"قصة الطوفان بين الآيات القرآنية والكتابات المسمارية "(5)

"قصة الطوفان بين الآيات القرآنية والكتابات المسمارية "(5)

أ.د. قصي منصور التُركي

أستاذ الآثار واللغات القديمة

في حضارة بلاد الرافدين والخليج العربي

ولاية غرب أستراليا \ أستراليا

ج-  بدء الطوفان ووصف هوله:-

بعد ان انتهى رجل الطوفان من بناء السفينة وتحميلها، دخل فيها وأغلق بابها منتظرا الساعة المحددة لبدء الطوفان، وكان ذلك في الليلة السابعة، وقد وصفت لنا اسطر القصة هول الطوفان الذي قضى على كل شيء في الارض باستثناء من كان في الفلك، حيث الظلام الدامس والرعد يشق عنان السماء واعاصير مدمرة ورياح عاتية ومياه كسرت السدود واغرقت كل شيء، وكان التدمير والهلاك الذي حل بالارض مدعاة ندم من قبل بعض الالهة التي عرفت بحبها للبشر مثل الاله "انكي" والالهة "ننتو" والالهه "عشتار".([1])

وفعلا حدث الطوفان واغرق المدن الخمسة التي سبق ذكرها، وبدأت المياه بالارتفاع لسبع ايام بلياليها وظلت السفينة تعصف بها الرياح العاتية في المياه العالية.([2]) .

ومن بين اسطر وصف مشهد هذه الاحداث نقرأ:

"وجاءت كل الرياح والعواصف المدمرة

 واكتسحت الزوابع العواصم

 وبعد ان اكتسحت الزوابع البلاد في سبعة ايام وسبع ليالي

 وتارجحت السفينة مع الرياح المدمرة في المياه العالية

 بزغت الشمس، منيرة الارض والسماء

 ففتح زيوسدرا كوه في السفينة الواسعة

 وركع الملك زيوسدرا امام اله الشمس

 ثم نحر الملك عددا كبيرا من الثيران والاغنام..."([3])

 د- انتهاء الطوفان ورسو السفينة:-

بعد ان هدأت السماء وخفت وطأة الرياح وسكنت العواصف وانتهى الطوفان واستقرت السفينة على جبل "نصير"، ([4]) ويبدو من خلال الاحداث نهاية قصة الطوفان ان الملك زيوسدرا قد كوفيء مقابل انقاذ نسل البشرية من الفناء بان منحته الالهة في النهاية حياة ازلية فاصبح يتمتع بصفة الخلود مثل الالهة وانها حصلت مسكنها في مدينة "دلمون".([5])

 لقد قام الملك "زيوسدرا" بتقديم الصلوات الى الهين "انو" و"انليل" اللذين رفعاه الى الحياة الازلية مثل الالهة:

"وركع زيوسدرا امام انو وانليل،

 اللذين وهباه حياة (ازلية) مثل الالهة،

 اللذين رفعاه الى الحياة الازلية مثل الالهة،

في ذلك الوقت اسكن(الالهة) الملك زيوسدرا،

  اللذي انقذ بذرة الانسان وقت (؟) الدمار،

 في بلد على البحر،  في الشرق  في دلمون (dilmun)".([6])

هـ - الاماكن المهمة التي حدثت  فيها الطوفان :-

اجريت العديد من الحفريات للبحث عن مكان الطوفان الذي وقع في وادي الرافدين بكل تاكيد، ولقد رجّح الاثاريون اثناء تنقيباتهم عدد من المواقع الاثرية المهمة لموقع  حدوث الطوفان مثل مدن (اور، كيش، شروباك، نينوى، الوركاء، لكش..) وذلك بالاستناد الى طبقات رسوبية بها آثار الطوفان، لاسيما وان المدن التي حدث فيها الطوفان كانت محصورة في منطقة صغيرة نسبيا([7]) ، وقد قام الاثاري الشهير "ليونارد وولي" في اواخر العشرينات من القرن الماضي باجراء التنقيبات في مدينة "اور"، وفي نهاية اعمال التنقيبات قام "وولي" بحفر خندق مساحته تقريبا تحت المقبرة الملكية التي عثر عليها في مينة اور، وبعد ازاحة الانقاض ظهرت على عمق طبقة من الطين النقي حيث ظن لاول نظرة انها ارض البكر، وبعد استمرار بالحفر لعمق 2.5 م ظهرت الات وادوات صوانية وكسر فخارية من فترة عصر العبيد، وقد استنتج عالم الاثار "وولي" بان هذه المنطقة الغرينية هي دليل على ان الطوفان كبيرا وعظيما اكتسح مدينة اور في اواخر عصر العبيد بحدود 3500 ق.م([8]).

