رشف الحنان من أغاني جمعان

رشف الحنان من أغاني جمعان

عمر عوض خريص

لم يكن الشاعر الغنائي القدير الراحل جمعان أحمد بامطرف بالشاعر العابر في حياة الأغنية الحضرمية وعالمها، ولكنه كان الشاعر المقتدر الذي أسس له مكانته الخاصة وبصمته الواضحة في الأغنية الحضرمية المعاصرة منذ فترة الستينيات من القرن الميلادي المنصرم إلى حال وفاته، رحمه الله. ففي مطلع شبابنا كانت قصائده الغنائية محل احتفاء جماهيري واسع في المجتمع الحضرمي خاصة، واستطاع الشاعر جمعان نصب رايته الشعرية المميزة بين فحول شعراء الأغنية الحضرمية، ومكنته موهبته اللحنية أيضاً من خوض معترك الأغنية باقتدار ونجاح، فكنا نردد أغانيه ونتغنى بها ونستمتع بسماعها في نشوة وسرور، في مجتمع – وقتها - كانت الأغاني مصدر ثقافته ومتعته الأولى فلم نكن نعرف (التلفزيون) ولم يأتنا بعد، والجيد فينا من يملك (مسجلة) وعددا من أشرطة الأغاني، أو (راديو) يأتي بالإذاعات العربية، ففيها يجد المرء مبتغاه وسلوته.

ومصادرنا في جديد الأغاني كانت سهرات الطرب في مناسبات الأعراس، فكل فنان يجتهد بأن يأتي بالجديد لجمهوره، وأفضل الفنانين من يتميز بذلك، لهذا كان الطلب على شعراء الأغنية ملحا وكان الشعراء يتبارون في تقديم الجديد المميز، وكان الشاعر جمعان من بينهم مميزاً ومتألقاً، نعجب بمفردات شعره وتركيبته المغايرة عما كنا نألفه، فله طابع مميز إذا سمعه السامع قال هذا جمعان، من ذلكم قصيدته المميزة (أهل السلا في سلاهم)، وكانت فورة شبابنا ومطلعه تجعلنا ننشدها بنشوة غامرة، وهي التي تقول كلماتها أو بعض منها:

وكنا نفرد أيدينا ونحن نتمايل مرددين (ومالي أنا؟)، ولعل ذكريات الصبا ومطلع الشباب مع أغاني جمعان تجعلنا نستمتع من ارتشاف دنان الحنان من بعض أغانيه المحببة، ولنا الحق في استرجاعها ونحن على موعد مع قرب حلول ذكراه الثامنة عشر  في (27/10/2020م)  تغمده الله بواسع رحمته.

  • أغنية (لو بايقع لي مرادي بسكن بحي السلام) وهي الأغنية التي لاقت رواجاً منقطع النظير، كلمات ولحنا وأداء، وهي الأغنية المكتملة الأركان، ومستقرها في الوجدان، يقول فيها:

في هذه القصيدة يخبرنا الشاعر عن أحباب له في (حي السلام)، وليس محبوبا واحدا، فله فيه أصدقاء ورفاق، يشتاق الى اللقاء بهم ومجالستهم، وإعادة ذكريات الماضي، ولعل ضحالة تجارب الشاعر العشقية التي لا تتعدى نظرة عابرة من غان ساحر، أو التفاتة من غزال شارد لا يلوي على شي، هي التي جعلت غزلياته في مجال الشكوى من الصد والنفور والهجران وعدم الظفر بمن أحب. ولعله يواسي نفسه المتلهفة بخيال الشاعر التواق إلى مدارج الهوى والغرام ما يعزز به وجدانه وشاعريته الشغوفة، ولو قدر للشاعر جمعان هوى عاصف كبعض الشعراء لأمطرنا برقائق الغزل والحب اللطيفة الملتهبة.

  • أغنية (مقبول كل ما يجيني): من هذه الأغنية وأخواتها الجداويات - نسبة إلى مدينة جدة - تتشكل مرحلة جديدة من مراحل الشاعر الغنائية، رق فيها شعره أكثر من مراحله السابقة، ولعل نعومة الحياة بجدة عكست نعومتها على شعره، فللبيئة أثرها على نفس الشاعر وجودة ابداعه، ففي هذه الأغنية يقول:ـ

وقد تيسرت لهذه الكلمات العذبة سبل النجاح والتألق والانتشار حينما لحنها الدكتور الفنان عبد الرب إدريس وغناها الفنان القدير سهل بن اسحاق، وأنتجتها شركة فنية ذات صيت على شرائط الكاسيت. بهذه الصحبة الفنية المميزة للشاعر مع الفنان سهل بن اسحاق أنتجت أغانٍ جميلة للشاعر، منها: (بالله يا جاري/ لا تكشف اسراري/ خل الهوى جاري/ بيني وبينك دوب) و(مهما يطول الزمن/ الحي لازم يعود) وغيرها.

  • أغنية (قطار العمر): وهي ذات الرواج الشائع جماهيرياً لأنها لامست هموم المواطن وأعربت عن حاله، ولو كان بين ظهرانينا اليوم لقال أوجع من هذه الكلمات، ولنظم فيها مُرّ الأبيات. يقول في أغنيته هذه:

وهذه الأغنية هي التي دفعت بعملاق الشعر الغنائي الكبير الشاعر حسين أبوبكر المحضار للرد عليها، وقد ثنّى الشاعر جمعان بالرد بقصيدتين في نفس الموضوع مؤكدا معاناته اليومية الحياتية، وهي معاناة أهله وناسه وشعبه. ولعل جمعان أضاع الكثير من إبداعه في الرد بكثرة على صدى بعض الأغاني معارضاً أو مؤيداً في نفس الاتجاه، هذه الردود أحيانا أتت مصطنعة مثقلة، ربما لتكلف الشاعر في صياغتها ففقدت بريق طابعها الانسيابي، وهو مما يؤخذ على شعره، وليته لم يفعل وترك مساحة للابتكار مثل هذه الأغنية.

  روائع الشاعر جمعان كثيرة لا يحصرها هذا المقال، ولكن أشار إلى بعضها منوّها بجمالها ومكانتها في مصاف الأغنية الحضرمية في عصرها الذهبي، وقد فعل خيراً من سعى في طبع ديوانه (صفاء الخاطر)، الذي ضم (150قصيدة غنائية)، اشتهر معظمها وبعضها لم ينل حظه من الشهرة.


المصدر: مجلة الفكر الصادرة عن جمعية المؤرخ سعيد عوض باوزير الثقافية

العدد الممتاز 43 - يناير 2021

 https://wefaq.net/c/horizons/1486

 

 

 

التعليقات (0)