الشرق الإسلامي قبل الغزو الصليبي

الشرق الإسلامي قبل الغزو الصليبي

أ. د. الحسين بن محمد شواط

إن إلقاء نظرة سريعة على الشرق الإسلامي قبيل الغزو الصليبي كفيل بأن يوضح لنا لماذا اندحرت الجموع الإسلامية أمام العدوان الصليبي في بداية هجومه، لقد كان الشرق الإسلامي خاضعًا لعدة قوى سياسية سيئة العلاقة فيما بينها، بحيث كانت الظاهرة البارزة هي التفكك والصراعات المسترسلة التي تذكيها المصالح للحكام، أما الشعور بالمسؤولية المشتركة لحماية أراضي المسلمين فقد كان غائبًا غيابًا تامًا عن الساحة، ولبيان هذا الأمر سنلقي نظرة على أهم القطاعات الإسلامية لنرى مدى ضعف المسلمين..

أ- مصر:

لقد بلغ التحدي الفاطمي للدولة العباسية ذروته سنة 450، وهي سنة الاستيلاء على بغداد باسم الفاطميين، لكن عدم تمكنهم من تثبيت وجودهم في بغداد أحدث ردود فعل عنيفة، تأثرت بها كل مناطق النفوذ الفاطمي بما في ذلك مصر[[1]].

وقد انهمكت مصر إثر ذلك في حرب أهلية بين الجنود الأتراك تحت قيادة الحسن بن الحسين ابن حمدان وجماعة من العبيد الموالين للخليفة الفاطمي، ودامت أكثر من ذلك من عشر سنوات، ولا يخفى ما للحرب الأهلية من استنزاف لطاقات وإمكانات الأمم، وهذا ما حدث فعلًا للدولة الفاطمية حيث صاحب الحرب الأهلية ما اصطلح عليه بسنوات "الشدة" لقسوتها حيث كثر فيها الموت، وازداد الخلاف بين الولاة والرعية، واشتد الخلاف فاستولى الخراب على البلاد وانقطعت السبل برًا وبحرًا، وجلًا من مصر أهلها، وأدى كل ذلك إلى اضطراب في الحياة السياسية للدولة الفاطمية، وكان كل هذا بإيعاز من العباسيين السلاجقة إضافة إلى ما حدث من مشاكل داخلية.

وبهذا كثرت من عوامل الضعف في الدولة الفاطمية وأشرفت على الانهيار لولا أن الخليفة العباسي فوض كل أمور الدولة والحكم إلى ما يسمى آنذاك بأمير الجيوش، وهذا الوضع وإن كان قد ساهم في تمديد عمر الدولة الفاطمية والقضاء على بعض مشاكلها، إلا أنه لم يعد بها إلى فتوتها ذلك أن السيل قد جاوز الذرى، وقد نتج عن هذا الوضع ظاهرة خطيرة مخربة للدول.. تلك هي ظاهرة الازدواج في قمة السلطة.

وحدث أن وقع خلاف شخصي بين أمير الجيوش وبين ولي عهد الخليفة المستنصر فحول الخلافة منه إلى أخيه وكان ذلك طعنة قاتلة في صميم الكيان الفاطمي الذي انقسم إلى اتجاهين، أحدثت بينهما حربًا أهلية زادت في ضعضعة الدولة وساهمت في قرب نهايتها، ثم انقسمت البلاد على نفسها، ولا شك أنها في هذه الحالة لقمة سائغة وثمرة يانعة لكل راغب في الاستيلاء عليها.

وفي هذا الوقت كانت الجحافل الصليبية تزحف نحو الشرق الإسلامي، وأنى لمصر وهي في هذه الحالة من الضياع والتمزق أن تقف أمام هذه الجحافل التي يبدو أنها على علم بما يحدث فاختارت الوقت المناسب للإغارة على العالم الإسلامي.

ب- العراق:

كان البويهيون في العراق يمثلون وضعًا شاذًا وغريبًا بالنسبة للخلافة العباسية لمخالفتهم لها في الوجهة السياسية، ذلك أنهم كانوا يعتقدون المذهب الزيدي ويمارسون سلطانهم وفق تعاليمه، مما حدا بالخليفة العباسي القائم إلى أن يطلب من السلاجقة تخليصه منهم وقد حدث ذلك في سنة 447 وبذلك قضى الخليفة العباسي على هذا الوضع الشاذ.

