نشأة الرسول –صلى الله عليه وسلم– وبعض الأحداث التي سبقت البعثة (2)

نشأة الرسول –صلى الله عليه وسلم-

وبعض الأحداث التي سبقت البعثة (2)

انطلق «محمد» مع عمه في تلك الرحلة إلى «الشام»، وهناك حدثت له قصة عجيبة لفتت أنظار القافلة كلها، لكنهم لم يستطيعوا لها تفسيرًا، وذلك أن راهبًا نصرانيا، يدعى «بحيرا» كان يتعبَّد في صومعته في بادية «الشام»، على طريق القوافل، ولم يكن يحفل بأحدٍ يمرُّ عليه، لكنه في هذه المرة نزل من صومعته لما رأى القافلة القرشية وذهب إليهم، ودعاهم إلى طعام، وطلب منهم أن يحضروا جميعًا ولا يتركوا أحدًا يتخلف. ولما حضر «محمد» مع القوم سأل الراهبُ «أبا طالب»: من يكون منك هذا الغلام؟ فقال: ابنى، فقال له: ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، فقال: ابن أخي، قال: صدقت. ثم رأى خاتم النبوة على كتف النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال لأبى طالب: ارجع بابن أخيك هذا فسوف يكون له شأن عظيم، واحذر عليه اليهود، فلو عرفوا منه الذى أعرف ليمسنه منهم شر. وقعت كلمات الراهب من «أبى طالب» موقعًا جميلا، فشكر الراهب على هذه النصيحة الغالية التي لا تصدر إلا عن رجلٍ صالح، وعاد بابن أخيه إلى «مكة». رحلته الثانية إلى الشام في تجارة خديجة: ذهب «محمد» هذه المرة إلى «الشام» في مهمة تجارية، لا للتنزه أو الزيارة كما كان في الأولى، ذلك أن «أبا طالب» رأى ابن أخيه قد بلغ مرحلة الشباب، ولابد له من أن يتزوَّج ويعول أسرة، ولكن من أين لمحمد بالمال؟ فقال لابن أخيه بعد أن أحسن له التدبير: «يا ابن أخي أنا رجل لا مال لي، وقد اشتدَّ الزمانُ علينا، وقد بلغنى أن خديجة بنت خويلد استأجرت فلانًا ببكرين (أى جملين صغيرين) ولسنا نرضى لك بمثل ما أعطته فهل لك أن أكلمها؟» قال «محمد»: «ما أحببتَ يا عمى». ويكشف هذا الحوار القصير الظروف المالية الصعبة التي كان يمر بها «أبو طالب»، لكن ذلك لم يجعله يضيق بابن أخيه، وإنما خاطبه في رفق وشاوره قبل أن يفاتحه في أمر عمله مع «خديجة»، وفي الوقت نفسه نلمس أن «محمدًا» - صلى الله عليه وسلم - كان يشعر بما يعانيه عمه، فلم يملك إلا أن يقول له: «ما أحببتَ يا عمى». توجه «أبو طالب» إلى «خديجة» وقال لها: «هل لك يا «خديجة» أن تستأجرى «محمدًا»؟ فقد بلغنا أنك استأجرت فلانًا ببكرين، ولسنا نرضى لمحمد دون أربعة». فأجابت «خديجة» بلهجة تحمل الوداد والاحترام للشيخ الوقور: «لو سألت ذلك لبعيد بغيض فعلنا، فكيف وقد سألتَه لقريب حبيب» (1). خرج «محمد» في تجارة «خديجة» يصحبه غلامها «ميسرة» وكان صاحب خبرة في التجارة ومعرفة بأصولها، أثيرًا لديها، تأتمنه على مالها وتجارتها، وكانت هذه الرحلة ناجحة وموفقة كل التوفيق، وربحت أكثر من أية مرة سابقة. وفي طريق العودة اقترح «ميسرة» على «محمد» أن يسبقه إلى «مكة»؛ ليكون أول من يبشر «خديجة» بعودتهما سالمين وبنجاح تجارتها، وعندما بلغ «خديجة» الأمر سُرَّت أيما سرور، وأعجبت بما قصَّه «ميسرة» على سمعها من شأن «محمد»، من أمانة، ورقة شمائل، وسمو خلق، وازدادت إعجابًا لما سمعت «محمدًا»، وما لبث هذا الإعجاب أن تحول إلى تقدير ورغبة في الزواج. مشاركة محمد في الحياة العامة: شارك «محمد» - صلى الله عليه وسلم - قومه في حياتهم العامة قبل البعثة، فاشترك في «حرب الفِجَار»، وهو في نحو الخامسة عشرة من عمره، وهى حرب وقعت أحداثها في الأشهر الحرم، ولذا سميت بحرب الفجار، وسببها أن «النعمان بن المنذر» أمير «الحيرة» اعتاد أن يرسل كل موسم قافلة تجارية إلى سوق «عكاظ» بالقرب من «مكة» المكرمة، وكان يستأجرُ لها حراسًا من القبائل القريبة من «مكة»، فعرض رجلان أنفسهما لهذه المهمة، أحدهما من «هوازن» يسمى «عُروة»، والآخر من «كنانة» يسمى «البَرَّاض»، فاختار «النعمان» «عروة»، فقتله «البراض»، فوقع القتال بين قبيلتيهما لهذا السبب، واستمر أربع سنوات وانتهى بالصلح بين المتحاربين، وقد وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - مشاركته في هذه الحرب بقوله: «كنت أنبل على أعمامى» أى يرد إليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها.

