نشأة الرسول –صلى الله عليه وسلم– وبعض الأحداث التي سبقت البعثة (1)

نشأة الرسول –صلى الله عليه وسلم-

وبعض الأحداث التي سبقت البعثة (1)

نسب الرسول صلى الله عليه وسلم: الرسول هو «محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبدمناف»، يتصل نسبه بإسماعيل بن إبراهيم - عليهما السلام -. وكان جده «عبد المطلب» قد نذر وهو يعيد حفر بئر «زمزم» - بناءً على رؤية رآها - أنه إن رزقه الله بعشرة من الأولاد ليذبحن أحدهم قربانًا للآلهة، فلما تحقَّق له ذلك أراد أن يفي بنذره، فضرب الأقداح عند «الكعبة» كما كانت عادتهم على أولاده جميعًا، ومن يخرج عليه السهم يكن هو الذى ارتضته الآلهة قربانًا لها، فخرج السهم على «عبد الله» فعزم «عبد المطلب» على ذبح ابنه. ولما ذاع خبر «عبد المطلب» مع ابنه في «مكة» فزع أهلها من هذا الحدث، وذهبوا إليه يثنونه عن أمره، فلمَّا لم يجدوا منه استجابة لرجائهم، اقترحوا عليه الذهاب إلى عرَّافة مشهورة؛ لعلهم يجدون عندها لهذه المشكلة حلاً، فوافقهم على ذلك. فلما ذهبوا إلى العرَّافة وقصُّوا عليها ما حدث، اقترحت عليهم أن يضربوا القداح عند آلهتهم، على «عبد الله» وعلى عشرة من الإبل، فإن خرجت على «عبد الله» زادوا عشرة من الإبل، حتى ترضى الآلهة وتخرج القداح على الإبل، ففعل ذلك «عبد المطلب»، حتى وصل العدد إلى مائة، وعندئذٍ خرج السهم مشيرًا إلى الإبل، ففرح «عبد المطلب»، وفرحت معه «مكة»، ونحر الإبل، وأطعم الناس ابتهاجًا بنجاة ابنه الحبيب من الذبح.

زواج عبد الله من آمنة بنت وهب: بعد نجاة «عبد الله بن عبد المطلب» من الذبح زوَّجه من «آمنة ابنة وهب بن عبد مناف بن زُهرة». وبعد أيام من العرس خرج عبد الله في رحلة تجارية إلى «الشام»، فخرج مع قافلة قرشية وباع واشترى، وفي عودته مر بيثرب؛ ليزور أخوال أبيه من «بنى النجار»، لكنه مرض في أثناء زيارته، فلما بلغ «عبد المطلب» خبر مرض ابنه، أرسل على الفور أكبر أبنائه «الحارث بن عبد المطلب» إلى «يثرب» ليعود بأخيه، لكن «عبد الله» تُوفي قبل أن يصل أخوه إلى «يثرب»، فحزن «عبدالمطلب» حزنًا شديدًا على موت ابنه «عبدالله» الذى لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، ولم يمضِ على زواجه سوى شهور قليلة. ولما خفَّت موجة الحزن على آمنة، بدأت تحس بجنين يتحرك في أحشائها، فتعلَّق به أملُها، عسى أن يعوضها فقد زوجها الحبيب، وأخبرت «عبدالمطلب» بحملها، ففرح لذلك فرحًا شديدًا، وامتلأ قلبه أملاً ورجاءً في أن يأتي هذا الحمل بولد يعوضه عن ابنه الفقيد.

