أضواء على الرعي والفلاحة وأنظمتهما في المغرب الأوسط .. من خلال كتاب النوازل للونشريسي (1)

أضواء على الرعي والفلاحة وأنظمتهما في المغرب الأوسط

من خلال كتاب النوازل للونشريسي (1)

إعداد

د. متعب بن حسين القثامي

أستاذ التاريخ الاسلامي – قسم التاريخ- جامعة أم القرى

المقدمة:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى أله وصحبه أجمعين. لا شك أن مما تميز به المغرب العربي عن صنوه المشرق العربي، الموسوعات الفقهية الضخمة، الموسومة بكتب (النوازل). حيث لم تقتصر على المسائل الفقهية وحسب بل تعدتها إلى الكثير من المعلومات المتنوعة، من قضايا اجتماعية، وسياسية، واقتصادية، وحضارية، وغيرها. ومن موسوعات النوازل المغربية المشهورة كتاب (المعيار المعرب) للونشريسي، والذي اخترته ليكون مصدري في هذا البحث، الذي يحمل عنوان "نظم الفلاحة والرعي في المغرب الأوسط من خلال كتاب المعيار المعرب للونشريسي". وقسمته إلى قسمين رئيسيين.

الأول:

عن نظم الفلاحة والزراعة، ويضم المباحث التالية:

- أنظمة السقي وأقسامها.

- وسائل نقل المياه لتصل إلى المزارع.

- مشكلة الأعالي والأسافل.

- المغارسة والمساقاة وأنظمتهما.

- هلاك الزرع وأسبابه.

- أنواع المحاصيل الزراعية.

- العاملون في مجال الفلاحة.

- دور السلطة الحاكمة في تطور أو تدهور الزراعة.

- دور العادات والأعراف في أنظمة الزراعة.

والأخير:

عن الرعي وأنظمته، ويضم المباحث التالية:

- الرعي وتربية الماشية.

- الراعي ونظامه.

وألحقت به تربية الدواجن والطيور، والنحل، ودودة الحرير.

ومما يلفت الانتباه أنّ جُلّ معلومات بحثي هذا وردت في الجزء الثامن من كتاب الونشريسي، لكن لا يعني هذا أن معلومات أخرى غير قليلة منه وردت في ثنايا أجزاء أخرى من الكتاب، كما يتضح من التوثيق في الحواشي السفلية للبحث.

تمهيد: المؤلف والكتاب:

أولاً : المؤلف، هو: أحمد بن يحيى بن محمد الونشريسي (حوالي 834 – 914 هـ)، نسبته إلى جبال ونشريس، العالية الارتفاع، الواقعة في غرب الجزائر، حيث ولد المؤلف، ونشأ بمدينة (تلمسان) ودرس على مشايخها، ثم رحل إلى (فاس) وإذ ذاك في الأربعين من عمره تقريباً، حيث قضى بقية حياته، حتى وافاه الأجل بها. وظهر فضله في تلمسان، ودرّس الفقه وغيره بها، وتخرج عليه عدد من العلماء، واستفاد منه كثير من طلبة العلم، رحمه الله[1].

ثانياً : الكتاب، هو الموسوم بــ (المِعْيارُ المُعْرِبْ و الجامعُ المُعرِبْ عن فتاوِي علماء أفريقية و الأندلس و المغرب) وهو محقق و مطبوع في ثلاثة عشر مجلداً، وهو أحد كتب الونشريسي، بل هو أشهرها، وأحد أهم كتب النوازل الفقهية التي اشتهر بها علماء المغرب الاسلامي. و تميز (المعيار) بأنه احتوى كثيراً من النوازل، أثبت فيه جامعهُ أسماء المفتين، ونصوص الأسئلة، إلا فيما ندر. وفيه من "النوازل" ما لا يوجد في غيره، ومما زاده أهميةً أيضاً، أنه العديد من الفتوى الواردة فيه ألحق بها المؤلف مجموعةً من الوثائق، ذات القيمة المعتبرة، بينما غيره من كتب النوازل لم تحظ بهذه المزية، لأنها تعرضت "لغربلة" فقهية من طرق الذين جمعوها. ولقد حظي معيار الونشريسي باهتمام علماء الأمصار منذ ظهوره – في بداية القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي- إلى زمننا الحالي. وقلما وُجد كتابٌ فقهي منذ ذلك الوقت إلى وقتنا الحاضر لم يستفد منه، أو ينقل عنه، أو يشير إليه. كما أن فقدان العديد من الكتب التي نقل عنها الونشريسي في معياره جعل منه المصدر الوحيد المتاح بين أيدينا عن تلك المصادر المفقودة[2].

