الحملة الصليبية الألمانية

الحملة الصليبية الألمانية

د. الحسين بن محمد شواط

أحدثت هزيمة الصليب في حطين، ثم سقوط بيت المقدس في يد صلاح الدين رد فعل محنيف في الغرب الأوروبي الذي أدرك أخيرًا إهماله في عدم الاستجابة للنداءات المتكررة التي أصدرها الصليبيون بالشام في السنوات الأخيرة.

ولم يلبث كونراد قائد الصليبيين أن أرسل جوسياس رئيس الأساقفة صور إلى غرب أوروبا في أواخر صيف 1187 ليطلب من البابوية وملوك الغرب وأمرائها النجدة العاجلة. وقد اتصل بالبابا أوربان الثالث وشرح له حقيقة موقف الصليبيين بالشام، وقيل أنه مات من أثر الصدمة عندما سمع تلك الأخبار المحزنة، وبادر البابا الجديد جريجوري الثامن بإرسال كتاب إلى كل من ملك أنجلترا وملك فرنسا وإمبراطور ألمانيا، يستحثهم جميعًا على أن يتناسوا ما بينهم من خصومات، ويعبئوا قواتهم ضد المسلمين.

ولما توفي جريجوري الثامن أسرع خليفته كليمنت الثالث للاتصال بفريدريك إمبراطور ألمانيا في الوقت الذي انتقل فيه جوسياس إلى الغرب لمقابلة ملكي فرنسا وإنجلترا[[1]].

أ- مسيرة الحملة الألمانية:

إذا كان يصعب على كل من ملد فرنسا وملك إنجلترا أن يتناسيا الأحقاد التي بينهما فإن إمبراطور ألمانيا كان سريع الاستجابة على الرغم من كبر سنه فتحرك في ماي سنة 1189 صحبة ثاني أبنائه فردريك أمير سوابيا على رأس جيش منظم كبير قدره بعض المؤرخين بمائة ألف محارب سالكًا الطريق البري إلى القسطنطينية عبر هنغاريا.

وقد قوبلت الحملة الألمانية في رحلتها الطويلة الشاقة بالود حينًا وبالعداء حينًا آخر، فقد سهل لها ملك المجر كل الوسائل حتى عبرت بلاده، كما أن سلطان سلاجقة الروم قلج أرسلان الثاني قد عمل على تأمين الطريق لهم وبعث معهم الأدلاء ليرشدوهم حتى حدود أرمينيا الصغرى. وكذلك فإن ليو الثاني أمير أرمينيا قد قدم لهم الكثير من التسهيلات والمساعدات[[2]].

وفي المقابل فقد سجل التاريخ أن الإمبراطور البيزنطي قد أظهر عداءه للإمبراطور الألماني غير أن هذا العداء لم يعرقل زحف القوات الألمانية.

ومن ناحية أخرى فإن هذا العداء قد أدى إلى قيام علاقات ودية بين البيزنطيين وصلاح الدين متمثلًا في تبادل الزيارات بين دمشق والقسطنطينية، كما أن الإمبراطور البيزنطي قد زود صلاح الدين بكثير من المعلومات عن تحركات القوات الألمانية.

كما أن أخبار الحملة قد وصلت إلى مسامع صلاح الدين عن طريق التجار الإيطاليين في الإسكندرية حيث أخذ الإمبراطور البيزنطي يرسل الرسالة تلو الرسالة إلى صلاح الدين يعلمه بتحركات الصليبيين الألمان وأخبارهم[[3]].

ولم يستطع سلطان سلاجقة الروم أن يمنع قبائل التركمان في آسيا الصغرى من التعرض الألمان، هذا فضلًا عما صادفه الألمان من صعاب بسبب وعورة الطويق وقلة الزاد والماء ولما دخل الشتاء وتراكمت الثلوج اضطروا إلى أكل الدواب ولولا شدة فردريك وحزمه لأفلت الزمام من يده.

وواصلت الحملة الألمانية مسيرتها ولم يلبث اقترابها من الشام أن أثار جوًا من الرعب والفزع في البلدان الإسلامية[[4]].

وفي ذلك الحين أخذ صلاح الدين يعد نفسه لمواجهة القوات الألمانية في البلاد الشامية فأعلن الجهاد المقدس، وبعث إلى أمراء الشرق يطلب منهم المساعدة، كما بعث في نفس المعنى إلى الخليفة العباسي الناصر لدين الله.