وقد تعرض الحكم السلجوقي في العراق في البداية إلى مؤامرات الفاطميين، غير أن القائمين عليه ثبتوا دعائم الحكم، وتغلبوا على تلك المؤامرات.

وفي سنة 485 توفى ملكشاه فتنازع أبناؤه الأربعة السلطة فيما بينهم، وكان الصراع بينهم حادًا وعنيفًا مما ساهم في ضعضعة الأحوال.

وهكذا كانت السلطة في العراق مزدوجة بين العباسيين والسلاجقة، ولا شك أن هذا الازدواج يمثل جانبًا أساسيًا من عوامل الضعف، إذ أن المصالح المتضاربة كانت كفيلة بقلب الاتفاق الظاهري إلى اختلاف يصل أحيانًا إلى حد التطاحن والتصارع، وكان السلطان السلجوقي في موقف قوة فهو الذي أسقط الحكم البويهي الذي كان يهدد كيان الدولة العباسية واستغل هذه النقطة ليقهر الخليفة العباسي الذي أصبح مغلوبًا على أمره يقاد فينقاد.. ويتمثل هذا جليًا في قبوله مكرهًا تزويج ابنته من طغرل بك[[2]].

ومن يتتبع حركة توسيع السلاجقة يعرف أن نواياهم كانت متجهة إلى الاستيلاء على العراق والدولة العباسية، فلابد إذا من وقوع الخلاف والصدام بين القوتين. وقد بلغ الأمر ذروته حينما أمر السلطان السلجوقي الخليفة العباسي بمغادرة مدينة بغداد، ورفض أن يمهله مدة كافية لمغادرة العاصمة العباسية وفي مثل هذا الجو عن الاحتدامات والصراعات الداخلية، سواء بين السلطتين أو داخل السلطة الزمنية، لم يكن من المعقول أن نجد في بغداد تكتلًا يستطيع أن يقف في وجه الخطر الصليبي.

وهكذا يتضع أن القوتين الكبيرتين في الجبهة الاسلامية لم تكن تسمح لهما ظروفهما بالمساهمة المطلوبة بالتصدي للغزو الصليبي.

ج- الشام:

من المسلم به أن بلاد الشام تحتل مكانة خاصة في تاريخ الحروب الصليبية إذ أنها أصبحت فيما بعد موطنًا لهم، وقد كانت منقسمة إلى عدة وحدات سياسية من أهمها إمارة حلب في الشمال وفلسطين في الجنوب وبينهما دمشق.

أما حلب.. فهي تتمتع بموقع هام لأنها تمثل نقطة اتصال بين الشام وآسيا الصغرى والجزيرة وشمال العراق لذلك فإن الدفاع عن الشام يجب أن يعتمد على قوة المقاومة في حلب. وفي أواخر القرن الخامس مرت حلب بثلاث مراحل رئيسية لم تنعم الإمارة خلالها بالاستقرار والطمأنينة.

وقد كان يحكم حلب في المرحلة الأولى المرادسيون (نسبة إلى صالح بن مرداس الكلابي) ونظرًا لأهمية موقع حلب فقد سعى الفاطميون للسيطرة عليها فتخلى لهم عنها أحد الحكام المرادسيين مقابل بيروت وعكا وجبيل.

وكانت الاتجاهات السياسية للأسرة المرداسية موزعة بين الولاة للفاطميين والتبعية للخلافة العباسية، وقد نمت هذه الظاهرة خاصة عندما انتزعت بغداد من الفاطميين مما شجع بعض أحفاد صالح بن مرداس على استعادة حلب ثانية من أيدي الفاطميين الذين ضغطوا على حاكم عكا وبيروت وجبيل وصرفوه عن هذه المناطق باعتبار أنها أخذت بدلًا عن حلب، وطلبوا منه استعادتها من ابن أخيه (محمد بن نصر بن صالح) وزودوه بكل ما يحتاج إليه، فتمكن من استردادها، الشيء الذي دفع محمود إلى أن يطلب العون من البيزنطيين ولكن دون جدوى، ولا شك أن الزعيم الكلابي بهذا التصرف قد لفت انتباه الإمبراطور البيزنطي إلى ما يدور في الشرق الإسلامي، ولعل الصليبيين قد عرفوا الكثير من التطورات التي كانت تقع في الجبهة الإسلامية عن طريق الحاكم المرداسي.

وبعد ذلك لم تشهد مدينة حلب استقرارًا سياسيًا فأضحت ميدانًا للصراع الحاد العنيف مما فتح الباب على مصراعيه لتدخل القوى الأجنبية التي أصبح لها دور هام في تحريك الأحداث في مدينة حلب.

