الأطباء العرب القدماء (2)

الأطباء العرب القدماء (2)

أ.د. عبدالحليم عويس

ومنهم أبو العلاء بن أبي مروان بن زهر (ت 525هـ) له كتاب الخواص، وكتاب الأدوية المفردة[[1]].

ومنهم أمية بن عبدالعزيز أبو الصلت الأندلسي (ت 460 - 529هـ)، ومن كتبه: كتاب الأدوية المفردة على ترتيب الأعضاء المتشابهة الأجزاء والآلية.

ومنهم أبو بكر محمد بن الصائغ (ت نحو 533هـ)، ويعرف (بابن باجة)، الأندلسي، ومن كتبه: شرح كتاب السمع الطبيعي لأرسطو بن طاليس، ورسالة الوداع، وكتاب اتصال العقل بالإنسان، وكتاب تدبير الموحد، وكتاب النفس[[2]].

ومنهم القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد (520 - 595هـ)، مولده ومنشؤه في قرطبة، وله في الطب: كتاب الكليات، وشرح الأرجوزة المنسوبة إلى الشيخ الرئيس ابن سينا في الطب، وكتاب الحيوان، ومقالة في المزاج، ومسألة في نوائب الحمى، ومقالة في حميات العفن، ومقالة في الترياق.

ومنهم أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي، نسبة إلى مدينة الزهراء من ضواحي قرطبة (ت 404هـ/ 1013م)، ويعد من أشهر الأطباء في عصر الازدهار العلمي الأول بالأندلس، وكان جراحًا مُبرزًا، مبتكرًا في جراحاته وعملياته الدقيقة، وهو من أطباء الخليفة عبدالرحمن الثالث.

ومن أهم مجهودات أبي القاسم الزهراوي الطبية أنه: "وصف عملية سحق الحصاة في المثانة، وتفتيت الحصاة في المثانة وإخراجها على الخصوص، فعُدَّتْ من اختراعات العصر الحاضر على غير حق".

وقال العالم الفيزيولوجي الكبير هاللر: "كانت كتب أبي القاسم المصدرَ العامَّ الذي استقى منه جميع مَن ظهر من الجراحين بعد القرن الرابع عشر".

وهو الذي أشار إلى ربط الشرايين في الجراحات الدقيقة، كما أجرى علميات صعبة في شق القصبة الهوائية، واستئصال اللوز بسنارة.

ويعترف العالم "سبرنجل" بأن الزهراوي أول مَن علم طريقة استئصال الحصى المثانية في النساء عن طريق المهبل، وأول مَن وصف الاستعداد الخاص في بعض الأجسام للنزيف.

ويقول الأستاذ/ قدري طوقان: "وقد جمع الدكتور/ أحمد عيسى في كتاب خاص ما كان يعرفه العرب من الآلات والأدوات الطبية، وضمنه جميع الآلات والعِدَد التي وردت في كتاب التصريف مع ذكر مسمياتها ومواضع استعمالها ونقل صورها، ويتجلَّى من هذا الكتاب أن الزهراوي أول مَن فرق بين الجراحة وغيرها من المواضيع الطبية وجعل أساسها قائمًا على دروس التشريح"[[3]].

والزهراوي هو صاحب الموسوعة الطبية الضخمة "التصريف لمن عجز عن التأليف".

ويعرف هذا الكتاب أيضًا باسم "الزهراوي" وهو بحق مفخرة للأندلسيين وللمسلمين عامة، ولا سيما القسم الخاص منه بعلم الجراحة.

وهذا الكتاب الذي فرغ الزهراوي من تأليفه حينما مضى على مزاولته لصناعة الطب والجراحة خمسون سنة من حياته المهنية، يُنبئ عن معارف طبية واسعة بمقاييسِ العصر الذي عاش فيه مؤلفه بالأندلس، ويكشف عن جوانب هامة من ممارسته لفنِّ الجراحة، وخبرته بالأمراض، وطرقه في العلاج، ومنهجه في التأليف الذي يُعدُّ في عصره منهجًا فريدًا، بما اتَّسم به من حسن التنظيم والتبويب، والميل إلى القصد في الكلام والوضوح في العبارة، وابتكار وسائل الإيضاح بالأشكال والصور، وقد وصفه الدكتور "فرانشيسكو فرانكو" بأنه يُمثِّل قمة المعرفة الجراحية الإسلامية؛ نظرًا لكونه يلخص كل المعلومات حول الجراحة في ذلك العصر".

وقد قسم الزهراوي الكتاب إلى ثلاثين مقالة، تتفاوت في الطول والقصر؛ فأطولها المقالة الأولى، وهي تبحث في كليات الطب، ويليها في الطول المقالة الثلاثون في العمل باليد؛ (أي الجراحة العامة، وجبر العظام، والكَي)، وهي التي رفعت مِن قدر هذا الطبيب، وتُمثِّل القسمَ العملي من الكتاب، وتعتبر أول ما كتب في علم الجراحة مقرونًا برسوم إيضاحية كثيرة للأدوات والآلات الجراحية، التي تصل إلى أكثر من مائتي شكل، ومعظمها من ابتكاره.

