موضوعات عن العمارة في جنوب شبه الجزيرة العربية (اليمن القديم) (5)

موضوعات عن العمارة في جنوب شبه الجزيرة العربية (اليمن القديم) (5)

 استعرضنا في الموضوع السابق الخصائص المعمارية المميزة لمدن جنوب شبه الجزيرة العربية القديمة.

وفي هذا الموضوع سنقوم بإسقاط مفردات تلك الخصائص على مخطط مدينتين قديمتين منقطعتين هما (شبوة ومأرب)، ومدينتين قديمتين متواترتين لهما استمراريتهما هما (صنعاء وشبام حضرموت)، للتدليل على التواصل المعماري للمدن القديمة.

مدينة شبوة:

تحظى مدينة شبوة بموقع متميز في الطرف الغربي لهضبة حضرموت مقابل رملة السبعتين، وهي عبارة عن مرتفع صخري محمي من الصحراء، أسفل مرتفعات جيرية ضخمة يصل أرتفاعها ما بين 900 – 1000متر يطلق عليها الجول، ووسط منطقة غرينية تكونت بفعل رواسب مياه الأودية الشديدة الانحدار، في نهاية وادي عطف الذي يتكون من التقاء عدة أودية أهمها وادي عرمة.

كانت مدينة شبوة نقطة اتصال بين المناطق المختلفة، تقع عند ملتقى ثلاثة طرق:

الطريق الأول: يربط من الشمال إلى الجنوب، ويصل بين قطبي صحراء صيهد الكبيرة شبوة ومأرب بواسطة ممر من الكثبان الرملية عبر وادي الشقيقات، ثم يحاذي وادي عرين، ويصل إلى مأرب، أو إلى مرتفعات جبل اللوذ التي تمثل السيطرة المعينية (بريتون، 1996م، ص 169).

الطريق الثاني: ممر يحاذي المرتفعات اليمنية وهضبة حضرموت، يتقاطع عموديًا مع الطريق الأول، ويربط من الشرق إلى الغرب بين حنو الزرير وتمنع وهجر ظليمين وهجر أبو زيد والبناء وشبوة، ثم يلتف حول خشم رميد، ويصل إلى بير عساكر وبير حمد وبير أمير، وأخيرًا إلى صوران عند التقاء وادي الكسر ووادي حضرموت (بريتون، 1996م، ص 168)، أي إن هذا الطريق يصل بين كل المدن الحضرمية المطلة على الصحراء.

الطريق الثالث: يسمح من خلال ممر فتورة بالوصول إلى قمة الجول، ومنه إمَّا إلى وادي حضرموت عبر وادي عدم، وإمَّا إلى الساحل (ميناء قنأ) عبر وادي حجر، كما يصل إلى وادي ميفعة عبر ممر المبنى الذي تم تحصينه من قبل ملوك حضرموت (بريتون، 1996م، ص 169) (شكل1).

 الخصائص المعمارية المميزة لمدينة شبوة:

مدينة شبوة مدينة مسورة أُنشئت على منحدرات جبلية وعدد من التلال (سفوح العقب وتلال الهجر)، تشكل المنطقة الغربية (سفوح العقب) مربعاً منحرفًا يمتد من الشمال إلى الجنوب بطول 250 متر، تنتشر عليه قواعد حجرية لمباني متعددة الطوابق يزيد عددها عن أربعين قاعدة حجرية، أهمها قاعدة القصر الملكي الذي يقع مابين السور والبوابة الرئيسة، وتبدو هذه المنطقة متجانسة. ويفصلها عن المنطقة الشرقية (تلال الهجر) التي تتكون من مستطيل يبلغ طوله 300متر من الشمال إلى الجنوب، و100متر من الشرق إلى الغرب، تتجاور فيه القواعد الحجرية أو تترابط وتتشابك فيما بينها، ويزيد عددها عن ستين قاعدة، بوابتها الرئيسة شمالية – هناك بوابتان أخريان: الأولى في الطرف الشمالي الشرقي، والثانية في الجنوب الشرقي – تتمحور مع اتجاه حركة التجارة العالمية القديمة.

توزعت مكوناتها الداخلية وفق السلوك التشكيلي الفضائي للمدن القديمة وخصائصها المعمارية المميزة؛ إذ نجد السوق (الساحة الرئيسة)، الذي يشرف عليه قصر الحاكم، يتموضع بالقرب من البوابة الرئيسة على الشارع الرئيس الممتد من البوابة في الشمال، حتى يصل إلى المعبد الموجود في نهاية الجنوب الشرقي للمدينة (شكل 2).

