أضواء على الرعي والفلاحة وأنظمتهما في المغرب الأوسط .. من خلال كتاب النوازل للونشريسي (2)

أضواء على الرعي والفلاحة وأنظمتهما في المغرب الأوسط

من خلال كتاب النوازل للونشريسي (2)

إعداد

د. متعب بن حسين القثامي

أستاذ التاريخ الاسلامي – قسم التاريخ – جامعة أم القرى

ب=  وسائل ايصال الماء أو رفعه ليسقي المزروعات:

= السواقي: وهي جمع مفردها (ساقية)، عبارة عن شقّ في الأرض، يصل بين الأرض المزروعة ومصدر الماء، سواءً كان ذلك المصدر نهراُ، أو وادياُ، أو بئراُ، أو عين ماء. ويراعى في بنائها درجة الانحدار، وقد تكون ظاهرة على سطح الأرض، أو مخفية تحتها، وهي التي تسمى (قواديس). وتختلف أطوال السواقي وأعماقها باختلاف الأراضي التي تمر بها، وببعدها أو قربها من مصدر الماء. كما تختلف باختلاف الغرض الذي أنشأت من أجله، فهناك سواقي لريّ المزروعات، وهي إما أن تكون من ماء المطر أو من ماء النهر. وأخرى تعمل عليها (الأرحية) التي تطحن بها الحبوب، (أو يعصر بها الزيتون) لذلك نشأت علاقة بين أصحاب المزارع وأصحاب "الأرحية" المعروفين "بالدقاقين"، وهي علاقة في أغلب فتراتها متوترة، فالمزارعون دائمو الاحتجاج على الدقاقين، ووقف بعض الفقهاء في صفهم، ووقع الدقاقون ضحية لكل عملية تقليص للماء الجاري في السواقي[1]. وأراه أمراً طبيعياً، إذ أن الأرحية لن تعمل بطاقتها إذ لم يكن المحصول وفيراً[2]. ويؤخذ في الإعتبار أنّ بعض الأرحية يتعطل عملها في فصل الشتاء لقلة الماء، وجُلّ عملها يكون في الصيف لوفرة الماء[3].

وكان هناك سواقٍ رئيسية (كبيرة) تتفرع منها سواقِ أخرى أصغر حجماً. ومن السواقي ما ينتهي بها المطاف في بستان، ومنها ما يمر على عدد من البساتين، ثم تعود لتصب في النهر الذي شُقت منه[4].

وللسواقي أنظمة وأعرافُ تحكمها، وهي تتعقد كلما اشتدت الحاجة إلى الماء، مما جعل بعض المصادر المائية تقسم إلى أجزاء متناهية الصغر، كالربع والثمن وربما أقل[5].

وردت في ثنايا فتاوي أجاب بها العلماء، منها: أنّه إذا شحّ الماء فلا يستوفي كل أهل ساقية ما كانوا يأخذونه عند كثرة الماء، بل يكون النقص مقسماً بينهم، فيقتسمون الماء على قدر الحاجة. ومنها: كيفية اقتسام شريكين – أو شركاء - لساقية توصل الماء من بئر واحدة إلى مزارعهم، بحيث يخصص وقتٌ محدد، أو يوم معين لكل واحد من الشركاء، مع، ويكون ذلك بالليل كما بالنهار، مما يدل على قيام البعض بسقي مزروعاتهم حتى بالليل[6]. ومنها جواز تحويل الساقية من جارية على سطح الأرض إلى (قواديس) مدفونة في باطن الساقية[7]. وفتاوي تبين حكم ملكية الشجر النابت على حافتي الساقية، وأنه يعود لصاحب الأرض التي تمر فيها الساقية، وليس لصاحب الساقية طالما أنها ليست في أرضه، لأن الساقية قد تكون طويلة، وتمر بمزارع وأراضي "فضاء" إلى أن تصل إلى من أنشأها للاستفادة منها، ويُعبر عن هذه الحالة بـأن من أنشأها – و قد يكونون جماعة - لا يملك رقبتها وإنما يملك جريان الماء فيها، ومالك رقبتها من تمر بأرضه[8]. وهنا لا بد من موافقة أصحاب الأراضي التي تمر بها الساقية[9]. كما أن الماء يتملك بملك موضعه[10].

وتحتاج الساقية بين فينة وأخرى إلى تنظيفها (وكنسها)، وليس لمنشئها "أن يجعل كناسة الساقية إذا نقاها إلا على حافة الساقية فيما لا يضر من ذلك رب الأرض[11].