ومنهم أيضًا علاء الدين علي بن أبي الحزم القرشي الدمشقي، الملقَّب بابن النفيس (ت 1288م)، وكان أعظم عالم بوظائف الأعضاء في القرون الوسطى، حتى لقد سمي بابن سينا الثاني، وقد انتقل ابن النفيس من دمشق إلى القاهرة؛ حيث ابتنى بها دارًا وفرشها بالرخام.

ويهمنا مِن أمر ابن النفيس على الأخص أنه كان أول، بل أشهر وأعظم عالم بوظائف الأعضاء، استطاع أن يفهم جيدًا الدورة الدموية الصغرى، ويصفها لأول مرة، ليكون رائدًا لِمَن أتَوا بعده، والحق أن (جالينوس) تكلَّم في هذا الموضوع، ولم يُضِف الرازي أو علي بن العباسي أو ابن سينا شيئًا لآرائه، لا بالتعديل ولا بالتصحيح، حتى مقدم ابن النفيس، فقد أُشْكِل الأمر على جالينوس وادَّعى أن في الحاجز الذي بين الجانب الأيمن، والجانب الأيسر في القلب ثقوبًا غير منظورة، يتسرَّب فيها الدم من الجانب الواحد إلى الجانب الآخر، وما وظيفة الرئتين إلا أن ترفرفا فوق القلب فتبرِّدا حرارته وحرارة الدم، ويتسرَّب شيء من الهواء فيها بواسطة المنافذ التي بينهما وبين القلب فيُغذِّي ذلك القلب والدم.

عارض ابن النفيس هذه النظرية معارضةً شديدة، وأثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن اليونان لم يفهموا وظائف الرئتين والأوعية التي بين القلب والرئتين، وأنه فهم وظيفتها وأوعيتها، وتركيب الرئة والأوعية الشَّعْرية التي بين الشرايين والأوردة الرئوية، وشرح الفُرَج الرئوية شرحًا واضحًا، كما فهم أيضًا وظائف الأوعية الإكليلية، وأنها تنقل الدم ليتغذَّى القلب به، ونفى التعليل القائل بأن القلب يتغذَّى من الدم الموجود في البُطين الأيمن.

ولقد كرَّر ابن النفيس تعاليمه في الدورة الدموية الصغرى تكريرًا يدل على فهمه المطلق لوظيفتها وطريقة عملها؛ ذلك أنه كرر هذه التعاليم في خمسة مواضع متفرقة، ذاكرًا آراء ابن سينا، ومكررًا أقوال جالينوس التي اعتمد عليها ابن سينا، ثم عارضها بمنتهى الحماسة.

ومنهم أبو المنصور المظفر بن ناصر القرشي (ت 612هـ)، وله من الكتب: مقالة في الباهِ، وكتاب العلل والأعراض لجالينوس، والرسالة الكاملة في الأدوية المسهلة، ومقالة في الاستسقاء.

ومنهم أبو محمد عبدالله بن أحمد ضياء الدين الأندلسي العشاب، المعروف بابن البيطار (ت 646هـ)، ومِن كتبه: الجامع لمفردات الأدوية والأغذية، والمغني في الأدوية المفردة في العقاقير[[4]].

وغير هؤلاء هناك أطباء كثيرون لا يتَّسِع المقام لذكرِهم، وبعضهم لا يقل قدرًا ولا أثرًا عن الذين ذكرناهم، نشير مِن بينهم إلى إسحاق بن عمران (ت 294هـ)، وسعيد بن عبدربه (342 هـ)، وأحمد بن يونس من أطباء القرن الرابع الهجري، والتميمي (ت380)، وعلي بن رضوان (ت 453هـ)، وابن البذوخ (ت 575هـ)، والفيلسوف العالم الطبيب ابن طفيل (494 - 581هـ)، مؤلِّف (حي بن يقظان)، والذي كانت له جهود في الطب تحدث عنها لسان الدين بن الخطيب المؤرخ المغربي المعروف.

ومن الجدير بالذكر أن هؤلاء الذين أشرنا إليهم - بهذا الإيجاز - إنما هم الأعلام، وليس شرطًا أن يكون الأطباء المهرة المهنيون المتخصصون أعلامًا يعرفهم الناس، فهناك - بيقين - مئات آخرون عملوا في صمت، وكانوا بارعين مهنيًّا بعيدين عن الشهرة وعن أصحاب القصور وأولي الأمر، كما أنهم لم يبدعوا مؤلفات، فلم يعرف الناس عنهم شيئًا، لكنهم - جميعًا - أسهموا بالعلم التطبيقي والتنظيري الفكري في بناء الحضارة الإسلامية.

الأطباء العرب القدماء (1)


[1] -ينظر في علم الطب والتشريح: حسام جزماتي: علم النشر في المؤلفات الطبيعية، مجلة آفاق الثقافة والتراث، السنة الثانية، العدد السابع، رجب 1415.

[2] - رحاب خضر عكاوي: موسوعة عباقرة الإسلام (2/ 25، 44، 51، 52)، بتصرف.

[3] - د/ عامر النجار: في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية، ص (147).

[4] - رحاب عكاوي: موسوعة عباقرة الإسلام (2/ 69، 70، 75، 76، 81، 82، 92) بتصرف.

التعليقات (0)