حلف الفضول: وكما شارك «محمد» قومه في الحرب فقد شاركهم في السلم؛ حيث شهد «حلف الفضول»، الذى تكوَّن عقب حرب الفجار، وكان أول من دعا إليه عمه «الزبير بن عبد المطلب»؛ لنصرة المظلوم أيا كان، من أهل «مكة» أو من غيرهم، واجتمعت بعض بطون «قريش»: «بنو هاشم» و «بنو زهرة»، و «بنو أسد»، و «بنو تيم» في دار «عبد الله بن جدعان»، وتعاهدوا ليكونن مع المظلوم حتى يُردَّ إليه حقه. ويصف النبي مشاركته في هذا الحلف بقوله: «لقد شهدت مع عمومتى حلفًا في دار «عبد الله بن جدعان» ما أحب أن لى به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت».

بناء الكعبة: نزل سيل على «الكعبة» قبل بعثة النبي بحوالى خمسة أعوام، هدَّم جدرانها، فعزمت «قريش» على إعادة بنائها، وقسَّمت العمل بين بطونها، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعمل بنفسه معهم، ويحمل الحجارة، حتى إذا ارتفع البناء نحو قامة الرجل اختلفوا فيمن يضع «الحجر الأسود» فيمكانه؛ كل قبيلة تريد أن تحوز هذا الشرف دون غيرها، واشتد الخلاف بينهم حتى تداعوا إلى الحرب، ففزع «أبو أمية بن المغيرة» وخشى عاقبة ذلك، فأشار عليهم بأن يحتكموا إلى أول رجل يدخل عليهم، فوافقوا على ذلك. كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أول داخل عليهم، فاستبشروا خيرًا، وقالوا: هذا الأمين رضينا به حكمًا، فطلب منهم أن يبسطوا ثوبًا، ثم وضع الحجر فيه، وطلب من زعماء القبائل أن يمسك كل منهم بطرف، ليتمكَّنوا من رفع الحجر إلى موضعه، ثم أخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده الشريفة، ووضعه في مكانه.

