ثلاثة أشياء:

أحدهما: ولاية العهد: فإن للإمام أن يعهد إلى من يرى وليس ذلك للوزير.

الثاني: أن للإمام أن يستعفي الأمة من الإمامة وليس ذلك للوزير.

والثالث: أن للإمام أن يعزل من قلده الوزير وليس للوزير أن يعزل من قلده الإمام.

وما سوى هذه الثلاثة فحكم التفويض إليه يقتضي جواز فعله([9]).


(المصدر: الوزارة: نشأتها وتطورها في الدولة العباسية/ توفيق سلطان اليوزبكي).

([1]) شروط الإمامة: الإيمان، العلم، العدالة، الكفاية، سلامة الحواس والأعضاء، والنسب.

([2]) الماوردي ص22، أبو يعلى ص13.

([3]) الماوردي ص23.

([4]) أبو يعلى ص13.

([5]) الماوردي ص23، أبو يعلى ص13.

([6]) الماوردي ص23، أبو يعلى ص13، السهروردي ورقة 23.

([7]) الماوردي ص24، أبو يعلى ص14.

([8]) الماوردي ص24، أبو يعلى ص14.

([9]) الماوردي ص25، أبو يعلى ص14.

التعليقات (0)