من تاريخ القصة في حضرموت

من تاريخ القصة في حضرموت

د. عبدالعزيز الصيغ

تاريخ القصة في حضرموت يبتدئ من الخمسينيات، وقد كتب القصة في ذلك الوقت مجموعة قليلة من الأدباء، منهم الأستاذ سعيد عوض باوزير، والأستاذ محمد عبد القادر بامطرف. وكان الأستاذ محمد عبد القادر بافقيه يكتب الشعر ولم يكن معروفاً إلا بوصفه مؤرخاّ، كما كان يكتب المقالة السياسية، وكتابته للشعر هي من فترة الشباب الأولى، ولعله كان يكتب القصة مع هؤلاء. وهؤلاء الثلاثة كانوا أعلاما بارزة في صحف تلك الأيام. كما كتب القصة آخرون لم يكونوا على حظ من الشهرة، وإن كانوا على حظ من المقدرة، منهم الأستاذ حسين عمر شيخان، ثم عالج كتابتها كتاب آخرون لم يعلنوا عن أنفسهم، وقد صارت القصة مثل الشعر يمر بها أكثر الذين لهم حظ في قراءة الأدب وتذوقه، فكتب بعضهم قصة أو قصتين وتوقف، وهي ظاهرة نجدها كثيرا في السبعينيات فيما بعد والثمانينيات.

وهؤلاء الأعلام الثلاثة باوزير وبامطرف وبافقيه - كانوا يعنون عناية كبيرة بما يكتبون، وكانوا على حظ وافر من المعرفة الأدبية، والمقدرة الكتابية، وكانوا يمارسون إلى جانب كتابة القصة كتابة الشعر والتاريخ وغيره، فهم أعلام بارزة في التاريخ ولهم كتب تشهد بتقدمهم وريادتهم في مجالاتهم، وليست القصة والشعر بالنسبة لهم إلا محاولات تعبيرية أو إسهامات منهم في حقلهما، وفي القصة على وجه الخصوص، التي لم يكن لها فرسانها البارزون، ولذلك كان دخولهم دائرة هذا الفن لردم هوة الفراغ الذي كان سائدا.

أقدم قصة كما نعرف هي قصة (عندي أوامر) للأستاذ سعيد باوزير، وهو كما يبدو لم ينشر إلا قصتين، نشرهما ابنه نجيب في الكتاب الذي أصدره لوالده بعنوان (الثقافة وسيلتنا إلى الكفاح). والأستاذ سعيد باوزير أديب قبل أن يكون مؤرخاً، وهو من الشخصيات الشاملة التي كانت تكتب في مجالات مختلفة باقتدار، فهو يكتب الشعر إلى جانب كتابته المقالة السياسية والاجتماعية، كما يكتب القصة إلى جانب ذلك، فضلاً عن اسمه الكبير بوصفه مؤرخاً مرموقاً حفظت له كتاباته مكانته الكبيرة في مجال التاريخ.

وليس اعتباطا أن يكتب الأستاذ المؤرخ سعيد باوزير القصة، فقد كان معنياً بالأدب كما ذكرنا، وكتابته القصة له دلالته الواضحة، وهي أنه أراد أن يسهم في الحركة الأدبية، كما أنه كان محركاً فعالاً في نواحيها المختلفة. لقد كان عصر هؤلاء عصر نهوض أدبي وثقافي، وهو عصر نهوض للثقافة على مستوى الوطن العربي، وقد كان من حظ حضرموت أن تيسر لها مجموعة من الأعلام البارزين، ففي عالم الثقافة قاموا بدور تنويري كبير، كان من أوائلهم الأستاذ سعيد باوزير، والأستاذ محمد بامطرف، والأستاذ محمد بافقيه. وكان هؤلاء جميعا أدباء دفعهم حبهم للأدب إلى دراسة التاريخ، ثم شدهم التاريخ، وصار عنواناً عليهم وسمة لهم، ولكن ظلت لهم الأسبقية والريادة في وضع حجر الأساس في نواح مختلفة من الأدب ومنها القصة.

حين نقرأ قصتي الأستاذ سعيد باوزير: (عندي أوامر) التي نشرها في صحيفة (الطليعة) في يونيو 1959م، و(البدوي الأرعن) التي نشرها أيضا في صحيفة (الطليعة) في مارس 1961م، نجد أن القصتين تمثلان تمثيلاً واضحاً البدايات الأولى للقصة في حضرموت.

فالقصة الأولى تصور شخصية شاب يؤرقه ويزعجه واقعه المتمثل في شيوع الجهل والأمّية وعدم إحساس الشباب بهذا الواقع المزري، فهو يصور القرية التي يعيش فيها هذا الشاب بأن شبابها لا يعرفون القراءة، وأنه الوحيد من أبناء القرية الذي تجد عنده المجلات والصحف التي كانت شائعة في الثلاثينيات من القرن الماضي، كما تجد عنده كتباً لأعلام الأدباء كطه حسين والعقاد والرافعي.

