"قصة الطوفان بين الآيات القرآنية والكتابات المسمارية "(2)

"قصة الطوفان بين الآيات القرآنية والكتابات المسمارية "(2)

أ.د. قصي منصور التُركي

أستاذ الآثار واللغات القديمة

في حضارة بلاد الرافدين والخليج العربي

ولاية غرب أستراليا \ أستراليا

ثانيا- انتشار الخط المسماري:

لقد أثبتت التنقيبات الاثرية ان الخط المسماري انتشر في منطقة واسعة جدا من الشرق الادنى القديم تمتد من ايران شرقا الى البحر المتوسط غربا ومن بلدان الخليج العربي جنوبا إلى الأناضول شمالا،([1]) وقد وصل الخط المسماري إلى ابعد من ذلك حيث جزيرة "كريت"(Crete) في بلاد اليونان القديمة،([2]) كما اكتشفت كتابة تكريسية تعود للملك "نرام سين" (2291-2255 ق.م) في جزيرة "كثيرا" بين كريت واليونان،([3]) وهناك أدلة على علاقة جزيرة كريت ببلاد وادي الرافدين، فقد عثر على انواع من الفخار الرافديني في منطقة البحر الايجي وكريت منذ الالف الرابع ق.م، وتحديدا من موقع "بلاتانوس"، ومن فترات لاحقة من جزيرة كريت وصلنا ختم اسطواني يعود لعصر الملك "حمورابي" (1792- 1750) ق.م،([4]).

وفي بعض الحالات كُيَف الخط المسماري الى اللغة السائدة بعد تغيرات مهمة، وفي اخرى كانت تغيرات قليلة ضرورية فقط، في حين اخذت شعوب اخرى الخط المسماري مع اللغة الاكدية.([5])

وبعد قرنين تقريبا من ظهور الكتابة في بلاد سومر جنوب الرافدين، ظهر في مدينة سوسه (Susa) ([6])، ما يعرف بين المختصين بالخط العيلامي القديم، الذي يعاصر في تاريخه دور جمدة نصر (Jamdat-Nasr) ([7]) (3100-2900 ق.م) في العراق، فقد عثر على مئات من الرقم المدونة بهذا الخط والتي على ما يبدو انها ذات طبيعة اقتصادية، ويرجح الباحثون ان الخط العيلامي القديم هذا انما ظهر بتأثير مباشر من وادي الرافدين، ومما يرجح صحة هذا الرأي ان بلاد عيلام كانت دائما تحت تأثير الزخم الحضاري لبلاد الرافدين.

كما وصل الخط المسماري إلى بلاد الشام في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد حيث كشفت التنقيبات في مدينة "إيبلا"([8]) (تل مرديخ) (Tell Mardikh) في سوريا، عن حوالي 15 ألف رقيم مدونة بالخط المسماري ويرجع تاريخها الى عصر  فجر السلالات الثالث اي بحدود (2450 ق.م)، وتتضمن  وثائق اقتصادية وادارية ومعاجم لغوية، اما لغة هذه النصوص فهي "الأبلية" كما يسميها بعض المختصين وهي من اللغات الجزرية الشمالية الغربية، وفي عام 1929م كشفت التنقيبات في "اوغاريت" (Ugarit) (رأس شمرة)([9])، الواقعة على ساحل البحر المتوسط في شمالي سوريا عن اول مجموعة من رقم الطين المدونة بالخط المسماري، والمهم ان بعضها مدون بالخط المسماري المعروف في بلاد وادي الرافدين، لكن الاغلبية منها مكتوب بخط مسماري جديد ولغة لم تكن معروفة من قبل.([10]) وفي مدينة "ماري" (Mari)([11])، كشفت التنقيبات عن سجلات في القصر الملكي الذي يضم اكثر من عشرين الف رقيم مدونة بالخط المسماري. ثم انتقل الخط المسماري الى ابعد من بلاد الشام، حيث عثر في العاصمة الحثية "بوغازكوي" (Bogazkoy)([12]) في آسيا الصغرى على عدة آلاف من رقم الطين مدونة بالخط المسماري واللغة الحثية والبابلية، واستعمل الخط المسماري ايضا من قبل الخوريين في شمال سوريا ووادي الرافدين، وكان الاورارتيون في ارمينيا اخر الاقوام التي استعارت الخط المسماري من وادي الرافدين لكتابة لغتهم وذلك في النصف الاول من الألف الأول قبل الميلاد.