زواج محمد من خديجة: كانت «خديجة بنت خويلد الأسدية» امرأة شريفة، ذات حسب وجمال ومال تزوجت مرتين من قبل، وعزمت بعد موت زوجها الثانى ألاتتزوج مرة أخرى، وأن تتفرغ لإدارة ثروتها، وتنمية تجارتها. ولكنها حين اتصلت بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وعمل في تجارتها، ورأت فيه من خصال الخير أعجبت به ورغبت في الزواج منه، وأسرَّت بذلك إلى إحدى صديقاتها المقرَّبات، فذهبت إلى «محمد» وسألته ما يمنعك أن تتزوج؟ قال ما بيدى ما أتزوج به. قالت فإن كُفِيتَ ذلك ودُعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة، ألا تجيب؟ قال فمن هى؟ قالت خديجة، فقال كيف لى بذلك؟ قالت علىَّ ذلك، فوافق علىالفور، وعادت «نفيسة» إلى «خديجة»، تزفُّ إليها تلك البشرى فسُرَّت سرورًا عظيمًا. وذهب «محمد» مع أعمامه إلى بيت «خديجة» لإعلان الخطبة، وألقى «أبو طالب» خطبة قصيرة أثنى فيها على ابن أخيه، وأنه لا يعدله شاب في «قريش»، في خلقه وصدقه وأمانته، وإن كان قليل المال، فالمال عرض زائل، ثم وجَّه كلامه إلى أهل «خديجة» فقال: «إن محمدًا له في «خديجة» رغبة، ولها فيه مثل ذلك»، فوافقوا على الخطبة، وأقاموا وليمة بهذه المناسبة السعيدة، وقدَّم «محمد» لخديجة صداقًا قدره عشرون بكرة، ثم تم الزواج، وانتقل «محمد» إلى بيت «خديجة» حيث عاش معها. وهكذا شاءت الأقدار لهذه السيدة الكريمة أن تقترن بسيد الخلق أجمعين، وأن تصبح أول أُم للمؤمنين، وأن تكون خير عون له، فكانت أول من آمن به وكانت تواسيه بمالها، كما كانت حياته معها التي دامت نحو خمسة وعشرين عامًا تملؤها السعادة، ورزقه الله منها بستة أولاد؛ اثنين من الذكور هما: «القاسم» و «عبد الله»، وقد ماتا قبل البعثة، وأربع بنات، هن: «زينب» وقد تزوجها ابن خالتها «أبو العاص بن الربيع»، و«رقية» و«أم كلثوم» وقد تزوجهما «عثمان بن عفان»، واحدة بعد الأخرى، و «فاطمة» وتزوجت بعلى بن أبى طالب.

من الزواج إلى البعثة: كان عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - حين تزوج السيدة «خديجة» خمسًا وعشرين سنة، وكان عمره حين بعثه الله بالرسالة على رأس الأربعين، فماذا كان يعمل في المدة التي بين الزواج والبعثة؟ إن مصادر السيرة النبوية لم تمدنا بمعلومات كثيرة عن هذه الفترة من حياته، سوى أنه كان دائم التأمل في الكون الفسيح، والتفكير في القوة التي أبدعته وأحكمت صنعه، وأنه رفض ما عليه قومه من عبادة الأصنام، وما غرقوا فيه من الفساد والمجون، فلم يسجد لصنم، ولم يحضر مجلس لهو وعبث، بل كان يعتكف شهرًا من كل سنة في غار «حراء»، يتعبد فيه، ويجد فيه فرصة مناسبة للتفكر والتأمل، بعيدًا عن صخب «مكة» وضجيجها. وكان شهره المفضل الذى يقضيه في الغار هو شهر رمضان المبارك. ويبدو أنه في تأمله هذا كان ينشد مخرجًا للعالم مما هو فيه من شرك ووثنية؛ لأن ما بقى من الشرائع القديمة لم يكن كافيًا ليريح نفسه المتشوقة إلى الحق المجرد والحقيقة المطلقة، وظل كذلك حتى أتاه «جبريل» - عليه السلام- بالوحي.

(1)


الموسوعة الموجزة في التاريخ الإسلامي - عصر النبوة والخلافة الراشدة/ أ. د. عبد الشافي محمد عبد اللطيف.

التعليقات (0)