"قصة الطوفان بين الآيات القرآنية والكتابات المسمارية "(4)

"قصة الطوفان بين الآيات القرآنية والكتابات المسمارية "(4)

أ.د. قصي منصور التُركي

أستاذ الآثار واللغات القديمة

في حضارة بلاد الرافدين والخليج العربي

ولاية غرب أستراليا \ أستراليا

وبين ماورد في القرآن الكريم من سرد لقصة الطوفان وما ورد من اسطر عدة متعاقبة ومتسلسلة بالخط المسماري عن الطوفان في نسخ عديدة على الالواح المسمارية الشيء الكثير الذي يمكن ان نتدارسة بالشكل التالي:

اولا- قصة الطوفان في الكتابات المسمارية:

تعد قصة الطوفان واحدة من روائع أدب السومريين، والتي اضاف اليها الكتَاب البابليون والاشوريون افاقا جديدة ثم انتشرت في انحاء واسعة من الشرق الادنى والعالم القديم،([1]) وتركت اثرا في معتقدات اكثر شعوب المنطقة، واهمية دراسة هذه القصة تكمن في الحرص على كشف تفاصيل حدث مهم تعرض له الجنس البشري في قديم الزمان، بحيث اصبحت المرجع الاساس في معرفة معتقد السومريين والبابليين عن هذا الحدث المروع، اضافة الى ان هذه القصة قد تناولت في نسختها البابلية تفاصيل دقيقة عن خلق الانسان، ولان هذا الحدث كان بالغ الاهمية في نظر سكان العراق القدماء فقد كتبت اسطر القصة في ثلاث روايات بلغتين مختلفتين اولهما القصة في نصها الاصلي في اللغة السومرية، ثم نص القصة في روايتين باللغة البابلية، وحسب الاتي:

  • الرواية السومرية (ملحمة زيوسدرا):- اول تلك القصص الخاصة بالطوفان عرفت من خلال نسخة مدونة باللغة السومرية والبطل فيها يسمى "زيوسدرا".([2]) وتعد قصة الطوفان بنسختها هذه اكثر القصص التاريخية انتشارا، وهناك اوجه شبه بين خطوط القصة العامة وجوهرها في المصادر الثلاثة القرآنية والتوراتية والمسمارية تصل احيانا الى درجة التطابق مما يشير الى ان القصة تعكس حادثة حقيقية وقعت في عصور سحيقة في القدم سبقت العصور التاريخية نفسها، والتي تحدد عادة مع نهاية الالف الرابع وبداية الالف الثالث قبل الميلاد، وان تلك الحادثة كانت من جسامة التاثير وفداحته انها تركت اثرا بليغا في نفوس الاجيال المتعاقبة فتناقلتها بالروايات الشفوية وغيرت من تفاصيلها الحقيقية ونسجت حولها ما نسجت من خيال الرواة، حتى وجدت الرواية طريقها الى التدوين اول مرة في اواخرالالف الثالث قبل الميلاد على ايدي الكتبة السومريين،([3]) ومن المؤسف ان نص هذه الرواية ناقص ولم يبق منه اجزاء كثيرة، حيث وجد اللوح الخاص بنص القصة اثناء التنقيبات القديمة التي اجريت في مدينة "نفر"([4]) في اواخر القرن التاسع عشر الميلادي وهو موجود الان في متحف جامعة بنسلفانيا في اميركا،([5]).والنص تالف يفتقد الى البداية والنهاية، (ينظر صورة الرقيم) حيث دونت في العصر البابلي القديم (في حدود 1600 ق.م) ومن المحتمل انه يمثل نسخة من تأليف سومري أقدم، اذ من المعروف ان الاشارة الى الطوفان وردت في نصوص سومرية تتعلق بالملك "اشمي- داكان"(Ašmi- dagan) (1953-1935) ق.م.([6]). 

الرقيم الطيني الخاص بقصة الطوفان السومرية، بتصرف من: فاضل عبد الواحد علي، الطوفان، مصدر سابق، ص199.