وفي سلطان تبه ([13])، احد تلول مدينة "حران" في اعالي نهر البليخ عثر على رقيمين من القصة البابلية الساخرة المشهورة "فقير نفر".([14])  .

اما في مصر فان من بين ما اكتشف من نصوص مسمارية في " تل عمارنة" (Tell el-Amarna) عاصمة الملك امينوفس الرابع "اخناتون" نسخة من القصة الاسطورية البابلية المعروفة بقصة "آدابا". كما عثر في "تل العمارنة" على كسرتين من لوحين دون عليهما الاسطورة البابلية الموسومة "نركال وايرشكيجال" التي تروي قصة عن ملكة عالم الاموات وكيف انها اصبحت في نهاية الامر زوجة للاله العنيد "نرجال".([15]) ومن ملحمة "جلجامش" التي يصح ان نسميها "اوديسة" بلاد الرافدين، واقدم النماذج الأدبية العالمية، وقبل "الالياذة والاوديسة" في الأدب اليوناني.([16]) فقد عثر في العاصمة الحثية "حتوشش" (بوغازكوي) على بعض اجزاء من الملحمة تعود الى اللوح الخامس،([17]) كما وجدت اجزاء منها مترجمة الى الحثية واخرى الى الخورية، وعثر على نصوص من هذه الملحمة في موقع "سلطان تبه" في تركيا حالا، وعلى كسرة من رقيم تعود الى الملحمة في "مجدو" في "فلسطين"([18]).

ان هذا الانتشار الواسع للملحمة يبين بوضوح الاهمية التي نالتها هذه الملحمة باعتبارها واحدة من الاعمال الأدبية الخالدة واشهر ما انجزه الفكر الانساني في العصور القديمة ومعروف ان الملحمة استمدت شهرتها من كونها تعالج موضوعا انسانيا محضا وهو الموت وتشبت الانسان بالخلود.([19]) كما انتقل اسم البطل جلجامش الى معظم الاداب القديمة، كما ان اعماله نسبت الى ابطال الامم الاخرى مثل "هرقل" و"آخيل" و"الاسكندر ذي القرنين" والبطل "اوديسيوس" في الاوديسة.كما استقى الاديب اليوناني الشهير "هوميروس" الكثير من حوادث ملحمة كلكامش وشخصيته ومخزى ملحمته واسقطها على ابطال ملحمة الالياذه الشهيرة.([20]) حيث يضاهي صاحب اخيل المسمى "بتروكلوس" "انكيدو" صاحب جلجامش، وام "اخيل" الالهة "تيتس" تضاهي الالهة البابلية "ننسون" ام جلجامش.([21]) ونشير أخيرا في معرض هذه المقارنات العابرة الى اسطورة نشدان الاسكندر للخلود في نبع ماء كائن في بحر الظلمات، مما يضاهي ما جاء في الملحمة في بحث جلجامش عن نبات الخلود.([22])

وفي بلاد اليونان نجد تاثيرا رافدينيا واضح البصمات للاسطورة السومرية الموسومة نزول "انانا الى العالم الاسفل" فمن المعروف ان الالهة انانا كانت تجسيدا لمظاهر الخصب في الطبيعة وان "دموزي" كان يرمز الى القوة الخلاقة التي تبعث الحياة في تلك المظاهر، وان موت دموزي في موسم الربيع وتناوبه مع اخته كل ستة اشهر له ما يناظره في الاسطورة الاغريقية  الخاصة بالاله "ادونيس" حيث عرفت عادة البكاء على ادونيس بين النسوة كما كانت تقام الافراح بمناسبة عودته الى الحياة في موسم الربيع متجسدا في شقائق النعمان.([23])

وفي ضوء ما سبق من اشارات مختصرة، يتضح لنا مدى اصالة وانتشار أدب بلاد الرافدين الى امم وشعوب العالم، لاسيما احد اهم ضروب الأدب وهو القصة.

المبحث الثاني - مدلول القصة في القرآن الكريم والكتابات المسمارية:

القصة في الاصطلاح تتوسط بين الأقصوصة والرواية، وفيها تعالج جوانب أرحب مما يعالج في الأولى، لذا يطول الزمن، وتمتد الحوادث، ويتوالى تطورها في شيء من التشابك.([24])

ان المفهوم العام للقصة كمصطلح أدبي لايتعدى كونه حكاية أدبية تعود لسابق عهد راويها، تحوي فكرة وحدث محدد بموضوع معين، يشترط فيه ان يكون له بدء، اي (مقدمة) ووسط (السرد القصصي) ونهاية (خاتمة).([25]).