تتقاطع مع الشارع الرئيس شبكة من الأزقة الضيقة، تربط بين أحياء المدينة المختلفة، تسير في مسارات ثابتة، ويكون الانتقال عموديًا على المسار، تتخلل تلك المسارات ساحاتٌ ذات أشكال شبه منتظمة، تقع على زوايا متعامدة وواضحة المداخل، تجعل الطرقات مظللة باستمرار، وتوافر التهوية المناسبة (شكل 1).

 

مدينة مأرب:

شيدت فوق تل على الضفة اليسرى لوادي (أذنه) في السهل السبئي على مشارف صحراء صيهد، وتتحكم بطريق التجارة الهام المعروف بطريق اللبان، الذي كان يمتد من مدينة شبوة ليصل إلى نجران، ومنها إلى ددان (العلا اليوم)، ثم إلى غزة على ساحل البحر المتوسط.

الخصائص المعمارية المميزة لمدينة مأرب:

يحيط بالمدينة سورٌ ذو أركان مستديرة على شكل شبه منحرف تقريبًا، يلتف حول تل طبيعي تقدر مساحته بـ 110 هكتارات، وهي مساحة المدينة بجميع مساكنها المختلفة، كالمعابد والقصور والمساكن وأحياء الحرفيين وغير ذلك. ويمكن تقسيم المدينة القديمة إلى مجالات وظيفية (أيشمان، وهتجن، 2003، ص 23) (شكل 4).

من خلال المخطط العام للمدينة الموجودة بقاياها على التل، يظهر لنا أن التخطيط المعماري أقيم على أساس وجود أحياء صغيرة مقسمة بالطريقة التقليدية إلى حارات متداخلة، وتضم الأحياء الصناعية والتجارية ومساكن العامة (Van Beek, 1974, P.49) (شكل 5)، لذا نجد الشوارع الداخلية تسير في مسارات غير منتظمة، تتغير اتجاهات المسار بشكل فجائي في المدينة وبزوايا مختلفة، كما تأخذ الساحات التي تقع على المسارات أشكالًا مختلفة أيضاً.

هذه الميزة التخطيطية تسمح لجميع الطرقات بالتعرض لأشعة الشمس أطول مدة ممكنة خلال النهار، وتوفر تيار هواء مناسبًا للمدينة، كما تؤمّن لها العنصر الدفاعي.

تعتمد مدينة مأرب أساسًا على محاور الحركة الداخلية (غرب – شرق) إقليمياً ومحلياً،  ومن ثم على اتجاه الحركة الخارجية (جنوب – شمال) عالمياً، ولذا وجد لها أربع بوابات في جهاتها الأربع.

مدينة صنعاء:

تقع مدينة صنعاء القديمة وسط سهل قاع صنعاء، في قلب جبال السراة وسط الهضبة اليمنية وعلى امتداد هضبة صغيرة (حبيل) في سفح جبل نقم، ترتفع قليلًا عن مستوى سطح السهل وبتدرج يزداد شرقاً باتجاه الجبل، وارتفاع يتراوح بين (2292 – 2248م) فوق سطح البحر، أدناها عند باب السبحة وأعلاها شرق القلعة (قصر السلاح).

كانت محطة على الطريق التجاري الذي يعرف باسم درب أسعد الكامل، وهو الطريق الذي حل محل طريق اللبان في المناطق الشرقية يبدأ من عدن  عبر صنعاء وينتهي في مكة.

الخصائص المعمارية المميزة لمدينة صنعاء:

مدينة صنعاء مقسمة إلى أحياء تفصل بينها شوارع ضيقة، تتكون المباني من طابقين وأكثر، وتتصل بعضها ببعض مكونة كتل بنائية، تنفتح على مساحات مفتوحة تستخدم أسواقًا، أو على منطقة زراعية (بستان).

يمثّل السوق النشأة الأولى في كثير من مدن جنوب شبه الجزيرة العربية القديمة، ومنها مدينة صنعاء التي تمتد قصبتها الرئيسة من باب اليمن (جنوباً)، إلى باب شعوب (شمالًا) اتجاه الحركة الخارجية عالميًا (جنوب – شمال)، أحاطتها المباني السكنية من جميع الاتجاهات، وبكثافة نسبية متباينة فيما بينها (شكل 6).

تمتد الشوارع الداخلية للمدينة مكونة شبكة رؤية بزوايا غير منتظمة، ولذا تتغير إتجاهات المسار بشكل فجائي في المدينة وبزوايا مختلفة، كما تأخذ الساحات التي تقع على المسارات أشكالًا مختلفة أيضًا، وهذة حكمة تخطيطية تسمح لجميع الطرقات بالتعرض لأشعة الشمس أطول مدة ممكنة خلال النهار، وتوفر تيار هواء مناسب للمنطقة الباردة، وكما تؤمن العنصر الدفاعي للمدينة (شكل 7).