ولا شك أن هذا الصراع الذي دام قرابة سبعة أعوام قد استنزف قوى حلب إضافة إلى أن الاستقرار الذي تم فيها بعد ذلك إنما كان بجهود أجنبية معادية كشفت أسرار هذه الناحية من نواحي الجبهة الإسلامية التي تدين بالولاء والتبعية لهم، ولا أدل على ذلك من رد محمد بن نصر عندما طلب منه الخليفة الفاطمي أن يغزو الروم كبرهان على ولائه للخلافة الفاطمية حيث قال: "وأما الروم فقد هادنتهم مدة وأعطيتهم ولدي رهينة على مال اقترضته منهم فلا سبيل إلى محاربتهم"[[3]].

ولكن بعد ذلك تجاوب مع الفاطميين الذين خلعوا عليه الخلع والألقاب الشيء الذي أعاد للفاطميين مركزهم السياسي والأدبي في مدينة حلب، ولكن هذا الأمر لم يدم طويلًا حيث أعلن محمود تبعيته وولاءه للخلافة العباسية وأجبر أهل حلب (وهم على الدعوة الفاطمية) على ذلك، ثم اتسمت سياسة محمود بعد ذلك بالتذبذب فهو كما قال عنه الذهبي "كان يداري المصريين والعباسيين لتوسط داره بينهما"[[4]].

ثم نبذ محمود ولاءه للفاطميين ثانية وبقى على ذلك إلى أن مات سنة 467 فخلفه ابنه نصر في وقت كانت فيه ظروف المنطقة تؤذن بسقوط أسرة بني كلاب حيث كانت المنطقة كلها تموج بنزاعات عنيفة وتتخبط في سلسلة من الأحداث والتطورات نتيجة التنازع على النفوذ بين الزعماء المسلمين آنذاك، ولم يستقر الوضع إلا عندما استولى على حلب الزعيم العقيلي مسلم بن قريش الذي كان يدين بالولاء والتبعية للخليفة العباسي والسلطان السلجوقي.

وبدأ هذا الاستقرار يضعف شيئًا فشيئًا إذ يبدو أن ولاء الزعيم العقيلي للعباسيين كانت تمليه الظروف، فإنه قد استعمل بعد ذلك السياسة ذات الوجهين وفقًا لطبيعة الأحداث.

وبعد موت العقيلي عادت الصراعات من جديد حول مدينة حلب، ولكنها في هذه الفترة كانت بين ابني عمومة وأخوة.

واستمرت الصراعات وفي كل مرة تزداد ضراوة عن سابقتها وكان أبرز ما فيها هو التذبذب في الولاء تبعًا للمصلحة.

وهكذا يبدو لنا المدى البعيد الذي وصلت إليه مدينة حلب في الضعف والإنهاك.. جيوش محطمة خائرة، عداوة وشحناء وبغضاء بين الزعماء في تلك المنطقة، تذمر الأهالي وسخطهم، فأنى لحلب وهي على هذه الحالة أن تقوم بالدور المنتظر في صد الغزو الصليبي، ولا شك أن أمراض حلب ما هي إلا صورة جزئية لما كانت تعاني منه كل مناطق الجبهة الإسلامية في تلك الفترة الحرجة من تاريخنا.

د- دمشق:

إذا كان صراع الخلافتين العباسية والفاطمية حول مدينة حلب لم يكن مباشرًا فإن طبيعة منطقة دمشق فرضت عليها أن يكون الصراع حولها مباشرًا.

وقد كانت دمشق (الفاطمية في ذلك الوقت) تعاني من أزمة اقتصادية قاسية، تأثرًا بالأزمة التي كانت تعيش فيها مصر، وإضافة إلى ذلك، فقد تصاعد الشقاق بين الحكام وأهل المدينة إلى حد كانت فيه الحرب الأهلية على وشك الوقوع.

وفي مثل هذه الظروف السيئة تعرضت دمشق لحصار شديد من قبل السلاجقة الذين اضطروا للتراجع أمام صد أنصار الخلافة الفاطمية، وأخذ السلطان السلجوقي يعد لمعاودة الكرة، فكان يغزوهم كل سنة مرة الشيء الذي أضعف اقتصاديات البلد فارتفعت الأسعار وانقطعت المؤونة عن البلد، وجلا عنها أكثر أهلها وليس هذا فحسب بل إن العلاقات المتوترة بين مختلف العناصر داخل دمشق أدت إلى هروب الوالي الفاطمي ناجيًا بنفسه، كما أن خلفه لم يحض بالقبول من القاعدة الشعبية فاشتدت الأزمة واستسلمت البلاد بالأمان للغازي السلجوقي.

