الظاهر بيبرس من سلاطين المماليك

الظاهر بيبرس من سلاطين المماليك

د. محمد عبدالحميد الرفاعي

أصبَح بيبرس كبيرًا للمماليك البحرية بعد مصْرع أقطاي، وكان على رأْس الذين فرُّوا إلى الشام بعد تنكيل أيبك بهم، ثم أستأْمَن إلى قطز وشارَك معه في قتال التتار، وأبْلى أعظمَ البلاء كما سيأتي ذِكْره، ولكنَّه كان يشعر مع أتْباعه أنَّ لهم ثأْرًا لدى قطز بعد ما فعَله بهم، وطلَب بيبرس من قطز أن يُنجز وعْده له بتوليته على حلب، ولكنَّه تنكَّر لوعده، وأحسَّ المماليك من تصرُّفاته ولهْجته معهم أنه يُضمر لهم شرًّا، وعند الصالحية في طريق العودة إلى القاهرة، خرَج السلطان للتريُّض والصيد، فلمَّا عاد تظاهَر بيبرس بأنه يريد تقبيل يدِه، وأمسَك به ليقيِّد حركته، بينما انْهال عليه باقي المماليك بسيوفهم ورِماحهم، حتى لَفَظ أنفاسه سنة 658هـ - 1760م بعد شهور من تولية السلطنة.

ولَمَّا كان قانون المماليك هو البقاء للأقوى، فقد اجتمَعت كلمتهم على تولية بيبرس البندقداري السلطنة في الحال في الصالحية، واتَّخذ طريقَه مسرعًا إلى قلعة الجبل مقر السلطنة.

ويُعَدُّ بيبرس مؤسس دولة المماليك البحرية وأهمَّ ملوكها؛ لأن أيبك وقطز كان لهما دورٌ في محاولة القضاء على البحرية والتنكيل بهم، أمَّا بيبرس فهو شديد الانتماء والولاء لهم، وقد استقرَّ في عرْش السلطنة أحد عشر عامًا، وهو صاحب الدور الأوَّل في قتال التتار وصدِّ غارات الصليبيين، وتعقبهم كما سيأتي ذِكره، وقام بكثيرٍ من الإصلاحات الداخليَّة.

وأصْل بيبرس من بلاد "القبجاق" شمال بحر قزوين، وهي من بلاد الترك، ووقع أسيرًا واشْتراه أحد الأمراء الصالحية، وجعَله في خدمة الملك الصالح أيوب، وهو الذي أقام الخلافة العباسيَّة بمصر سنة 659هـ.

وحكَم بيبرس مصر والشام، وفتَح بلاد النوبة حتى وصَل إلى دنقلة، وواصَل بعزمٍ ومَضاء حروبَ التحرير ضد بقايا التتار وجيوب الصليبيين، حتى نَجَح في تحرير إنطاكية وعددٍ من سواحل الشام؛ ولذا وصفَه بعضُ المؤرخين بأنه صلاح الدين الثاني، وتوفِّي في دمشق سنة 676هـ - 1277م.

4- المنصور قلاوون وأُسرته:

وكان بيبرس قد أخَذ ولاية العهد لابنه السعيد، فتولَّى بعده، ثم أساء إلى كبار أُمراء المماليك، فأَجْبروه على خلْع نفسه، وولَّوا مكانه أخاه الصغير بدر الدين سلامش الذي كان صبيًّا في السابعة على أن يكون الأمير سيف الدين قلاوون وصيًّا عليه سنة 678هـ، ولَم يكن ذلك إلاَّ تمهيدًا حتى يتمكَّن قلاوون من الإمساك بزمام الأمور، وكسْبِ جميع الأمراء إلى جانبه، فخلَع السلطان الصغير بعد ثلاثة أشهر، وانفرَد بالملك سنة 678هـ.

وقد تمكَّن المنصور قلاوون من حصار إمارة طرابلس الصليبيَّة؛ حتى سقطَت في يديه سنة 679هـ - 1289م، فدمَّرها وبَنَى مدينة أخرى بعيدًا عن الساحل؛ حتى لا تنالها أيدي الصليبيين مرة أخرى.

وتوفي المنصور قلاوون وهو يستعدُّ لغزو آخر معاقل الصليبيين في عكا سنة 689هـ - 1290م، وتولَّى بعده ابنه الأشرف خليل بن قلاوون، ولَم يكن ذلك بوصيَّة أو بعهْدٍ من أبيه، بل نصَّب نفسه، وتابَعه الأُمراء في ذلك ونجَح في التصدِّي للمؤامرة التي قام بها الأمير طرنطاي نائب السلطنة وقضَى عليه، ثم واصَل رسالة أبيه في تحرير الشام، واستولَى على آخر معاقلهم عكا بعد حصار طويل وحربٍ ضَروس، وطهَّر منهم سواحل الشام بصفة نهائيَّة، وأرْسَل حملة كبيرة إلى النوبة، فحقَّقت نجاحًا بعيدًا، وأخضَعت ما فيها من تمرُّد.

وفي عهده زادَ نفوذ الأمير بيدرا الذي عيَّنه نائبًا للسلطنة، وأحسَّ أنَّ السلطان ينوي الغدرَ به، فعاجَله هو أثناء خروجهما في رحلة صيد وقتَله سنة 693هـ - 1293م.