حادثة الفيل: بعد أن حكم «أبرهة» «اليمن» تملكته الغيرة من الكعبة المشرفة، وأراد أن يصرف العرب عن زيارتها، فبنى كنيسة ضخمة بالغة الروعة، تُسمَّى «القُلَّيس»، وساق أهل «اليمن» إلى التوجه إليها والتعبد فيها، لكنه لم يفلح في ذلك، وزاد من غضبه أن أحد الأعراب عبث بالكنيسة وقذَّرها، فأقسم «أبرهة» ليهدمن الكعبة، ويطأن «مكة»، وجهَّز لذلك جيشًا جرارًا، تصاحبه الفيلة، وفي مقدمتها فيل عظيم، ذو شهرة خاصة عندهم. وحينما علمت العرب بنية «أبرهة» تصدَّوا له، لكنهم لم يفلحوا في وقف زحفه، حتى إذا بلغ جيش «أبرهة» «المغمَّس» - وهو مكان بين «الطائف» و «مكة» - ساق إليه أموال «تهامة» من «قريش» وغيرها، وكان فيها مائتا بعير لعبد المطلب بن هاشم، فهمَّت «قريش» وقبائل العرب بقتال «أبرهة»، ولكنهم وجدوا أنفسهم لا طاقة لهم بحربه، فتفرقوا عنه دون قتال. أرسل «أبرهة» إلى «عبدالمطلب» يُبلغِه أنه لم يأتِ لحربهم، وإنما جاء لهدم البيت، فإن تركوه وما أراد فلا حاجة له في دمائهم، فذهب «عبدالمطلب» إليه، فلما دخل نزل «أبرهة» من سريره، وجلس على البساط، وأجلس «عبدالمطلب» إلى جانبه، وأكرمه وأجلَّه، فطلب «عبدالمطلب» منه أن يرد عليه إبله التي أخذوها، فقال «أبرهة»: أعجبتنى حين رأيتك، وزهدتُ فيك حين كلمتني، تترك بيتًا هو دينك ودين آبائك، جئتُ لأهدمه، وتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك؟

فقال: «عبد المطلب»: إني رب الإبل (أي صاحبها) وإن للبيت ربًا سيحميه. قال «أبرهة»: ما كان ليمتنع منى، فرد عليه «عبد المطلب»: أنت وذاك، ثم رد «أبرهة» الإبل لعبد المطلب. أمر «عبد المطلب» قريشًا بالخروج من «مكة»، والاحتماء في شعاب الجبال، وتوجه هو إلى باب «الكعبة»، وتعلَّق به مع نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه، وانطلق جيش «أبرهة» نحو «مكة»، وحينما اقترب منها برك الفيل الأكبر الذى يتقدم الجيش رافضًا الدخول، وتعبوا في إجباره على اقتحام «مكة»، وكانوا عندما يوجهونه إلى جهة غير «مكة» ينهض ويهرول. ثم شاء الله أن يهلك «أبرهة» وجيشه، فأرسل عليهم جماعات من الطير، أخذت ترميهم بحجارة، فقضت عليهم جميعًا، وتساقطوا كأوراق الشجر الجافة الممزَّقة، كما حكى ذلك القرآن الكريم: [أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ *]. [سورة الفيل].

مولد النبي - صلى الله عليه وسلم -: وفي يوم الاثنين الموافق (12 من شهر ربيع الأول سنة 570م) (عام الفيل) ولدت «آمنة» وليدها، يتلألأ النور من وجهه الكريم، أكحل أدعج مختونًا، يرنو ببصره إلى الأفق، ويشير بسبابته إلى السماء، فهرولت قابلته، وهى «أم عبد الرحمن بن عوف» إلى جده «عبد المطلب» تزف إليه البشرى، وتنقل إليه ذلك الخبر السعيد، فكاد الرجل الوقور يطير من الفرحة، وفرح الهاشميون جميعًا، حتى إن عمه «أبا لهب» أعتق الجارية «ثويبة» التي أبلغته الخبر، وكانت أول من أرضعت خير البشر. سمَّى «عبد المطلب» حفيده «محمدًا»، وهو اسم لم يكن مألوفًا أو منتشرًا في بلاد العرب، ولما سُئل عن ذلك، قال: رجوت أن يكون محمودًا في الأرض وفي السماء. طفولته وصباه: في اليوم السابع لميلاد النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر جده بجزور فنحرت، وأقام حفلا دعا إليه كبار رجالات «قريش» احتفاءً بهذا الوليد الكريم، وانتظرت «آمنة» المرضعات اللائي كن يأتين من البادية إلى «مكة»، ليأخذن الأطفال إلى ديارهن لإرضاعهم بأجر، وكانت عادة أشراف «مكة» ألا ترضع الأم أطفالها، مفضلين أن تكون المرضعة من البادية؛ لتأخذ الطفل معها، حيث يعيش في جو ملائم لنموه، من سماء صافية، وشمس مشرقة، وهواء نقى، وكانت هناك قبائل مشهورة بهذا العمل مثل «بنى سعد». وكان محمد من نصيب واحدة منهن تُدعَى «حليمة السعدية» لم تكن تدرى حين أخذته أنها أسعد المرضعات جميعًا، فقد حلَّت عليها الخيرات، وتوالت عليها البركات، بفضل هذا الطفل الرضيع، فسمنت أغنامها العجاف، وزادت ألبانها وبارك الله لها في كل ما عندها. مكث «محمد» عند «حليمة» عامين، وهو موضع عطفها ورعايتها، ثم عادت به إلى أمه، وألحت عليها أن تدعه يعود معها، ليبقى مدة أخرى، فوافقت «آمنة» وعادت به «حليمة» إلى خيام أهلها.