والقصة تتحدث بعد ذلك عن اندفاع الشاب إلى عمل شيء من أجل انتشال القرية من هذا الواقع، ويصل إلى أن العمل الصحيح هو أن يجمع مجموعة من الشباب يلتقون بين الحين والآخر ليتدارسوا الأمر، وقد ترصد بصنيعهم هذا مغرضون، صوروا الأمر بأنهم يعملون سراً لفعل شيء خطير، فاستدعي الشاب وطلب منه أن يوقف الاجتماعات، وحين سَأل الشاب مستفسراً عن سبب المنع قال له المأمور: عندي أوامر.

والقصة فيها الطابع الرومانسي، فشخصية بطل القصة شخصية فقيرة ومحبة للقراءة وتحمل هموم الآخرين ومشغولة بهم، وهو يعتمد في تثقيف نفسه على صديقه الغني الذي يزوده بالصحف والمجلات. والكاتب في القصة يعنى بأسلوبه عناية كبيرة، نجد ذلك من خلال تحريه أحيانا الظواهر البلاغية في أسلوبه، فهو حين وصف الشاب قال عنه: "في عينيه أمل باهت، وفي صدره ألم مكبوت"، وواضح هنا المجانسة بين كلمتي ألم وأمل. والقصة فيها النبرة الخطابية الطاغية، وهي سمة البدايات، كما فيها المباشرة، وعدم العناية بالحدث، ولا تقوم القصة إلا على فكرة إصلاحية، وتخلو من التماسك العضوي، فالكاتب يصور بطله أنه يتخلص من معاناته بقراءة كتاب أو مطالعة مجلة، وهي فكرة خيالية غير مقبولة. والقصة كتبت بلغة رفيعة، وهذه ميزتها البارزة، كما أن ميزتها الأكبر أنها من القصص الرائدة في حضرموت.

والقصة الثانية هي (البدوي الأرعن)، قصة تتحدث عن العرف القبلي، ولا ينسى فيها الكاتب الطابع الرومانسي، فالقصة تبدأ برجل يحتضر وأخته إلى جواره وابنتاه نائمتان، فالبداية رومانسية والكاتب يصور هذه الأجواء ويقدم لها بحفل راقص في جانب من القرية، كأنما ليرسم للقارئ مفارقة الحياة. ثم تبدأ القصة، أو العقدة فيها، بتقسيم تركة الميت التي منها بندقيته، والقضية تبدأ عندما أتى ابن عمه بعد شهر مطالباً بالبندقية وفقاً للعرف القبلي الذي يقضي أن تكون له البندقية لعدم وجود أبناء ذكور للمتوفى، ويأتي البدوي إلى القاضي الذي حكم بحق البنتين في البندقية، ثم ينتقل الكاتب إلى مشهد سطو لقبائل على سيارة وقتل بعض أفرادها، والقصة يصور فيها الكاتب الأثر السيئ للعرف القبلي على أرواح الناس.

وموضوع القصة من الموضوعات الحيوية في حضرموت في النصف الأول من القرن العشرين، والكاتب يصور القصة بوصفه شاهداً حياً على أحداثها الحقيقية، فقد رسم هو على الورق صورة القصة التي جرت على الواقع. والكاتب كان هو القاضي في القصة، والقصص التي تمر به كثيرة، فليست غرابة القصة هي التي دفعته إلى كتابتها، فالواقع مليء بالغرائب، ولكن الذي دفعه إلى ذلك هو رغبته في أن يلج عالم القصة الذي كان خالياً من الأعلام، فأكثر الذين يكتبون يشدهم الشعر ويجذبهم إليه.

ولم يكن الأستاذ باوزير حين كتب قصصه غافلاً عن الفن القصصي، بل إن درايته به واضحة من خلال تحديده في القصتين أنهما واقعيتان، الأولى هو البطل فيها والثانية هو أحد الشخصيات، وهو ما يعني أنه كان يفرق بين القصة بوصفها كياناً فنياً، والقصة التي يقدمها من الواقع كما وقعت، ولذلك فهو ناقل أمين لقصصه التي كتبها واستقى مادتها من الواقع دون أن يحور فيها شيئاً، وآية ذلك أنه في القصة الثانية كان يشير إلى الشخصيات في الهامش بأسمائها الواقعية.

ولو شاء الأستاذ أن يكون قاصاً لكان له ذلك، فهو أحد الأدباء الذين كانوا يحسنون الإعداد لأعمالهم وينجزونها كما يجب أن تكون.

إن تاريخ القصة في حضرموت يجب أن يعترف بالريادة له في القصة مع زميليه بامطرف وبافقيه اللذين كانا نجمين مضيئين في خارطة الأدب في حضرموت، وكان الثلاثة يشكلون كوكبة رائدة في عالم القصة الذي حمل الراية فيه بعدهم الأستاذ حسين شيخان ولكنه سلمها سريعاً إلى من أتوا بعده.


العدد (17)، يناير- مارس 2002م

المصدر: مجلة الفكر الصادرة عن جمعية المؤرخ سعيد عوض باوزير الثقافية

العدد الممتاز 43 - يناير 2021

https://wefaq.net/c/horizons/1486

 

 

التعليقات (0)