صحافتنا في الميزان (الحلقة الأولى)

صحافتنا في الميزان

(الحلقة الأولى)

أحمد عوض باوزير

الطليعة 1959– 1967م

ما من شك في أن صحيفة (الطليعة) الأسبوعية الحضرمية تعتبر بكل المعايير أول صحيفة سياسية تصدر في المكلا في نهاية الخمسينيات وذلك إثر قيام أول دار نشر أهلية عام 1958م تعرف باسم دار المستقبل. ولا يعني هذا بأي حال من الأحوال أن عامل النشر كان الباعث الوحيد لإصدار هذه الصحيفة، بل كانت الفكرة مختمرة مسبقًا في ذهني قبل عودتي من عدن إلى المكلا بوقت غير قصير، حيث كنت قد اكتسبت خبرة عملية في المجال الصحفي من خلال عملي في ثلاث صحف عدنية هي على التوالي: (النهضة) و(الرقيب) ثم صحيفة (الأيام) التي كنت أول سكرتير تحرير لها [1]. وعند عودتي إلى المكلا لم أكن قد عرفت عن وجود دار نشر بها على الإطلاق، فضلا عن عقد صفقة بشكل أو بآخر مع نفر من مؤسسي المطبعة لأنها لم تكن قد باشرت عملها بعد، وكان أول عمل تقوم به هو إصدار صحيفة (الطليعة) التي كان قد صدر الترخيص الحكومي بها مؤخرًا.

وقد كان الحصول على الترخيص هو الآخر في غاية الصعوبة في ظل تخوف حقيقي لدى بعض المسؤولين في السلطنة، حيث كانوا قد عانوا كثيرًا مما كان ينشر في الصحافة العدنية قبل ذلك عن الأوضاع في السلطنة فكيف بهم وهم يجدون الصحافة وقد غزتهم في معاقلهم. وكان هذا هو رأي الكثيرين من الأصدقاء الذين التقيت بهم وأطلعتهم على ما كنت أعتزم القيام به من إصدار صحيفة تحمل اسم (الطليعة)، على ما يحمله هذا الاسم من دلالات ومعان خاصة، لكني والحق يقال وجدت المساعدة والتشجيع من الشيخ محمد عبد القادر بامطرف الذي كان حينها يشغل منصب مساعد سكرتير الدولة على الرغم من أنه لم تسبق لي المعرفة به قبل ذلك، ولعله استشف من خلال رسالة الطلب التي تقدمت بها ثقة وتصميمًا لم يعهده من قبل في ما كان قد قدم إليه من رسائل مماثلة كما أخبرني بذلك شخصيًا فيما بعد.

وهكذا كانت المفاجأة أكبر مما كان متوقعًا لها. والسؤال هو هل الحصول على الترخيص الحكومي وحده كاف لإدارة الصحيفة بمعزل عن المشاكل أوالمعوقات، خصوصًا وأن قانون المطبعة لعام 1953م ينص في بعض مواده على أن لصاحب العظمة - أي السلطان - أن يمنح أو يرفض أو يلغي الترخيص حسب رغبته (كذا) [2]. وفيما عدا سيف السلطان المطلق التصرف في المنح أو الرفض أو الإلغاء، لا توجد مواد أخرى غيرها ذات أهمية تذكر، وهكذا كان الأصدقاء قبل الأعداء أقل تفاؤلًا، لأنهم يعتقدون وهم محقون في ذلك أن العمل الصحفي في ظل انعدام ضوابط قانونية محددة يظل محفوفًا بالمخاطر والمتاعب. وعلى مرور الأيام تبددت تلك المخاوف شيئًا فشيئًا، وإلى هذا يشير المؤرخ المعروف سعيد عوض باوزير في كتابه (الفكر والثقافة في التاريخ الحضرمي) إلى أن النجاح الذي حققته الصحيفة إنما يعود إلى "أن العمل الصحفي في نظر رئيس التحرير هو موهبة وهواية قبل أن يكون دراسة، إضافة إلى الخبرة الطويلة التي استفادها من عمله في حقل الصحافة العدنية قبل أن يصدر مجلته (الطليعة) وكذا الروح الوطنية المتوثبة التي كانت تدفعه إلى معالجة الموضوعات الحساسة بقلم الصحفي المؤمن بما يكتب المتحمس لما يقول"[3].