واذا نظرنا الى موضوع القصص التي كتب بها العراقييون القدماء نصوصهم فاننا نجدها لاتحيد عن هذه المعاني الاصطلاحية وشروطها، بل نجد ان الكاتب يركز في عرض القصة على عنصر الحادثة، فيُعنى بسرد المواقف ويذكر جميع تفاصيل الحدث من دون ان يترك للقاري شيئا يمكن ان يستنتجه من احداث القصة، وهذا الامر يجعل القارء او المستمع ينشد وراء القصة حتى نهايتها، والاضافة التي من الممكن ان نجدها في مدلول القصة كمصطلح عام ان بطل القصة هو المحور الرئيسي الذي تدور حوله الاحداث فيرسم شخصيته بدقة متناهية.([26]) وهذا ماسنلمسه من قصة الطوفان في الكتابات المسمارية  في ابراز شخصية فيها وهو "اوتونابشتم" (نوح الطوفان) وغيرها من قصص أدب بلاد الرافدين.

أما القصة في القرآن الكريم فنجدها "فن قولي درامي يسعى الى خلق عالم ابداعي مواز في علاقاته للعالم الواقعي الذي يعيشه القصاص، من خلال تجارب الفكر، او تجارب العاطفة او تجارب الخيال"([27]).

وعلى هذا الأساس تكون القصة هي التعبير عن الحياة، بكل تفصيلاتها وجزئياتها كما تمر في الزمن، ممثلة في الحوادث الخارجية والمشاعر الداخلية، مع فارق واحد، هو أن القصة اختبار لحادثة أو عدة حوادث، تبدأ وتنتهي في زمن محدود، وتصور غاية معينة، تم سياقة جزئياتها سياقا معينا ليؤدى بالنتيجة إلى تصوير هذه الغاية.([28]) وللتعرف على مدلول القصة لابد من التفصيل بين القصة في القرآن الكريم والقصة في الكتابات المسمارية.

إلى اللقاء في حلقة قادمة.

"قصة الطوفان بين الآيات القرآنية والكتابات المسمارية "(3)


([1]) - فاضل عبدالواحد علي، العراق في موكب الحضارة الاصالة والتأثير، الجزء الاول، بغداد، 1988، ص192.

([2]) - محمد حسين نجم، فلسفة الوجود في الفكر الرافديني القديم واثرها عند اليونان، بيت الحكمة، الطبعة الاولى، بغداد، 2003، ص21. علما بان جزيرة كريت من جزر البحر المتوسط تقع جنوب اليونان حيث كان اول مناطق ازدهار لحضارة العصر البرونزيري الاغريقية (حوالي 2600-2000) ق.م، ينظر، كلين دانيال، موسوعة علم الاثار، ج2، ترجمة، ليون يوسف، الطبعة الاولى، دار المامون للترجمة والنشر، بغداد 1991، ص472.

([3]) -Howard La fay, Ebla, Splendor of an Unknown Empire, National Geographic  Magazine,Vol.154, No.6 (December,1978), pp.736-737.

([4]) - سامي سعيد الاحمد، حضارات الوطن العربي القديمة اساسا للحضارة اليونانية، بيت الحكمة، الطبعة الأولى، بغداد، 2003، ص5.

([5]) - ديرينجر، الكتابة، ترجمة وتعليق عامر سليمان، دار الكتب للطباعة والنشر، بغداد 2001، ص38.

([6]) - مدينة سوسة، وتسمى في العهد القديم شوشن، وتقع في جنوب غرب ايران كانت تحتل موقعا على طرق تجارية مهمة تربط الشرق بالغرب كما كانت نهاية الطريق الملكي من ساردس الليدية، ويرجع تاريخ اقدم المستويات التي كشفت فيها الى الالف الرابع قبل الميلاد.ينظر، كلين دانيال، موسوعة،ج2،المصدر السابق، ص341.

([7]) - جمدة نصر، يقع تل جمدة نصر في شمال شرقي كيش على بعد 42 كيلومترا منها، تحرت فيه بعثة امريكية عام 1928، ويقدر تاريخ هذا الدور من (3100-2900) ق.م، ينظر، فرج بصمه جي، كنوز المتحف العراقي، وزارة الاعلام، مديرية الاثار العامة، بغداد 1972، ص20.