حادث شق الصدر: بقى «محمد» عند «حليمة السعدية» بعد عودتها ثلاثة أعوام أخرى، حدثت له في آخرها حادثةُ شقِّ الصدر، وملخصها كما ترويها أوثق مصادر السيرة: أن «محمدًا» كان يلعب أو يرعى الغنم مع أترابه من الأطفال، خلف مساكن «بنى سعد» فجاءه رجلان عليهما ثياب بيض، فأخذاه فأضجعاه على الأرض، وشقا صدره وغسلاه، وأخرجا منه شيئًا، ثم أعاداه كما كان. ولما رأى الأطفال ما حدث، ذهب واحد منهم إلى «حليمة» فأخبرها بما رأى، فخرجت فزعة هي وزوجها «أبو كبشة» فوجدا «محمدًا» ممتقعًا لونه، فسألته «حليمة» عما حدث فأخبرها، فخشيت أن يكون ما حدث له مسٌ من الجن، وتخوفت عاقبة ذلك على الطفل، فأعادته إلى أمه، وقصت عليها ما حدث لطفلها. موت آمنة بنت وهب: لما بلغ «محمد» السادسة من عمره أخذته أمه في رحلة إلى «يثرب»؛ ليزور معها قبر أبيه، ويرى أخوال جده «عبد المطلب» من «بنى النجار». وفي طريق العودة مرضت «آمنة» واشتدَّ عليها المرض، وتُوفيت في مكان يُسمى «الأبواء» بين «مكة» و «المدينة». وهكذا شاءت إرادة الله أن يفقد «محمد» أمه، وهو في هذه السن الصغيرة، وهو أشد ما يكون احتياجًا إليها، فتضاعف عليه اليتم، ولكن للهِ في خلقهِ حِكم لا يعلمها إلا هو تعالى، فإن كان «محمدٌ» قد حُرِمَ من أبويه. فإن الله هو الذى سيتولى رعايته وتعليمه. ضم «عبد المطلب» حفيده «محمدًا» إلى كفالته؛ لأن ابنه «عبد الله» لم يترك ثروة كبيرة، وكل ما تركه كان خمسة من الإبل، وبعضًا من الأغنام، و «أم أيمن» (بركة) التي أصبحت حاضنة «محمد» وراعيته بعد فقد أمه، وقد عوضته كثيرًا عن حنان الأم. لكن كفالة «عبد المطلب» لمحمد لم تدم طويلا، إذ استمرت عامين بعد وفاة «آمنة»، كان خلالهما نعم الأب الحنون، فحزن «محمد» على فقده حزنًا شديدًا، وبكاه بكاءً مرا وهو يودعه إلى مثواه الأخير. وبعد وفاة «عبد المطلب» انتقل «محمد» إلى كفالة عمه «أبى طالب»، ومع أنه لم يكن أكثر أعمامه مالا وأوسعهم ثراءً، بل كان أكثرهم أولادًا وأثقلهم مؤونة؛ فإنه كان شديد العطف عليه، والرعاية له، فضمه إلى عياله، وكان يفضله عليهم في كل شيء.

اشتغاله برعي الغنم: لم يرض «محمدٌ» أن يكون عالة على عمّه، وبخاصة أنه يرى ضيق ذات يده، فأراد أن يعمل ليعول نفسه، ويكسب قوته، ويساعد عمه إن أمكن ذلك، فاشتغل برعي الأغنام، وهو عمل يناسب سنه، وهذه كانت حرفة الأنبياء من قبله، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما من نبي إلا ورعى الغنم»، قيل: وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا». رحلته الأولى إلى الشام: وجد «محمد» في عمه «أبى طالب» عطفًا وحنانًا عوَّضه عن فقد جدِّه، فكان يؤثره على أولاده، ولا يكاد يردُّ له طلبًا، فلما رغب «محمد» في أن يصحب عمه في رحلة إلى «الشام»، أجابه إلى ذلك، رغم أنه كان يخشى عليه من طول الطريق، ومشقة السفر، وهو لم يزل غلامًا صغيرًا لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره.

(2)

التعليقات (0)