قصة تحرير الرها من الصليبيين (1)

قصة تحرير الرها من الصليبيين (1)

أولاً: الصليبيون في المشرق الإسلامي

تعرّضت الأمة الإسلامية في أواخر القرن الخامس الهجري/ أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، لأول عدوان عسكري خارجي يغزوها في عقر دارها، ويهدد وجودها ومصيرها؛ ألا وهو عدوان الفرنجة الصليبيين.. وهم جماعات بشرية عدوانية خرجت من دول مختلفة في غرب أوروبا، خاصة فرنسا، للاستيلاء على بلاد الشام والجزيرة، والاستيطان فيها، بتحريض من البابا أوربان الثاني والكنيسة الكاثوليكية، بذريعة تخليص الضريح المقدس في «أرض المسيح» من أيدي المسلمين (الكفار)، وتأمين وصول الحُجاج المسيحيين إلى الأراضي المقدسة في فلسطين.

وهكذا اندفعت الجحافل الجرارة لهؤلاء الغزاة تحت راية الصليب، مخترقين شرقي أوروبا، وقطعوا آلاف الأميال حتى وصلوا إلى الأناضول، حيث نجحوا في إحراز النصر على الأتراك السلاجقة، أكبر القوى الإسلامية في المشرق الإسلامي إذ ذاك، وذلك في العام 1097، الأمر الذي فتح أمامهم طريق آسيا الصغرى، ومنها إلى الجزيرة والشام أو «أرض اللبن والعسل»، بناء على ما هو مدون في كتابهم المقدس.

وقد ردد رجال الدين الكاثوليك هذا الوصف كثيراً على مسامع عامة النصارى في مدن فرنسا وإيطاليا وألمانيا، أثناء فترة الدعوة والتحضير لهذه الحملات الغاشمة؛ وذلك لحشد أكبر عدد ممكن من المقاتلين من مختلف الطبقات والفئات، مع منحهم صكوك الغفران التي يدخلون بها الجنة - بزعمهم - إن هم قتلوا المسلمين، فكان ذلك حافزاً لكثير من المغامرين والمرتزقة والمهمّشين واللقطاء واللصوص وغيرهم، للانخراط في هذه الحملات العدوانية لأجل إشباع رغباتهم وتحقيق أطماعهم الدنيوية في تلك الأرض «الموعودة»، على حساب أهلها المسلمين، وذلك بجانب العامل الديني الذي ألمحنا إليه سابقًا.

وقد رسم لنا المؤرخون صورًا مرعبة للمذابح التي ارتكبها الصليبيون بحق المسلمين، وما قاموا به من سلب ونهب وتخريب وتدمير للمدن الإسلامية التي احتلوها، أو مروا بها، وصولاً إلى المذبحة الكبرى التي ارتكبوها غداة اقتحامهم مدينة القدس في 23 شعبان 492هـ الموافق 15 يوليو 1099م، التي راح ضحيتها جل سكان المدينة من المسلمين والمسيحيين واليهود.

وخلال عدد قليل من السنوات استطاع الصليبيون أن يستولوا على أجزاء واسعة من مدن وموانئ وأقاليم بلاد الشام والجزيرة، وأكدوا وجودهم الاستيطاني بإنشاء عديد من الإمارات الصليبية في أخصب بقاعها وأغناها، مثل: الرها، وأنطاكية، وطرابلس، وبيروت، وعكَّا، وصيدا، فضلاً عن مستعمرتهم الأساسية في فلسطين (مملكة بيت المقدس).. وقد ضموا إلى كل مستعمرة أو إمارة ما يحيط بها من مدن وأقاليم زراعية خصبة، وعملوا على تأمين كل منها بسلسلة من القلاع والحصون القوية التي نظموا فيها الحاميات، وشحنوها بالمؤن والسلاح، وبكل ما يمكنها من الصمود لمدة طويلة في وجه أي حصار قد يقوم به المسلمون لها.

وبعد أن استتب وجودهم في تلك الإمارات والمستعمرات، شرعوا في تطوير أعمالهم العدوانية ضد المدن والبلدات الإسلامية التي لم تخضع لهم، فاستحلوا دماء أهلها وأموالهم، وقطعوا طرقهم، ونهبوا قوافلهم وخيراتهم، وأذاقوهم لباس الذل والخوف.