وللوقوف على احداث الطوفان بتسلسل الاحداث ندرج في ادناه خطوات خبر الطوفان واحداثه:

  • خبر الطوفان يصل للملك "زيوسدرا":- يظهر من النص السومري لقصة الطوفان ان "زيوسدرا" كان يقف الى جوار جدار عندما سمع صوت إله يهمس باذنه ويقول: "ايها الجدار اريد ان اتحدث اليك فأستمع الى كلماتي واصغ الى وصاياي..." ([7]) ثم يخبره، بان الطوفان آت وانه سيقضي على البشر.

لقد اشارت المصادر الكتابية عن تاريخ العراق القديم الى ان اسم الملك "زيوسدرا" كان من بين الشخصيات الدينية التي تعيش في  مدينة "شروباك" احدى مدن بلاد سومر بعد ان نزلت الملكية من السماء باشاراتها وأُسست المدن السومرية الخمس وهي"اريدو"، "بادتيبرا"، "لارك"، "سبار" و"شروباك" واعطى كل منها الى زعيم ليحكمها، وفي عهد الملك "زيوسدرا" الذي يوصف ايضا بالكاهن والذي تصفه القصة بالتقوى، حدث الطوفان الاعظم الذي ارادت به الالهة تحطيم الجنس البشري وصممت على انزاله بالارض في مجلسها الرباني([8]).

لقد ذكر الطوفان كحدث عظيم الاثر عند سكان وادي الرافدين بحيث ان مؤلفي الاساطير جعلوه حدا فاصلا بين عهدين متميزين في تاريخ الميلاد، عهد ما قبل الطوفان وعهد ما بعد الطوفان اي انه يضاهي ما وضعه المؤرخون المحدثون في تقسيم التاريخ البشري العام الى العصور القديمة والعصور الحديثة.([9]).

وكما جاء في القصة فان "زيوسدرا" كان ملكا صالحا، يعبد الالهة ويخافها وانه كان على ما يرجَح يحكم في مدينة "شروباك" (تل فارة) بالقرب من  مدينة "الوركاء"([10]) .

وتحكي لنا الكتابات المسمارية ان سبب الطوفان كان للتخلص من البشر بعد ان تكاثر الناس وزاد ضجيجهم وصخبهم مما ازعج الآلهة حيث نقرأ:

"لم تمض بعد الف ومئتي سنة

حتى توسعت البلاد وتكاثر الناس

 واصبحت البلاد تخور مثل الثور

 فانزعج الاله (انليل) من ضجيجهم

اجل لقد سمع انليل صخبهم

 فقال مخاطبا الالهة العظام

 لقد اصبح صخب البشر شديدا علي

 وقد حرمني ضجيجهم من النوم

 فلنأمر بالوباء ينتشر بين الناس".([11])

وبما ان الطوفان كان مخططا له ان ياتي على البشرية برمتها، فقد قام الاله "ايا" صديق البشر، بتحذير احد البشر، عندما اوحى اليه من خلال مخاطبة الكوخ والجدار بان يبني له سفينة للخلاص من الخطر المحدق بالبشر، ([12]) وليس هناك من شك بان هذا الشخص هو "زيوسدرا"، ونص تلك المخاطبة كالاتي:

"يا كوخ ! يا كوخ ! يا جدار !، يا جدار!

اسمع يا كوخ القصب وافهم يا حائط

ايها الرجل ((الشروباكي)) يا ابن ((اوبار-توتو))

قوض البيت وابن لك فلكا (سفينة)

تخل عن مالك وانشد النجاة

انبذ الملك وخلص حياتك"([13])

واقتنع الرجل وبدأ ببناء السفينة حسب المواصفات التي اوحى بها اليه الاله "أيا" اله الحكمة في نظر سكان بلاد الرافدين القدماء.