واعْتلى بيدرا عرْشَ السلطنة، ولكنَّ المماليك الأشرفيَّة لَم يَرتضوا ذلك، فحارَبوه وتمكَّنوا من هزيمته وقتْله، وبايَعوا السلطان محمد بن قلاوون، وكان صبيًّا في التاسعة من العُمر، فكانت السلطة الفعليَّة في أيدي كبار الأُمراء، واستبدَّ كبيرهم المغولي الأصل "كتبغا" بالأمور، ثم ما لَبِث أن أعلنَ نفسه سلطانًا بعد سنة واحدة في سنة 694 هـ.

وفي ولاية كتبغا التي استمرَّت عامين أصابَت المجاعات مصر؛ نتيجة انخفاض النيل وامتناع المطر، حتى كان الناس يَهلكون بالآلاف، ويَبقون في الشوارع جثثًا مطروحة لا تجد مَن يدفنها، وزادَت الأمور سوءًا باستدعاء كتبغا لطائفة من أبناء جِنسه المغوليين المطارَدين من الإمبراطور غازان محمود إيلخان فارس، وقدَّمهم على المماليك ومنحَهم الإقطاعات الواسعة، وكانوا يزيدون على العشرة آلاف أُسرة، فزاحَموا الناس في أقواتهم وزادَت الأزمة سوءًا؛ مما هيَّأ الظروف لطامع آخر أن يستولي على السلطنة وهو المنصور لاجين، وفرَّ كتبغا إلى الشام سنة 696هـ.

وكان المماليك الأشرفيَّة يتربَّصون به؛ لاشتراكه في قتْل أستاذهم الأشرف قلاوون، ورغبةً منهم في استعادة نفوذهم، حتى تمكَّنوا من قتْله بعد عامين من حُكمه سنة 698هـ - 1298م، وأعادوا الأمير محمد بن قلاوون ثانية، وكَثُر الصراع بين الأُمراء على السلطنة، وحَرَموا السلطان الصغير من كافَّة حقوقه السياسيَّة والشخصيَّة، واستمرَّت هذه الفوضى عشر سنوات، حتى ضاق بها السلطان وتظاهَر بالرغبة في الحجِّ، حتى وصَل إلى حصن الكرك، فأعْلَن تنازُلَه عن السلطنة، واختار هذا المكان لإقامته سنة 708هـ - 1308م، فبايع الأُمراء بمصر المظفر بيبرس الجاشنكير سلطانًا.

وقام الناصر محمد في مقرِّه بالكرك بتحرُّكات واسعة واتِّصالات عديدة بأمراء الشام، فوجَد منهم تأييدًا وحماسًا لنُصرته، ووجَد تعاطُفًا عظيمًا من أهْل مصر وأُمرائها، فقد انفضَّ معظمهم عن السلطان بيبرس الجاشنكير، وقصدوه بالكرك، وكان عددهم ثلاثمائة من الأمراء الناصريَّة ومعهم ما يَقرُب من ألْفَي فارس.

وزاد من ضَعْف بيبرس وسُخْطِ الناس عليه تأخُّر فيْضان النيل وارتفاع الأسعار، فجمَع الناصر محمد مؤيِّديه وأتْباعه واتَّجه إلى مصر، فاضطرَّ بيبرس إلى التنازل عن العرش، وتولَّى الناصر محمد السلطنة للمرة الثالثة سنة 709هـ - 1309م، واستمرَّ فيها إلى سنة 741هـ - 1340م؛ أي: إحدى وثلاثين سنة، وهي أهمُّ فترات حُكمه، فقد وصَل إلى سنِّ الرجولة والنُّضج، واكتمَلَت شخصيَّته، فتمكَّن من السيطرة على الأُمراء وضبْط الأمور، وبلَغت دولة المماليك في عصْره عهدها الذهبي، بعد أن استقرَّت الأمور، وزال خطر الصليبيين والتتار، ونجَح في حماية أطراف مملكته بإرسال حملات تأديبيَّة إلى المتمرِّدين في أرمينيا وفي النوبة، ونظَّم الدواوين والوظائف، وانتعَش اقتصاد البلاد في عهده؛ ولذا يقول عنه ابن تغري بردي في "المنهل الصافي": "كان ملكًا عظيمًا، محظوظًا مطاعًا، مُهابًا ذا بطْشٍ ودَهاء، وحزْم شديد وكيْدٍ مديد".

وخلَّفَ الناصر محمد عددًا من الأبناء الذكور، بلَغ عددهم اثني عشر ولدًا، سوى الذين تُوفُّوا أثناء حياته، تولَّى منهم السلطنة من بعده ثمانية أبناء متعاقبين طوال إحدى وعشرين سنة (741هـ - 1340م، 762هـ - 1361م)، وكان أكثرهم صغار السنِّ، فعاد الأُمراء إلى التدخُّل في شؤون السلطنة والصراع فيما بينهم، وقتَلوا السلطان حسن بن الناصر محمد في سلطنته الثانية سنة 762هـ، وانتقَل الملك إلى جيل أحفاد الناصر محمد، وكان آخرهم الصالح أمير حاج بن شعبان الذي كان في الحادية عشرة من عُمره، فاستمرَّ عامًا واحدًا، ثم عزَله برقوق، وتولَّى السلطنة، وبدأ عهد طائفة جديدة من المماليك هم المماليك البُرجيَّة.

ولعلَّ أهمَّ ما حدَث في هذه الفترة، هو الوَباء الذي عُرِف بالوباء الأسود، والذي انتَشَر في معظم أرجاء المعمورة، حتى أصاب كائنات البَرِّ والبحر، وفتَك بالناس والحيوانات والطيور، وظهَر في الشام ومصر سنة 749هـ في سلطنة الناصر حسن الأولى.

التعليقات (0)