أما الشيخ محمد عبد القادر بامطرف الكاتب الألمعي فهو يشيد بموقف الصحف المحلية التي كانت سيارة في الخمسينيات وفي النصف الأول من الستينيات وفي مقدمتها صحيفة (الطليعة)، تلك الصحف التي كانت رغم إمكانياتها الضعيفة والقيود المفروضة عليها من حكومات العهد البائد قد جعلت من نفسها، كما يقول الكاتب، منارًا عاليًا لإبقاء شعلة الشعور الوطني متّقدة.

وإذا كانت المكلا قد شهدت في نهاية الخمسينيات ميلاد صحيفة جديدة هي (الطليعة)، فقد شهدت ميلاد صحف جديدة غيرها هي (الرائد) و(الرأي العام) و(الجماهير) [4]. وهذه الصحف لم تنشأ من فراغ بل هي امتداد طبيعي للمسيرة الصحفية التي بدأت في الثلاثينيات واستمرت حتى مشارف فجر الاستقلال عام 1967م. ونظرًا لعدم وجود المطبعة قديمًا، فقد صدرت معظم تلك الصحف إما منسوخة باليد أو مطبوعة على المطبعة اليدوية أو الحجرية، ومن تلك الصحف (التهذيب) و(عكاظ) اللتان صدرتا في سيئون عام 1931م، وفي تريم صدرت مجلة (الإخاء)، لسان حال جمعية الأخوة والمعاونة، التي استمر صدورها عامين ثم توقفت نتيجة ظروف الحرب العالمية الثانية، وكانت قد صدرت في البداية خطية ثم واصلت بعد ذلك صدورها مطبوعة. وفي المكلا صدرت مجلة (المنبر) عام 1939م ثم تلتها صحيفة (الأمل) [5] وأخيراً (الأخبار) لسان حال الدولة القعيطية، وقد صدرت جميعها مطبوعة.

والآن، والشيء بالشيء يذكر، فلا بد من الإشادة بجهود أولئك الرواد من الصحفيين الأماجد الذين عملوا في ظروف صعبة، لكنهم لم يضعفوا ولم يهنوا، وكانت مساهماتهم الطيبة في صحافتهم تصب في خدمة الوطن والمواطنين، وكانت المسيرة - لأسباب ذاتية وموضوعية - تتوقف فترة لتعود من جديد ربما بشكل أكثر تطورًا وأقوى حماسًا.

ولقد سجل صدور (الطليعة) فيما بعد حدثًا هامًا، حيث بلغ إجمال ما صدر من أعدادها (404) أربعمائة وأربعة أعداد على مدى ثماني سنوات، وهو ما لم تبلغه أي صحيفة أخرى قبلها ولا بعدها من صحف ما قبل الاستقلال. ولذلك فهي تعتبر وثيقة هامة في استجلاء الأحداث خلال الفترة الماضية، وهي فترة انبعاث الوعي الوطني والتفاعلات السياسية والفكرية التي شهدتها حضرموت في تلك الفترة، ولا بد لنا من وقفة متأنية أخرى مع صحيفة (الطليعة) وغيرها في حلقات قادمة من صحافتنا في الميزان.


العدد العاشر، يوليو- سبتمبر 1998م.

المصدر: مجلة الفكر الصادرة عن جمعية المؤرخ سعيد عوض باوزير الثقافية.

العدد الممتاز 43 - يناير 2021.

https://wefaq.net/c/horizons/1486


[1] صدرت كل من النهضة والرقيب والأيام على النحو التالي: (1949)، (1956)، (1958).

[2] صحيفة الأخبار العدد الثاني مارس 1952م.

[3] كتاب الفكر والثقافة صفحة (237).

[4] صدرت كل من الرائد، الرأي العام، الجماهير على النحو التالي (1960م)، (1963م)، (1965م).

[5] في محاضرة عن تاريخ الصحافة في حضرموت ألقاها بالمكتبة السلطانية بالمكلا عام 1945م الأستاذ محمد أحمد الشاطري ونشرت في مجلة (الحكمة) العدد العاشر (السنة الأولى) بتاريخ 15 فبراير 1972م.

التعليقات (0)