  • وصف السفينة ومراحل بنائها :- لقد فصلت المصادر المسمارية بوصف السفينة وصناعتها، ويفهم من نصوص ملحمة جلجامش انها بنيت من الخشب واستعمل القير لطلائها وغرزت مسامير من الخشب في الثقوب لمنع تسرب المياه اليها، اي انها كانت ذات الواح وسدر في اشارة الى استخدام القصب في بناء السفينة، وتفصّل الملحمة في مقاسات السفينة وشكلها العام ـ على يبدو مما ذكر من قياسات واوصاف ـ انها كانت على شكل مكعب منتظم طول ضلعه 120 ذراعا (60مترا) وار تفاعه 120 ذراعا، ومن المحتمل ان الطوابق السبعة كانت مدرّجة من حيث المساحة بحيث ان اوسعها يمثل الطابق الاسفل ومقياسه (120x 120 ذراعا) ثم تتناقص مساحة الطابق الثاني والثالث وهكذا حتى الطابق السابع، وبعبارة اخرى ان السفينة كانت على شكل اشبه بالزقورة (برج مدرّج) عائمة على سطح الماء.([14])

ومن بين النصوص نجد ما يفيد وصف السفينة الدقيق من حيث البناء ومراحله، اذ يصف صانع السفينة عمله بالاتي:

"وفي اليوم الخامس حددت شكلها،

ايكر([15]) واحد مساحة ارضها،

120 ذراعا([16]) ارتفاع كل من جدرانها،

120 ذراعا كل جانب من سطحها المربع،

حددت شكلها الخارجي،

وجعلتها من ستة طوابق،

وبهذا افرزتها الى سبعة طوابق،

ارضها المسطحة قسمتها الى تسعة اقسام ،

وغرزت اوتاد الماء فيها،

نظرت الى سارية القارب واكملت تجهيزها،

6 سار[17] من القار في الكوره،

3 سار من القطران صببت بداخلها،

3 سار من الزيت جلبها حاملو السلال،

سار واحد من الزيت طليت به السفينة،

2 سار خزنها النوتي،

نحرت البقر،

ونحرت الخراف كل يوم،

والنبيذ الاحمر والزيت والنبيذ الابيض،

اعطيت الى العمال ليشربوا بكثرة كماء النهر،

وكانهم في يوم عيد رأس السنة،

تم بناء السفينة في اليوم السابع". ([18])

ويخبرنا رجل الطوفان  من خلال اسطر القصة انه وجد صعوبة في انزال السفينه الى الماء، اشارة منه الى كبر حجم السفينة التي بناها اذ يذكر:

"وكان انزالها في الماء صعبا جدا،

لذلك كان عليهم ان يبدلوا الواح الزلج من تحتها وفوقها،

حتى نزل ثلثاها في الماء"([19])

وبعد ان انتهى "زيوسدرا" من بناء السفينة واقيمت الاحتفالات اللازمة لذلك هرع رجل الطوفان الى اكمال امر الإله "ايا" ونصه الاتي:

"احمل في السفينة بذرة كل المخلوقات الحية"([20])

 ثم يقول الاله (ايا) مخاطبا رجل الطوفان:

 "ترقب الوقت المحدد الذي سوف اخبرك عنه،

 ثم ادخل السفينة واغلق بابها،

احمل فيها شعيرك وامتعتك واموالك،

وزوجتك وصاحبك وقريبك والعمال الماهرين،

 واني سارسل اليك حيوان السهل وكل حيوان وحشي،

 يأكل العشب في السهل ،

وانها سوف تنتظر عند بابك".([21])

إلى اللقاء في حلقة قادمة.

 "قصة الطوفان بين الآيات القرآنية والكتابات المسمارية "(5)


([1]) – تجدر الاشارة الى قصة الطوفان قد وصل صداها وسردها القصصي الى اصقاع بعيدة في قصص واساطير شعوب تسكن في مناطق جنوب أفريقيا، مع اختلاف الاسماء وتشابه في الاحداث، للمزيد من المعلومات حول قصة الطوفان في الاساطير والقصص في حضارة شعوب أفريقية القديمة وعلاقتها بقصة الطوفان في بلاد الرافدين، ينظر، قصي منصور عبدالكريم التُركي، مصدر سابق، ص 25 ومابعدها.

([2]) - احمد دبش، عورة نوح ....، مصدر سابق، ص26.

([3]) - عامر سليمان، من القرآن الكريم ...، مصدر سابق، ص46.