وهكذا تحولت دمشق إلى الشق العباسي وانتهت تبعيتها للخلافة الفاطمية، بيد أن الصراع من أجل السيطرة على المنطقة لم ينته بل على العكس ازداد حدة وضراوة لأن الفاطميين قد ألقوا بكل ثقلهم في المعركة حرصًا على استعادة دمشق، غير أنهم باءوا بفشل ذريع وخاصة بعد أن تدخل تتش بن أرسلان الذي انفرد بعد ذلك بإمارة دمشق التي نعمت في عهده بهدوء نسبي حرمت منه سنوات طويلة. وبعد موته دار صراع مرير بين ولديه أو بالأحرى بين حلب ودمشق المركزين الأساسيين للجبهة الإسلامية في بلاد الشام قبيل الغزو الصليبي مباشرة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد فقد زحفت القوات الفاطمية على دمشق في نفس السنة التي زحفت فيها جحافل الصليبيين..

فأنى لدمشق وهي تعاني من كل هذه السلبيات أن تقوم بالدور المنتظر منها لصد العدوان الصليبي؟

هـ- فلسطين:

كانت فلسطين في منتصف القرن الخامس الهجري تحت نفوذ الفاطميين، ثم أصبحت تابعة للعباسيين بعد ذلك على يد القائد السلجوقي أتز، وكانت سيطرته على بيت المقدس أمرًا بغيضًا بالنسبة لأهلها، فأخذوا يتحينون فرص التمرد عليه، وعلى الخلافة العباسية من روائه إلى أن تمكنوا من ذلك سنة 469 عندما كان أتز يحاول الاستيلاء على مصر فخلعوا الطاعة وثاروا على رجال أتز غير أن هذا الأخير استرد المدينة عنوة "فقاتلهم ثم دخل البلد عنوة وعمل كل قبيح وذبح القاضي والشهود وقتل بها نحو 3000 نفس"[[5]].

وظلت المدينة تحت النفوذ العباسي إلى أن انتزعها السلطان الفاطمي وأعادها إلى نفوذه، ومما يدمي له القلب أن الفاطميين قد استغلوا فرصة انشغال السلاجقة برد الغزو الصليبي عن مراكزهم وانتزعوا بيت المقدس من تحت سيطرتهم وللأسف الشديد فإنهم لم يتمكنوا من الإبقاء عليه حيث زحفت ضدهم القوات الصليبية في العام التالي (492) وطردتهم منه.

و- بقية المناطق الهامة:

شهدت المنطقة الساحلية كذلك صراعًا مريرًا بين الدولتين ففي زمن الأزمة التي مرت بها الدولة الفاطمية تمكن السلاجقة من السيطرة على هذه المنطقة وضمها إلى الشق العباسي وبقيت كذلك أكثر من عشر سنوات، إلى أن استردها بدر الجمالي إلى الحظيرة الفاطمية سنة 482.

أما الجزيرة العربية فهي كذلك لم تنعم بالهدوء والاستقرار وكانت مسرحًا للصراعات الدامية من أجل النفوذ والسيطرة مما ضعف القوى في المنطقة فأصبحت عاجزة عن صد أي عدوان خارجي.

أما آسيا الصغرى فإن توسطها بين بقية مدن الجبهة الإسلامية من ناحية وأوروبا مركز الصليبيين من ناحية أخرى.. هذا التوسط يعطيها أهمية خاصة، فلو أنها كانت في المستوى المطلوب لتغيرت نتائج الحروب الصليبية.

وكان حكام آسيا الصغرى سلاجقة تربطهم صلة قرابة بسلاجقة الشام غير أن الطمع في توسيع النفوذ صبغ علاقتهم بلون الدم المسفوح، وازدادت الأوضاع تأزمًا مع مرور السنين، وجرت بينهما صراعات دامية ذهب ضحيتها حاكم آسيا الصغرى، وقد كان خليفته آنذاك صغيرًا مما شجع صغار الأمراء في تلك المنطقة على تأسيس دويلات صغيرة بهم بل إن منهم من عمل على أن يحل محل الحاكم الراحل..