والمدينة الثانية التي حملت اثار طوفان عظيم هي مدينة "كيش" السومرية التي تعرف اليوم ب "تل الاحيمر" وحسب المصادر السومرية القديمة كانت هذه المنطقة مستقرا لاول سلالة حاكمة بعد الطوفان([9])، واثناء التنقيبات عثر على طبقات من التراب الاحمر الذي سببته مياه الفيضان وصل سمكها 45 سم وعلى عمق 11م تحت اطلال المدينة في منطقة المقبرة، وتحت هذه الطبقة وجدت بقايا عظام الاسماك الصغيرة مما يدل على ان هذه الاسماك لاقت حتفها بعد انسحاب مياه الفيضان([10]).  وكذلك  الحال بالنسبة لمدينة "شروباك" حيث ظهرت فيها اثار الطوفان العظيم،  حيث نقب فيها "ايريك شميدت" من جامعة "بنسلفانيا" ما بين عامي (1920-1930 م) وكانت اثار الطوفان في هذه المدينة واضحة وجلية في الطبقات المختلفة من الحفريات، والنتيجة المهمة هنا هي ان طوفانا عظيما حدثت في هذه المدينة ما بين (3000-2900 ق.م). وحسب رواية "مالوان"، وصل "شميدت" الى عمق 3-4 امتار تحت الارض ليجد طبقة من التربة الصفراء تشكلت نتيجة الطوفان، كانت هذه الطبقة المتشكلة من خليط من الطين والتراب اقرب الى المستوى المنبسط منها الى الركام الترابي  في مدينة "شروباك".([11]).

اما مكتشفات المنقب "جوردن"(Jordon) اثناء حفرياته في مدينة "الوركاء"(Uruk) فقد اظهرت دلائل على اثار الطوفان في طبقة معاصر الى ما عثر عليه في مدينة "اور" ويعود تاريخها الى 3300 ق.م، ونفس الشيء يقال عن اكتشافات حوض سد حمرين في (تل سليمة و تل السيب) فقد اثبتت التنقيبات عن حدوث الطوفان خلال الالف الرابع ق.م.([12])

  • الرواية البابلية لقصة الطوفان:- يمكن الاعتماد على معلومات الرواية البابلية لقصة الطوفان في بادي الامر بموجب اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش، فمن المعروف ان الرقيم "الحادي عشر"من ملحمة "كلكامش" يتناول موضوع الطوفان الذي اجتمعت الالهة على احداثه لافناء البشرية.(ينظر صورة الرقيم).

استساخ لجزء من احد رقم قصة الطوفان البابلية، نقلا عن: فاضل عبدالواحد علي، الطوفان، مصدر سابق، ص201

تدور حوادث القصة في هذا الرقيم من الملحمة في مدينة "شروباك" التي قامت فيها اخر سلالة حاكمة قبل حدوث الطوفان، وكما معروف ان بطل القصة هو "اوتونابشتم" الذي قصده كلكامش للبحث عن سر خلوده الابدي([13])، واحتفظت الالهة بسر الموت والحياة لنفسها، اي انها لا تطلع عليه احدا من الناس، وهناك سأله كلكامش: كيف يمكن ان يحصل على الخلود؟ فأخبره بقصة الطوفان كجواب عن سؤاله، بدا "اوتونابشتم" حديثه عن القصة التي سيرويها الى كلكامش هي سر من اسرار الالهة، قال: انه جاء من مدينة "شروباك" اقدم مدن ارض "أكاد" عاصمة الدولة الاكدية، وناداه الاله من خلف جدران كوخه المصنوع من القصب واخبره ان الالهة قررت ان تقضي على كل ما هو حي فتغرقه بطوفان، الا ان سبب قرارهم هذا اغفل في القصة البابلية كما اغفل في الرواية السومرية، وذكر "اوتونابشتم" ان الاله "ايا" اخبره ان يصنع سفينة ويضع فيها بذور كل الاحياء([14])، وامر الاله "ايا" رجل الطوفان "اوتنابشتم" ان يحمل معه في السفينة بذرة كل المخلوقات الحية، وعن ذلك يقول رجل الطوفان ما نصه:

"ثم حملت فيها كل ما املك،

 حملت فيها كل ما املك من فضة،

حملت كل ما املك من ذهب،

 وحملت كل ما عندي من مخلوقات حية،

واصعدت على ظهر السفينة عائلتي وذوي قرباي،

 واصعدت على ظهرها حيوان الحقل وحيوان البر المتوحش وكل الصناع..."([15])

  كما اعلم الاله "ايا" "اوتونابشتم" ابعاد وحجم السفينة التي سيصنعها([16]) ،وبعد ان تم صنع السفينة يصف لنا "اوتونابشتم" الساعات الاولى لعملية حدوث الطوفان بالقول:

"ولما حان ذاك الوقت المعين،

وانزل الموكل بالشرور في الليل مطر الهلاك،

تطلعت الى حالة الجو،

فكان الجو مخيفا للنظر،

(وعندئذ) دخلت السفينة واغلقت الباب،

واسلمت دفة(؟) السفينة الى الملاح بوزور-آمورى(Puzur-Amuri

وعند اطلالة الفجر،

ظهرت في الافق سحابة سوداء،

كان الاله ادد يرعد في داخلها،

(بينما) كان شوللات (SHullat) و خانيش(Hanish) يسيران في مقدمتها،

 (وعندئذ) اقتلع ايراكال (Erragal) دعائم السد للمياه السفلى،

وانطلق الاله ننورتا (Ninurta) ليجعل المياه تطغى من فوق السدود،

ورفع انونانكي (Anunnaki) المشاعل،

 ولما وصل الرعب من الاله ادد الى عنان السماء،

 وتحطمت الارض الواسعة مثلما يتحطم الاناء،

 استحال كل نور الى ظلمة...