ثالثاً: أهمية كتب النوازل في الدراسات التاريخية: تميز المغرب العربي بكتب (النوازل)، وهي كتب فقهية في الأصل، لكنها تورد واقعاً معاشاً لا نظريات افتراضية، فالفتاوى الواردة فيها هي إجابات و فتاوى وقعت بالفعل، واصطبغت بالصبغة المحلية، وتأثرت بالمؤثرات الفقهية، ويرغب الناس في معرفة الحكم الشرعي فيها[3].

لذلك فإن هذا الصنف من الكتب يضم جوانب فقهية وشرعية واجتماعية وتاريخية وحضارية، وقد نبه محقق كتاب (المعيار) إلى هذا الجانب، وذكر أن الجانبين الاجتماعي والتاريخي – في هذا الكتاب – لم يحظيا باهتمام الباحثين بعد، فقلما التفت إليهما رغم احتوائه على اشارات إلى أحوال المجتمع الإسلامي في هذه المنطقة،من عادات في الأفراح والأحزان، وأنواع الملبوسات، والمطعومات، وحالات معينة في الحرب والسلم، مما يجعل منه مصدراً لاغنى عنه للمؤرخ وعالم الاجتماع، مثلما هو للفقيه. ورأيت دراسة الأستاذ (عمر بنميرة) من خيرة الدراسات الحديثة التي تناولت ما نحن هنا بصدده[4].

أولاً : نظم الزراعة و ما يتعلق بها:

الماء واهميته في الفترة موضع الدراسة: شكلّ الماء – ولا يزال - أهم مقومات الحياة، لكن في الفترة موضع الدراسة لعب الماء دوراً محورياً في حياة المجتمع في المغربي، مما دفع أحد الباحثين إلى اقتراحِ بجعل الماء أحد مفاتيح تفسير تاريخ المغرب الاسلامي أواخر العصور الوسطى، جنباً إلى جنب مع الدين والعصبية، ورأى أخر أن الماء هو مشكلة المغرب الاقتصادية الأولى. تقوم الفلاحة في المغرب على ثلاثة مصادر مائية، وهي: التساقطات الموسمية، والأنهار، ثم العيون والآبار[5].

ومارس المغاربة في مزارعهم "المغارسة" و"المساقاة"، وتعددت مواسم جني المحاصيل ،بين "زمن اللقاط" و"وقت الحصاد" و"وقت الجذاذ" و"وقت العصير"[6].

أنظمة السقي و أقسامها : احتوى "المعيار" على العديد من أنظمة السقي، التي تختلف باختلاف وسيلته، فهناك الأنهار والأودية و العيون والآبار.  

= و في الأنهار و الأودية و العيون تظهر دائماً مشكلة (الأعالي و الأسافل) أو القديم و الحديث، وهذه النقطة سيعالجها البحث بشيء من التفصيل في مبحث مستقل. أما ما يخص المياه الجارية على سطح الأرض (الأنهار و الأودية و العيون) فيتحكم في أنظمتها اعتبارات عديدة، منها:

بعد أو قرب المزارع من ضفاف الأنهار والأودية، وارتفاعها أو انخفاضها عن مستوى الماء المتدفق، وثمة اعتبارات متغيرة، وهي إما جفاف يقل معه الماء،أو فيضان يجرف ما حوله.

نظام السقي من الأودية: وكانت بعض المزارع مقامة على ضفاف الأودية، حيث تسيل بماء المطر، بعضها لفترة قصيرة، والبعض الأخر لفترة طويلة، وإذا وافق توفر الماء زمن الزرع أنتجت المزارع، وجاد محصولها، وبعض تلك الأودية مملوكة، ومعروف ملاّكها، وبعضها مشاعة، يستفيد منها كل من تمر قريبة منه، وبعضُ منها ملك (للسلطان) أي للدولة. وأقاموا السدود على تلك الأودية لحجز المياه والاستفادة منها. كما أنشأوا السواقي عليها للغرض نفسه. ونظام السقي في الأودية يعتمد على فتوىً يكاد ينعقد عليها الاجماع، تنص على أن السقي في الأودية من حق الأعلى فالأعلى، ولا يصل الماء لمن هم في الأسفل حتى يأخذ الأعلى حصته كاملة، بل من حق الأعلى أن يحبسه حتى يصل إلى الكعبين، عند استواء أرضه، ثم يسرحه إلى الأسفل [7].

= أما الآبار: فقد استخدمها الناس للسقيا، إذ هي مصدر للعديد من الجهات التي لا تستفيد من الأنهار ولا العيون، ويبدو أن حفرها لم يكن يتطلب مجهوداً كبيراً مقارنة مع السدود[8]. وتنوعت بتنوع المستفيدين منها، فهناك "بئر الماشية. وبئر"السقي" و"بئر الطواحين" وهي التي تحرك الرحى التي يطحن عليها[9].