([8]) - مدينة ايبلا (تل مرديخ)، تقع هذه المدينة على بعد 55كم جنوب غرب حلب، في عام 1964-1979أول من نقّب في هذا التل البعثة الايطالية. ينظر، بهيجة خليل اسماعيل، حضارة العراق، ج1، مصدر سابق، ص237 كذلك، كلين دانيال،موسوعة، ج1، مصدر سابق، ص209.

([9]) - راس شمرا ، المستوطن الكنعاني القديم المسمى"اوغاريت"بالقرب من اللاذقية، ينظر،طه باقر، مقدمة..، المصدر سابق، ص33، وهي مدينة سورية قديمة اظهرها الفرنسيون في 1929، وترجع المستويات المبكرة الى العصور الحجرية الجديدة المبكرة، ينظر،كلين دانيال، موسوعة، مصدرسابق، ص91.

([10]) - فاضل عبدالواحد،العراق في موكب..، مصدرسابق، ص192-193.

([11]) - تقع مدينة ماري المتمثلة اليوم بتل الحريري على نهر الفرات بالقرب من البوكمال، وقد اظهرت التنقيبات التي قام بها الفرنسيون منذ عام 1933مدينة مسورة واسعة تعود لعصر فجر السلالات الاول مع قصر كبير ومعابد غنية بالمنحوتات. ينظر، كلين دانيال،موسوعة، ج2، مصدرسابق، ص503.

([12]) - بوغازكوي، الموقع الاناضولي للعاصمة الحديثة هاتوساس نقب فيها الالمان بصورة متقطعة من 1906 ، ويعود الاستيطان الاصلي على تل بويوكال، الى العصور الحجرية المعدنية كما اقيم مركز تجاري هناك في العصور الاشورية القديمة (بداية الالف الثاني ق.م)، وقد بني قصر تحت حكم الحثيين. ينظر، كلين دانيال، موسوعة، ج1، مصدر سابق، ص134.

([13]) - سلطان تبه، وهو احد التلول الاثرية المنتشرة في منطقة حران القديمة في اعالي نهر الباليخ (البليخ)، ينظر، طه باقر، مقدمة في ادب العراق القديم، دار الحرية للطباعة، بغداد، سنة 1976م ، ص18.

([14]) - فاضل عبدالواحد، العراق في موكب..مصدر سابق،ص198.

([15])- فاضل عبدالواحد، العراق في موكب..مصدر سابق،ص197-198. علما بان تل العمارنة يعتبر عاصمة جديدة لاخناتون في موقع بكر يدعى الان تل العمارنة، ينظر، كلين دانيال، موسوعة،ج1، مصدر سابق، ص28.

([16]) - طه باقر، ملحمة كلكامش، منشورات وزارة الاعلام، دار الحرية للطباعة، بغداد 1975،ص20.

([17]) تجدر الاشارة الى ان كسرة رقيم جديدة من اللوح الخامس للملحمة نفسها محفوظة، الآن في متحف السليمانية، وقد تمكن عالم المسماريات فاروق الراوي بقرائتها وترجمتها وقد اشار اليها في اعمال اللقاء الدولي حول الاثار العراقية – اكتشافات حديثة ومشاريع جديدة، اربيل – العراق للفترة من 31 اكتوبر الى 2 نوفمبر 2011 ، والذي نظمه المعهد الفرنسي للشرق الادنى – قسم العراق.

([18]) - فاضل عبدالواحد، العراق في موكب، مصدر سابق، ص198.

([19]) - نفس المصدر والصفحة.

([20]) - Robert Graves، The Greek Myths ، 1962، p.89

([21]) - طه باقر، ملحمة كلكامش، مصدر سابق، ص27-28.

([22]) - نفس المصدر والصفحة.

([23]) - فاضل عبدالواحد،العراق في موكب..، مصدر سابق، ص200.

([24]) - بكري شيخ امين، التعبير الفني في القرأن الكريم، دار العلم للملايين، الطبعة السابعة، بيروت، لبنان، 2004، ص223.

([25]) - سمير كاظم الخليل وآخرون، الادب والنصوص ، ط3، مطبعة أساور ، بغداد، 2011، ص 96.

([26]) - نفس المصدر والصفحة.

([27]) - سعيد عطية علي مطاوع، الاعجاز القصصي في القران، دار الافاق العربية، الطبعة الاولى، القاهرة، 2006م، ص23.

([28]) – سعيد عطية، الاعجاز القصصي في القرآن الكريم ، مصدر سابق، ص23.

التعليقات (0)