ثانياً: حال المسلمين وواقعهم السياسي

جاء احتلال الصليبيين للقدس وبلاد الشام والجزيرة في وقت كان يسود فيه التفكك والتشرذم والشقاق بين المسلمين، وكانت تتقاسم أقاليم المشرق الإسلامي - إذ ذاك - خلافتان متناقضتان ومتصارعتان، وهما الخلافة العباسية في بغداد، والخلافة الفاطمية في القاهرة، وكانت كل منهما في قمة الضعف.

فأما الخلافة العباسية (السنية) في بغداد، وهي الأقدم والأعرق؛ فكانت قد تحولت إلى رمز ديني معنوي، وكان الخلفاء العباسيون يمارسون دوراً شكلياً فقط، ولم يكن تحت أيديهم أي قوة عسكرية، ومن ثم لم يكن لهم أي تأثير يُذكر على مجرى الأحداث خارج مدينة بغداد، وكانت الهيمنة الفعلية للأتراك السلاجقة منذ سنة 447هـ/1055م، وهو العام الذي دخل فيه زعيمهم طغرل بك بغداد وخلص الخلافة العباسية من سيطرة البويهيين الشيعة.

وأما الخلافة الفاطمية (الإسماعيلية الشيعية) في القاهرة، فكانت هي الأخرى منهكة وضعيفة نتيجة الفتن الداخلية التي عصفت بها، من جهة، والحروب المتواصلة والمكلفة بينها وبين السلاجقة في الشام لأسباب مذهبية وسياسية، من جهة أخرى. وكانت الهيمنة الفعلية عليها للجماليين، نسبة إلى بدر الدين الجمالي الأرمني، أحد كبار القادة الفاطميين. ولم يكن للفاطميين أو الجماليين شأن يذكر في مقاومة الصليبيين، خاصة بعد هزيمتهم البحرية وتدمير الصليبيين أسطولهم في معركة عسقلان سنة 517هـ/ 1123م. ومنذ ذلك الحين انشغلت الخلافة الفاطمية بانقساماتها، وفقدت السيطرة على الأحداث التي حولها، حتى جاء صلاح الدين الأيوبي فكنسها إلى مزبلة التاريخ.

كما أن الدولة السلجوقية، التي كانت وصية على الخلافة العباسية، كانت هي نفسها مفككة ومقسمة إلى إقطاعيات عسكرية منتشرة في الأناضول وفارس والشام والجزيرة، وكانت هذه الإقطاعيات قد فقدت أواصر الارتباط فيما بينها بعد وفاة آخر سلاطينهم الكبار، وهو ملكشاه بن ألب أرسلان سنة 485هـ/1092م.

ومن تلك الإقطاعيات العسكرية التي كانت لها خطوط مواجهة مباشرة مع الصليبيين: أتابكية دمشق وأتابكية الموصل، وكان بينهما وحولهما عدد من الإمارات الصغيرة والأسر المستقلة، وكان العداء هو الطابع المميز للعلاقة فيما بين هذه الإمارات والأسر، ولم يكن أمراؤها يتفقون على أي خطة مشتركة لمواجهة الصليبيين الغزاة، بل إن منهم من مال لمهادنتهم وعقد الاتفاقيات معهم؛ اتقاء لشرهم، أو تسليماً بالأمر الواقع، أو خوفاً من بعضهم البعض، كما فعل حكّام دمشق، على سبيل المثال.

وفي تلك الفترة حالكة السواد، ظهرت خيانات الخائنين، وانكشف تخاذل المتخاذلين، وانتشرت الجماعات الباطنية في أجزاء كثيرة من إيران، وشغلت حيزاً لا بأس به في سواحل الشام، حيث تمركزت في قلاع قوية في القمم القبلية، وذلك بجوار الإمارات والقلاع الصليبية، وكانت شوكة مؤذية في خاصرة المسلمين.

في حين تُرك العبء الأكبر من الجهاد على عاتق القوى المحلية، التي كان يقودها العلماء العاملون، وغالباً ما كان يحدث ذلك أثناء حصار الصليبيين للمدن. وأما من كان يقاتل من أمراء المسلمين، فكان يقاتل دفاعاً عن نفسه، وعما تحت يده من بلاد، ولاتقاء لعنة التاريخ التي لا ترحم ولا تحابي أحداً.

ثالثاً: عماد الدين زنكي ينهض

وقد استمر الوضع كذلك إلى أن ظهر الأتابك (الأمير) عماد الدين زنكي بن مودود بن آق سنقر التركماني، وهو من قادة السلاجقة، والذي تسلم أتابكية (إمارة) الموصل سنة 521هـ/1127م بأمر من الخليفة العباسي المسترشد بالله، وبترشيح من السلطان محمود السلجوقي، الذي كان عماد الدين يحظى بثقته وتقديره، لما علم من شهامته وكفايته؛ فكان عماد الدين زنكي هو الذي رفع راية الجهاد ضد الصليبيين بصورة منظمة.