([4]) تقع خرائب مدينة نفر (نيبور- نفر) المتراكمة على الضفة اليمنى لنهر الفرات الاقدم وعلى الضفة الشرقية من شط النيل القديم ويستبان مما هو ثابت ان المدينة كانت سيدة سهل شنعار (سومر) باسره من الوجهة الدينية من سالف الزمن حتى احتلال الفرس، ينظر، دروثي مكاي، مدن العراق القديمة، ترجمة يوسف يعقوب مسكوني، الطبعة الثالثة، مطبعة شفيق، بغداد، 1961، ص57.

([5]) - طه باقر، مقدمة في ادب العراق القديم، مصدر سابق، ص174.

([6]) - حكمت بشير الاسود، الرموز الفكرية في حضارة وادي الرافدين،  منشورات كلية بابل الحبرية للفلسفة واللاهوت (16)، بغداد 2010 ، ص197.

([7]) - فاضل عبدالواحد علي، الطوفان في المراجع المسمارية، مطبعة الاخلاص، بغداد 1975، ص23.

([8]) - سامي سعيد الاحمد، السومريون وتراثهم الحضاري، مطبعة الجامعة، بغداد 1975، ص145.

([9]) - فضيلة عبدالرحيم حسين حسن، فكرة الاسطورة وكتابة التاريخ، دراسة تاريخية تحليلية، رسالة ماجستير غير منشورة مقدمة الى مجلس معهد التاريخ العربي والتراث العلمي، بغداد 2003، ص43.

([10]) - طه باقر، مقدمة في ادب..، مصدر سابق، ص174.

([11]) – طه باقر، مقدمة في ادب..،مصدر سابق ، ص54.

([12])  Millord  A R ، The Sign of The Flood ، Iraq، Vol. XLIX ، 1987 ، P.63 .

([13]) - عامر سليمان، من القرآن الكريم...، مصدر سابق، ص57.

([14]) – المصدر نفسه والصفحة.

ذراع، وحدة لقياس الاطوال تلفظ في اللغة السومرية (KUS) وبالاكدية (ammatu)، وان الاطوال لم تكن ثابتة في جميع الادوار التاريخية، لذلك نذكر بان الذراع في العصر السومري القديم (2700-2340 ق.م) كان يساوي احيانا عشرين اصبعا، واحيانا اخرى ثلاثين اصبعا، ولكن بالوقت الحالي يعادل 50سم او 49،5سم. ينظر، فوزي رشيد، الشرائع، مصدر سابق، ص36-37.

([15]) ايكر، هو وحدة المكاييل تلفظ بالسومرية (GUR) وبالاكدية (kurru)، وان مقياس الكور قد خضع لتغيرات عديدة، ولكن بالوقت الحالي يعادل ذلك المقياس 252،6 لتر. ينظر، فوزي رشيد، الشرائع العراقية القديمة، ط1، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1979، ص38.

([16]) ذراع، وحدة لقياس الاطوال تلفظ في اللغة السومرية (KUS) وبالاكدية (ammatu)، وان الاطوال لم تكن ثابتة في جميع الادوار التاريخية، لذلك نذكر بان الذراع في العصر السومري القديم (2700-2340 ق.م) كان يساوي احيانا عشرين اصبعا، واحيانا اخرى ثلاثين اصبعا، ولكن بالوقت الحالي يعادل 50سم او 49،5سم. ينظر، فوزي رشيد، الشرائع، مصدر سابق، ص36-37.

([17]) سار، وحدة لقياس المساحات  تلفظ في اللغة السومرية(SAR) وفي الاكدية (musaru) ويعادل هذا المقياس في الوقت الحالي 36م2  . ينظر، فوزي رشيد، الشرائع، مصدر سابق، ص35

([18])Pritchard  J, Ancient Near Eastern Texts, New Jersey, 1969, p. 93.

([19]) Ibid, p. 93.

([20]) – فاضل عبدالواحد، الطوفان في المراجع، مصدر سابق، ص77.

([21]) - عامر سليمان، من االقران الكريم الى..، مصدر سابق، ص58.

التعليقات (0)