 وظلت ريح الجنوب تهب يوما (كاملا)،

 وتزايدت سرعتها وهي تهب حتى (اجتاحت جبال)،

 وفتكت بالناس مثل حرب ضروس،

 فلم يستطع الاخ ان يرى اخاه،

 ولم يكن بالمستطاع تمييز الناس من السماء،

 حتى ان الالهة ذعرت لهول الطوفان،

 فأخذوا يتراجعون الى خلف حتى وصلوا الى سماء الاله انو،"([17])

ان الوصف الدقيق الذي عرفناه من خلال السطور اعلاه يتم عن دقة في السرد القصصي التمثيلي لكل صغيرة وكبيرة رافقت حدث الطوفان الذي استمر على هذا المنوال سبعة ايام وسبع ليال.

وبعد انتهاء الطوفان يتحدث "اوتونابشتم" واصفا الحدث لـ"كلكامش" قائلا :

"ثم فتحت نافذة (في السفينة) فسقط النور على وجهي،

 فسجدت و جلست باكيا،

 والدموع تجري على وجهي،

 ثم اخذت اتطلع الى سواحل البحر الواسع،

 فبانت الارض من مسافة اثني عشر ميلا مضاعفا.."([18])

 وفي تلك الاثناء استقرت السفينة على جبل ذكرته النصوص المسمارية بالشكل الاتي:

 "على جبل نصير، رست الفلك،

ثبت جبل نصير الفلك ولم يعط مجالا للابحار،

في اليوم الاول واليوم الثاني ثبت جبل نصير الفلك ولم يعط مجالا للابحار،

في يوم الثالث واليوم الرابع ثبت جبل نصير الفلك ولم يعط مجالا للابحار،

في اليوم الخامس واليوم السادس ثبت جبل نصير الفلك ولم يعط مجالا للابحار،

بحلول اليوم السابع"([19])

 إلى اللقاء في حلقة قادمة.


([1]) – المصدر نفسه، ص58-59.

([2]) - سامي سعيد، السومريون وتراثهم، مصدر سابق، ص145.

([3]) - فاضل عبدالواحد، الطوفان في المراجح المسمارية، مصدر سابق، ص23.

([4]) -  ورد اسم هذا الجبل في حوليات الملك (اشوربانيبال)التي حددت موقعه في جنوب نهر الزاب الاسفل احد روافد نهر دجلة.ينظر، فضيلة عبدالر حيم، فكرة الاسطورة، مصدر سابق، ص45.

([5]) - فاضل عبدالواحد، الطوفان في المراجح المسمارية، مصدر سابق، ص24.

([6]) – المصدر نفسه، ص198 . علما ان "دلمون" ( Dilmun) هي الاسم السومري للبحرين، وقد اظهرت التنقيبات الدانمركية التي اجريت مؤخرا ان الجزيرة كانت مركزا تجاريا مهما خلال الالف الثالث ق.م، وتذكرها النصوص عن الحديث عن التجارة مع "مكان" و "ميلوخا"، ينظر، قصي منصور التُركي، الصلات الحضارية بين العراق والخليج العربي خلال الالف الثالث قبل الميلاد، دار صفحات للنشر، دمشق، 2008، ص 62.

([7]) – حكمت بشير، الرموز الفكرية، مصدر سابق، ص210.

([8]) – المصدر نفسه، ص211.

([9]) – هارون يحي، الامم البائدة، الطبعة الاولى، ترجمة ميسون نحلاوي، مؤسسة الرسالة ناشرون، بيروت، لبنان، 2004، ص31.

([10])-Watelin L Ch، Excavation at Kish, Vol. IV, 1934, 1945,p.2-3

نقلا عن حكمت بشير، الرموز الفكرية، مصدر سابق، ص211-212.  

([11]) – هارون يحي، الامم البائدة، مصدر سابق، ص31.

([12]) – حكمت بشير ، الرموز الفكرية، مصدر سابق، ص212.

([13]) - فاضل عبدالواحد، الطوفان في المراجع، مصدر سابق، ص28-29.

([14]) - هارون يحي، الامم البائدة، مصدر سابق، ص28-29.

([15]) - فاضل عبدالواحد علي، سومر اسطورة وملحمة، الطبعة الاولى، الاهالي للطباعة والنشر والتوزيع، سوريا- دمشق 1999، ، ص167.

([16]) - هارون يحي، الامم البائدة، مصدر سابق، ص36-37.

([17]) – فاضل عبدالواحد، من الواح سومر ..، مصدر سابق، ص272-273.

([18]) - المصدر نفسه، ص93.

([19]) – نائل حنون، ملحمة جلجامش- ترجمة النص المسماري مع قصة موت جلجامش والتحليل اللغوي للنص الاكدي، الطبعة الاولى، دار الخريف للنشر والتوزيع، دمشق، 2006، ص225.

 

التعليقات (0)