 

مدينة شبام حضرموت:

تُعدّ مدينة شبام حضرموت – إحدى مدن وادي حضرموت – من أهم مدن العالم الحديث، وأقدم ناطحات سحاب في العالم بنيت مبانيها من الطين، بنيت على أكمة ترابية تحيط بها أراضى زراعية (أشجار النخيل) من كل الجهات تقريبًا، يصل ارتفاع أعلى مبانيها إلى تسعة طوابق.

وموقعها الاستراتيجي الهام في قلب وادي حضرموت، سمح لها بالسيطرة الكاملة على المنطقة المحيطة، وأهلها؛ لأن تلعب دورًا هامًا واستراتيجيًا في جميع الأحداث التاريخية، التي مرت بالوادي،؛ لأنها تعدُّ المدينة التجارية الأكثر أهميةً في وادي حضرموت (شكل8).

 

الخصائص المعمارية المميزة لمدينة شبام حضرموت:

يعتمد تخطيط مدينة شبام حضرموت على عناصر رئيسية، تتمثل في الموقع ونمط توزيع كتلك المباني السكنية وتنظيمها، والشوارع والساحات التي تفصل بينها، فقد بنيت مدينة شبام حضرموت على أرض شبه صخرية محدودة المساحة، ذات شكل شبه مستطيل بأبعاد 230متر غربًا وشرقًا و355 متر جنوبًا و295 متر شمالاً، مرتفعة عن مستوى الوادي، اعتمد تخطيط المدينة العام في إطاره الضيق، على نمط كتل المباني السكنية العالية المترابطة بعضها ببعض، بارتفاع يصل إلى تسعة طوابق، تتخللها شوارع ضيقة (أزقة) معظمها شبه مستقيم، تلتقي في مساحات مفتوحة تسمح بالحركة والانتقال داخل المدينة، تتوزع الكتل السكنية بطريقة تسمح بإنشاء أزقة طويلة مستقيمة، تتفرع منها دهاليز وممرات تسمح بزيادة سرعة حركة الهواء داخل المدينة، فضلاً عن توجيه المباني التوجيه السليم تجاه الإسقاط الإشعاعي للشمس عندما تكون عمودية؛ إذ نجد الجدران القصيرة لمعظم المباني باتجاه شرق – غرب، فيما وجهت الجدران الطويلة باتجاه شمال – جنوب للتقليل من مساحة الجدران المعرضة لأشعة الشمس في الصيف، والاستفادة من الحرارة في فصل الشتاء (شكل9).

تتخلل الكتل السكنية خمس ساحات فسيحة ذات مساحات مختلفة موزعة توزيعاً جيداً، أكبرها ساحة الحصن 79 × 39 متر تقريبًا، التي تقع في بداية مدخل المدينة، يطل عليها قصر الحاكم وتستخدم هذه الساحات أسواقًا ومتنفسًا للقاطنين، فضلاً عن أنها تؤدي دورًا هامًا في الحياة الاجتماعية للمدينة؛ إذ تستعمل للأفراح والمناسبات العامة.

ومن خلال ما سبق نلاحظ أن الكثير من الخصائص المعمارية لمدن جنوب شبه الجزيرة العربية القديمة، قد تمحورت حول السلوك التشكيلي الفضائي (الفراغي) للمدينة، وتجسدت تلك المفردات – محاور الحركة الرئيسية للمدن، ومحورية البوابة الرئيسة، وتموضع قصر الحاكم، وموقع المعبد الذي حل محله الجامع ، وطراز العمارة البرجية بأسلوب نواة المبنى (القطب)، والأسواق التجارية، في المخططات المعمارية للمدن القديمة المنقطعة، والمدن القديمة المتواترة، وهذا دليل على التواصل لتلك الخصائص المعمارية القديمة.

 جدول يوضح خصائص نماذج المدن المنقطعة والمتواترة:

موضوعات عن العمارة في جنوب شبه الجزيرة العربية (اليمن القديم) (1)


المراجع:

1- أيشمان، ريكاردو و هتجن، هولجر، 2003، مارب عاصمة مملكة سبأ، 25 عاماً حفريات وأبحاث في اليمن 1978 – 2003 ، المعهد الألماني قسم الشرق مكتب صنعاء.

2- بريتون، 1996م، شبوة والحواضر اليمنية القديمة (من القرن الأول إلى القرن الرابع للميلاد)، شبوة عاصمة حضرموت القديمة، المركز الفرنسي للدراسات اليمنية، صنعاء، ص167-175.

3- Van Beek, G., 1974, Land of Sheba, From – Britchard, Solmon and Sheba, London.

التعليقات (0)