علم الكيمياء عند المسلمين

علم الكيمياء عند المسلمين

أ.د. عبدالحليم عويس

ظهر علم الكيمياء ونما وازدهر في مصر القديمة؛ حيث كان للمصريين في هذا العلم شأن كبير، وربما كان من المفارقات العجيبة أنَّ هذا العلم لم يُحقِّق على أيدي اليونان القدماء ما حقَّقه على أيدي المصريين مِن نموٍّ وازدهار، بل على العكس انحدر هذا العلم في الحضارة اليونانية انحدارًا ملموسًا، ولم يُعرف عنهم الاشتغال بهذا العلم بصورة جدِّية إلا في العصر الروماني.

على أنه من المؤكد أن اليونان القدماء لم ينقلوا هذا العلم في جملة ما نقلوه من علوم مصر القديمة، كما عرفه المصريون، ثم إنهم فضلًا عن ذلك لم ينجحوا في العلوم التجريبية؛ ولذلك أخفقوا في هذا العلم، ولم يتركوا فيه أيَّ أثر علمي مفيد يُذكر؛ ذلك أنَّ الكيمياء أصبحت في أيديهم من علوم السحر والتهويمات المبهمة، وارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالتنجيم، وأصبح العمل في هذا الميدان مقصورًا على فكرة تحويل المعادن الرخيصة؛ مثل الرصاص والقصدير، إلى معادن ثمينة؛ مثل الذهب والفِضة، وذلك بواسطة حجر غامض يسمَّى حجر الفلاسفة[[1]].

ولذلك ابتعدت الكيمياء شيئًا فشيئًا عن البحث التجريبي؛ لتصبح خرافةً ووهمًا، ووسيلة من وسائل الغشِّ والاحتيال.

ولعل ما بقي مِن كيمياء مصر القديمة يدل على مدى تدهور هذا العلم، وانحداره لدى اليونانيين.

ومن المؤسف حقًّا أن جانبًا كبيرًا من بحوث المصريين الكيميائية قد ضاع؛ ذلك أن الإمبراطور الروماني ديوكلشيان، أصدر في سنة (290م) قرارًا بتدمير جميع البحوث الكيماوية في جميع أنحاء الإمبراطورية[[2]].

ثم جاء العرب المسلمون فورِثوا حقائقَ هذا العلم، وخرافاته جميعًا، فكان عليهم تنقية الحقيقة العلمية من الخرافة، ثم تنميتها وإثراؤها، وتعميق جوانبها.

الأمير خالد بن يزيد بن معاوية وبداية الاهتمام بعلم الكيمياء:

وعلى الرغم من الغموض الذي يكتنفُ بداية اهتمام العرب واشتغالهم بهذا العلم، فمن المرجح أن خالد بن يزيد بن معاوية هو أول مَن اشتغل بالكيمياء من العرب؛ حيث تذكر المصادر أنه أولع بهذا العلم، ونسب إليه ترجمة كتب النجوم والطب والكيمياء وغيرها.

ويقول "هولميارد" (Holmyard): "ويُذكر أن خالد بن يزيد شغف بحب العلوم بصورة عامة، غير أنه جعل الكيمياء في المرتبة الأولى، وقد أمر باستدعاء فلاسفة اليونان من مصر، وطلب إليهم ترجمة العلوم - وبالأخص كتب الكيمياء - من اللغتين اليونانية والقبطية إلى اللغة العربية".

وقد أكَّد صاعد الأندلسي في كتابه "طبقات الأمم" أن خالد بن يزيد له في الكيمياء رسائل وأشعار بارعة، دالَّة على معرفته وبراعته فيها، وينسب له ابن النديم من الكتب التي رآها له في هذا العلم كتاب "الحرارات"، وكتاب "الصحيفة الكبير"، وكتاب "الصحيفة الصغير"، ووصيته إلى ابنه في صنعة الكيمياء، ومِن كتبه أيضًا - إضافةً إلى ما ذكره ابن النديم - كتاب "السر البديع في رمز المنيع"، وكتاب "فردوس الحكمة في علم الكيمياء"، وهو عبارة عن منظومة في قوافٍ مختلفة يبلغ عدد أبياتها ألفين وثلاثمائة وخمسة عشر بيتًا، وله غير ذلك من الكتب في هذا العلم[[3]].

على أنه لم يصلنا من كتابات خالد وجهوده في علم الكيمياء آثار علمية إبداعية واضحة، وإن كان خالد قد أتاح الفرصةَ أمام العلماء مِن بعده لاستيعاب النظريات القديمة في علم الكيمياء، وهيَّأ الظروف لظهور مرحلة التأليف والإبداع، على أيدي عباقرة الكيمياء من المسلمين، الذين أضافوا إلى هذا العلم إنجازاتهم الرائعة.

وما لبثت الكيمياء أن أخذَتْ صورة العلم التجريبي، نتيجة الجهود الكبيرة التي بذلها فريقٌ من العلماء المسلمين، الذين كانوا أول من طبَّق الوسائل العلمية على الظاهرات الكيميائية.

ثم إنهم حقَّقوا أهم مآثرهم في هذا الميدان، بأن أدخلوا التجرِبة الموضوعية في دراسة الكيمياء والعلوم الطبيعية، وهذه خطوةٌ حاسمة نحو التقدم عما كان عند اليونان من فروض مبهمة في هذا الموضوع، وعلى الرغم من استمرار العرب في الاعتقاد بعلم تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب؛ فإن علم الكيمياء ولد بجهود العرب المسلمين وعلى أيديهم، وأما المبادئ الأساسية التي أرسى قواعدها العلماء العرب الأوائل، فانحصرت في أنهم كانوا لا يقبَلون شيئًا باعتباره حقيقة ما لم تؤيده المشاهدة أو تحقِّقه التجرِبة العلمية.

فالكيمياء في صورتها العلمية إنجازٌ حقَّقه المسلمون؛ إذ إنهم أدخلوا الملاحظات الدقيقة، والتجرِبة العلمية المتقنة، واخترعوا الإنبيق، وأعطَوه هذا الاسم (إنبيق Alembic)، وفرَّقوا بين الأحماض والقلويات، واكتشفوا العَلاقة بينهما، ودرسوا ووصفوا مئات من العقاقير[[4]].

ومن الإنجازات الهامَّة التي حقَّقها الكيميائيون العرب: أنهم كانوا أول مَن طبق الكيمياء على الطب، وهم الذين أعطوا لهذا العلم اسمه الذي عُرف به، ومنه انتقل إلى الإنجليزية "chemistry"، والفَرنسية "chimie".


[1] - جلال مظهر: حضارة الإسلام، ص (268).

[2] - المرجع السابق، ص (269).

[3] - د/ طه عبدالمقصود: الحضارة الإسلامية، ص (239).

[4] - جلال مظهر: حضارة الإسلام، ص (271).

التعليقات (0)