بيد أن طريق الجهاد لم يكن مفروشاً بالورود أمام هذا القائد المسلم، فهو عندما تولى أتابكية الموصل كانت الإمارات الصليبية قد صارت تشغل الساحل الشامي بطوله، ابتداء من طرسوس في أقصى الشمال حتى جنوب سهل فلسطين الساحلي في غزة وعسقلان، إضافة إلى مستعمرتهم الرئيسية (مملكة بيت المقدس) التي كانت تشغل معظم أراضي فلسطين الحالية، بل كان ملوكها قد توغلوا في أعماق البلاد فبسطوا نفوذهم على الكرك في شرقي نهر الأردن، وعلى الشوبك والبتراء ووادي عربة في جنوب البحر الميت، وامتدت سيطرتهم لتصل إلى ميناء إيلات على خليج العقبة. وقد شكل احتلالهم هذه المناطق تهديداً مستمراً لمواكب الحجاج ولقوافل التجار المسلمين إلى الحجاز والأراضي المقدسة، وأيضاً القوافل المتجهة إلى مصر (التي أصبح هذا الطريق هو الممر الوحيد إليها من الشام بعد قطع الصليبيين الطريق الساحلي الذي يربط بين الشام ومصر).

وهذا فضلاً عن توغل الصليبيين في أعماق بلاد الجزيرة من خلال إمارة الرها الصليبية، التي راح خطرها يزداد ويتعاظم يوماً بعد يوم – كما سنوضح ذلك لاحقاً -.

ويمكن القول إنه غداة ظهور عماد الدين زنكي على الساحة الإسلامية، كان الصليبيون قد سيطروا على معظم بلاد الشام والجزيرة، ولم يكن يخرج عن سيطرتهم سوى قواعد الشام الأربع: دمشق وحلب وحمص وحماه.. لكن ومع استقلال هذه المدن، إلا أنها كانت عرضة للغارات الصليبية المتواصلة.. كل ذلك من جهة.

ومن جهة أخرى، فقد كان عماد الدين زنكي محكوماً في حركته بمصالح السلطان السلجوقي والخليفة العباسي ومراكز القوى الأخرى حوله، ثم إنه كان لزاماً عليه أن يهتم أولاً بشؤونه الداخلية وبناء قوته الذاتية، وقد استغرق منه ذلك عدداً من السنوات، اضطر خلالها إلى أن يخوض معركة حربية مع الخليفة العباسي المستظهر بالله سنة 526هـ/1132م، وهي المعركة التي انتهت بهزيمته وانسحابه إلى تكريت، والتي نزل فيها ضيفاً على القائدين الكرديين نجم الدين أيوب وأخيه أسد الدين شيركوه، واللذين ضمهما - فيما بعد - إلى خدمته، وأدخلهما إلى قلب الأحداث والتاريخ.

لكن ومع كل العقبات التي وقفت في وجه عماد الدين زنكي، فقد تمكن بفضل خبرته العسكرية وكفاءته الإدارية، من توطيد سلطته في مدينة الموصل وما حولها، وأصبح سيد الجزيرة غير منازع، كما رسخ نفوذه في مدينة حلب، ثم في مدينة حماه، وبذلك وحّد بين شمال العراق وشمال الشام، وخطا الخطوة الأولى على طريق وحدة الصف.

وبالتزامن مع ذلك عمد عماد الدين إلى مناجزة الصليبيين، فانتصر عليهم في عديد من المعارك غير الحاسمة، كما انتزع منهم كثيراً من الحصون والقلاع، من أهمها: حصن الأثارب بين حلب وإنطاكية سنة 524هـ، وقلعة بعرين القريبة من حماه سنة 531هـ، وذلك بعد معركة قاسية انتصر فيها على الصليبيين، وأسر خلالها ريموند قائد جيش طرابلس. وكان في سنة 529هـ قد فتح معرة النعمان وكفر طاب. كما استطاع أن يرد جحافل الروم البيزنطيين عن شيزر سنة 533هـ، وأن يلحق بهم أفدح الخسائر. وقد توج عماد الدين انتصاراته الظافرة بتحرير مدينة الرها سنة 539هـ/1144م، وهو ما سنسلط عليه الضوء في الفقرات اللاحقة.

(2)

التعليقات (0)