ومما يتعلق بالبئر كيفية حفرها، وأجرة من حفرها. فالقائم بحفرها هو "الحفار" أو الأجير على حفر بئر[10]. فإن تهدم البئر قبل اتمام الأجير لحفره، فله من الأجرة بحسب ما حفر، لأن كلما حفر فيها، بقيت منفعتها لصاحبها. ولا ضمان على من يقوم بالحفر في حالة تهدم البئر[11]. ومن أحكام البئر أنها إذا كانت شركة بين اثنين أو أكثر فلا تقسم بينهم، بل تبقى مشاعة للشركاء جميعاَ. إلا إذا رضيت الأطراف كلها بالقسمة[12].

و جاء في إحدى النوازل طريقةٌ لتقسيم البئر كانت سائدة في بعض نواحي المغرب، وهي أن "يُضربوا في وسط أعلاها حائطاُ، فيكون لكل واحد من البئر ما يلي داره، و لا يصلح إلا أن يكون عن تراض منهم"[13].

وفي حالة وجود عين ماء تجري في أرض إنسان، وقام جاره بحفر بئر في مُلكه، فإن خاف صاحب العين أن يتسبب حفر جاره في أن يغور ماؤه، "فلصاحب العين أن يمنعه و يسد منابع أرضه "[14].و على صاحب البئر أن يهتم بنظافتها، وحمايتها من سقوط الحيوانات السائبة فيها، فلو سقط فيها خنزيرٌ – مثلاً- فمات لا يجوز الشرب منها، ولا سقي المزروعات، ولا ينتفع بمائها .[15]

أضواء على الرعي و الفلاحة و أنظمتهما في المغرب الأوسط .. من خلال كتاب النوازل للونشريسي (2)


1 - الونشريسي ( أحمد بن يحيى بن محمد، ت 914 هـ) البيان المعرب و الجامع المغرب عن فتاوي علماء أفريقية و الأندلس و المغرب. تحقيق: د/ محمد حجي و جماعة من الفقهاء. دار الغرب الاسلامي، بيروت، 11401 هـ/1981م. المقدمة، ص ص أ-ط.

  و أنظر ترجمة الونشريسي في :

1- الشفشاوني (محمد بن عسكر): دوحة الناشر. تحقيق: محمد حجي، مطبعة دار الغرب للتأليف و الترجمة و النشر،الرباط، 1967م، ص 48-47.

2- المنجور ( أحمد ) : فهرس. تحقيق : محمد حجي، محمد حجي، مطبعة دار الغرب للتأليف و الترجمة و النشر، الرباط، 1967م، ص 55-50. و هو – كما ذكر المحقق – الأصل في ترجمة الونشريسي، فكل من جاء بعده هو عيال عليه.

3- ابن القاضي ( أحمد ) : جذوة الإقتباس. المطبعة الخيرية ، فاس، ص 81-80.

2-  بن نميرة، عمر : النوازل و المجتمع : مساهمة في دراسة تاريخ البادية بالمغرب الأوسط، ( القرنان الثامن و التاسع /14-15م ). سلسلة رسائل و أطروحات،رقم 67. الناشر: كلية الآداب و العلوم الإنسانية بالرباط. مطبعة الأمنية – الرباط  . 2012 م.ص 30-33.

[3] - 3- الونشريسي : المعيار،مقدمة المحقق، ص و- ح.

[4] - المصدر نفسه، ص ؛ و انظر أيضاً ؛ بن بنميرة : المرجع السابق.

[5] - بنميرة: المرجع السابق، ص  291،314 ؛ مزين،محمد : التاريخ المغربي و مشكلة المصادر: نموذج : النوازل الفقهية، مجلة كلية الآداب بفاس ، ع 2، 1985، (ص : 126-97) ص 118.

[6] - أنظر: المعيار، ج 7، ص 330.175.115.

[7] - . نفسه، ج 8،ص 41،283،380-383،403-402 ،407،416، 426  ج 10،ص 274،ج 10،ص 327.

[8] - بنميرة: المرجع السابق، ص 294.

[9] - نفسه، ج8، ص 22- 23.

[10] - نفسه،ج 8،ص 279.

[11] - نفسه، ج 8،ص231، 279

[12] - نفسه ج 8، ص 415.و في دراسة بنميرة السالفة الذكر باب – هو الثالث – بعنوان " مسألة الماء بالمغرب خلال القرنين 8و 9هـ /14و 15 م. ص 279 -335

[13] - نفسه ج 8، ص 121.

[14] - نفسه، ج 8،ص 26.

[15] - نفسه، ج 1،ص 18.

التعليقات (0)