ويبدو أن الأخبار التي كانت تصل المسلمين عن الإمبراطور الألماني وحجم جيشه قد لعبت دورًا كبيرًا في تضخيم الحملة والمبالغة في خطرها فقد بعث صاحب قلعة الروم إلى صلاح الدين يقول عن الإمبراطور الألماني: "ولقد عرض عسكره فكان اثنين وأربعين ألفًا وأما رجاله فلا يحصى عددهم إلا الله تعالى، وهم أجناس متفاوتة وخلق غرببة وهع على قصد عظيم وجد وسياسة هائلة"[[5]].

ب - فشل الحملة:

وفي ضوء مثل هذه الأخبار.. رسخ في الأذهان أن هذه القوات ستكتسح كل مقاومة تتصدى لها قال أبو الفدا: "بلغ المسلمين وصول ملك الألمان وقد سار من بلاد وراء القسطنطينية بمائة ألف مقاتل واهتم المسلمون لذلك..".

أما صلاح الدين فقد أخذ يتابع تقدم الألمان في قلق، وأرسل العيون للوقوف على أخبارهم كما أنه أسرع إلى إخلاء وتدمير بعض المراكز التي خشى احتلال الصليبيين لها واستخدامها في محاربة المسلمين[[6]]، وبينما كان صلاح الدين وأتباعه يعدون العدة لقاومة الحملة الألمانية، وفي الوقت الذي كان يخيم فيه على البلاد الإسلامية شعور باليأس وعدم القدرة على التصدي للغزاة الألمان.. في هذا الوقت العصيب جاءت الأخبار بوفاة الإمبراطور الألماني في شهر يونيه سنة 1190 غرقًا في نهر صغير في قليقية وذلك في طريقه في طرسوس صوب أنطاكية.

وهكذا لم يعد هناك خطر من أن تقع بلاد الشام الإسلامية في حصار خطير نتيجة لضغط الصليبيين الألمان من ناحية الشمال والصليبيين الفرنسيين والانجليز من ناحية عكا ولذلك هلل المسلمون وكبروا فرحًا بغرق الإمبراطور الألماني.

ولم يلبث أن أفلت زمام الجيش الألماني الكبير عند وفاة قائده، فاختل نظامه رعجز فردريك السوابي ابن الإمبراطور الراحل عن السيطرة على الجند بل أن ليو الثاني أمير أرمينية لما أحس منهم بذلك الضعف، طمع فيهم حتى أنه عزم على أخذ مال الملك لمرضه وضعفه وخرج بعد ذلك أهل حلب وجنودها إلى طريقهم والتقطوهم فكان الواحد يأسر جماعة منهم وهانوا في الأنفس بعدما كان المسلمون قد تهيبوا منهم هيبة عظيمة، وبيعوا في الأسواق بالثمن البخس[[7]].

وهكذا تمزق الألمان، فعاد بعض أمرائهم إلى أنطاكية ومعهم جثمان الإمبراطور ولم يلبث أن تعرض هذا الفريق الأخير لوباء شديد ويروى أن صاحب أنطاكية لما أحس بضعف الأمير فردريك ومرضه، التقطه إلى أنطاكيا طمعًا في أن يموت عنده فيأخذ ماله[[8]] على أن فريدريك لم يمت فتبرم أمير أنطاكيا بأولائك الألمان وثقلت عليه وطأتهم فزين لهم مهاجمة حلب. ولكن فريدريك فضل أن يتجه برجاله صوب عكا لشاركة بقية طوائف الصليبيين في حصارها. غير أنه لم يمض وقت طوبل حتى توفى هو الآخر وذلك في شهر يناير من السنة التالية وبموته فقد جنوده الكثير من تأثيرهم نظرًا لافتقارهم إلى القيادة[[9]].

أما من وجهة النظر الإسلامية فيمكن القول بأن ما يطلق عليه اسم الحملة الألمانية قد أصبح غير ذي بال بعد وفاة فردريك سنة 586.

وهكذا يتضح أن الحملة الألمانية التي ضخم من شأنها ونسجت الأساطير حول قوتها لم يكن لها من التأثير أكثر من أي قوة أخرى من القوى المتعددة التي وفدت من أوروبا لكي تساند الصليبيين المحليين.


المصدر: من كتاب: الدوافع العقيدية للحروب الصليبية

[1] - الحركة الصليبية ج2 ص845.

[2] - الجبهة الاسلامية ج 2 ص 246.

[3] - الحركة الصليبية ج2 ص847.

[4] - الحركة الصليبية- سعيد عاشور ج2 ص841.

[5] - الجبهة الإسلامية- حامد غنيم ج2 ص148.

[6] - الحركة الصليبية ج2 ص850.

[7] - الجبهة الإسلامية ج2 ص150.

[8] - الحركة الصليبية- سعيد عاشور ج2 ص851.

[9] - الجبهة الإسلامية ج2 ص151.

التعليقات (0)