وقد تحمل قلج أرسلان المتاعب التي خلفها له أبوه ودخل في صراع حربي مع الأمراء الطامعين، مما عرض المنطقة لفترة قاسية من الضعف والتمزق، وزاد من خطورة هذا الوضع اتفاقه مع السنوات السابقة والمعاصرة للغزو الصليبي الأول، فكانت فرصة سانحة للأعداء الذين اخترقوا الأناضول إلى الشام دون معوقات فعالة..

ولم يع حكام آسيا الصغرى خطورة الصراع بينهم على المكاسب الإسلامية.. وهكذا تتضح لنا أبعاد الظروف السياسية التي كانت تعيشها الجبهة الإسلامية خلال السنوات الأربعين التي سبقت الغزو الصليبي وهناك خطان أساسيان لم تخل منهما حقبة من حقبات تاريخ هذه المناطق هما:

- خط العلاقات السياسية التي لم تصف يومًا بل كانت عدائية دائمًا وكثيرًا ما كانت في شكل صراعات دامية.

- خط العلاقات الداخلية.. فقد استمت العلاقات داخل كل من هذه القوى بالتمزق والتطاحن حيث قتل الأخ أخاه والعم ابن أخيه، كل ذلك من أجل السلطة وتوسيع النفوذ، وكذلك فقد كانت العلاقة بين القاعدة الشعبية وبين الحكام تأخذ شكلًا عدائيًا في أغلب الأحيان.

كل هذا ساهم في إضعاف هذه القوى واستنزاف طاقاتها وجعلها في وضع لا تستطيع فيه الوقوف أمام جحافل العدوان الصليبي الزاحف.

ز- نقاط قوة في الصف المقابل:

وإذا كان الشرق الإسلامي على هذه الحال من الإنهاك والضعف فإن العدو الصليبي كان آنذاك يتمتع بعدة مواصفات قوية من أهمها:

1- اتفاق الإمبراطور البيزنطي والصليبيين في أوروبا على مهاجمة الشرق الإسلامي، وهذا يعني من ناحية قيام جبهة طويلة عريضة تمتد من آسيا الصغرى إلى أواسط أوروبا كما أنه يعني من ناحية أخرى تكتل الكنيسة الكاثوليكية في روما مع الكنيسة الأرثوذكسية في بيزنطة.

2- القوة التي كانت تتمتع بها البابوية في ذلك الوقت حيث أصبحت قوة قائمة بذاتها غير خاضعة للسلطة الزمنية وقد تصاعد تأثير الكنيسة وتجاوز الجوانب الدينية الكهنوتية إلى مختلف شؤون الدولة وخاصة السياسية منها.

3- تكتل مختلف الجماعات الصليبية وتناصرها في سبيل هدف واحد مشترك هو الزحف على الشرق العربي الإسلامي لمحوه من الوجود.

4- سيطرة المسيحيين على المنطقة التي تعرف في التاريخ الإسلامي بمنطقة العواصم أو الثغور (الشام - جنوب الجزيرة..) وهذا يعني أن هذه المنطقة قد أصبحت منطقة ضغط ضد الجبهة الإسلامية بعد أن كانت ضد الإمبراطورية البيزنطية.

5- انهيار دولة المسلمين في الأندلس إيذانًا بالسقوط حيث حل محل الأمويين عهد الطوائف الذي كان حافلًا بالشقاق والصراع بين مختلف الطوائف الإسلامية فضعف أمرهم حتى أعطوا الضرائب لملوك الفرنجة، وانتزعت المهابة منهم من صدور أعدائهم مما شجع أوروبا على الزحف إليهم.

6- سيطرة المسيحيين على حكل من قبرص وصقلية في البحر الأبيض المتوسط وقد قدمت هاتان الجزيرتان خدمات كبيرة للصليبيين أثناء الحروب الصليبية.

نعم، لقد انتصر الصليبيون في الجولة الأولى، ولكن ليس لأنهم تمتعوا بصفات التفوق من شجاعة وحضارة ومعرفة لفنون القتال، بل لأن الخصم الذي واجهوه كان من التفكك والهزال بحيث لا يستطيع أن يصمد لهبات النسيم العليل فما بالك ببعض الرياح العاتية[[6]].


[1] - الجبهة الإسلامية- ج1 ص190.

[2] - الجبهة الاسلامية- ج 1 ص 270.

[3] - الجبهة الإسلامية- ج1 ص490 عن النجوم الزاهرة ج5 ص79.

[4] -  الجبهة الإسلامية ج1 ص52.

[5] - المعجم- ج3 ص2690.

[6] -  مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية، د. سهيل زكار ص8.

التعليقات (0)