وربما فسدت الساقية مع الزمن، و توقف جريان الماء فيها، فيعمد أصحابها إلى حفر ساقية جديدة لإيصال الماء إلى مزارعهم[12]. وفي هذه الحالة اشترط الفقهاء موافقة صاحب الأرض التي تمر بها الساقية الجديدة[13].

وفي حالة حفر ساقية جديدة مع وجود أخرى قريبة منها قديمة، فإن احتج أصحاب الساقية القديمة وذكروا أن حفر الساقية الجديدة يضر بهم، ويقلل من الماء الواصل إليهم، فيُمنع أصحاب الساقية الجديدة من حفرها[14].

وسئل أحد الفقهاء "أن ساقية بين قوم، أعلين و أسفلين، وأراد بعضهم قسمتها بنصفين، وكره ذلك الآخرون؟ فأجاب: لا يكون لهم ذلك إلا بإجماعهم ،لأن في ذلك ضررٌ عليهم، لأنه يصير ما كانوا  يسقون به في يومين لا يسقون به إلا في أربعة أيام، ويكثر عناؤهم، ويضر ذلك[15].

وشدد العلماء – رحمهم الله – في مسألة التزام كل صاحب بستان بنصيبه من ماء الساقية، فيمنع من تجاوز حصته، أو أن يحدث بستاناً ملاصقاً لبستانه الأول، إلا أن يسقي بساتينه بمقدار حصته المقررة له في الاتفاق بين أهل الساقية[16]. هذا دليل على حرص العلماء على عدم ارباك "مسألة السقي". والمحافظة على توفر الماء.

= النواعير: احتاج المزارعون إلى صناعة "النواعير" لرفع الماء من بطون الأنهار والأودية لسقي مزروعاتهم، وهي دائمة الحركة لا تكاد تتوقف[17]. ويأتي في المرتبة التالية لها "السانية" وجمعها السواني: وهي من وسائل ايصال الماء إلى المزارع وغيرها، وجاء ذكرها في الكتاب في عدة مواضع[18].

= بناء السدود و الحواجز: استعمل الناس بناء السدود من الحجارة أو الطين والأغصان والحشائش، كما أقاموا حواجز من التراب، من أجل التحكم في اندفاع المياه في الأودية والأنهار وحتى السواقي. وربما شُيّد في الوادي الواحد السدود الكثيرة، بعضها فوق بعض[19]. وهي من الأساليب الأكثر استعمالاً للتحكم في المياه. وتقوم تقنيتها عموماً على "معاكسة القوة الجارفة" و ذلك بتحويل جزء من النهر – أو كله – إلى قنوات تحمل الماء إلى مزارع معينة[20].

جاء في إحدى الفتاوي: " ... فإذا امتلأ (السد) عمد أهل السواقي إلى فضلة ذلك الماء، فجعل كل واحد حاجزاُ من تراب يرد الماء إلى ساقيته[21].

وسئل أحدهم "عن قوم بينهم ماء الوادي وفي ذلك الوادي سدود بعضها فوق بعض، يغرس كل قوم ... سنّتهم أن الماء ينبع من تحت كل سدّ، فلما انتقص الماء أراد الأسفلون أن يكسروا السدود، فهل لهم ذلك أم لا؟ فأجاب: إذا قلّ الماء كُسرت السدود كلها، أو أرسل الماء إلى الأسفلين إن كانوا ينتفعون به عن كسره، وإن كانوا لا ينتفعون به تُرك على حاله"[22].

و كانوا يراعون تاريخ إنشاء السد، فالقديم أولى من الجديد حتى وإن كان القديم في الأسفل، والجديد في الأعلى. جاء في فتوى بهذا الشأن " ... الصحيح أن الماء يحاز بالسبق، وكذلك يكون أهل السد الأسفل أحق بالماء إذا الأعلى محدثاً، وإنما يكون الأعلى أحق بالماء إذا كانت عمارتهما معاً، أوكان الأعلى أقدم، فأما إذا كان الأسفل أقدم فهو أحق"[23].

أضواء على الرعي و الفلاحة و أنظمتهما في المغرب الأوسط .. من خلال كتاب النوازل للونشريسي (3)


[1] - العيار، ج  5 ص 252، ج 8  ص 408،430.

[2] - بنميرة : المرجع السابق، ص 230.301.325-326.

[3] - ابن سهل ( أبو الأصبغ عيسى بن سهل الأسدي، ت 486 هـ) الإعلام بنوازل الأحكام. " المعروف بالأحكام الكبرى ". تحقيق : د / نورة محمد التويجري. ط 1، 1405 هـ / 1995 م.ج 1، ص 441-439.

[4] - نفسه ج 8، ص 40810،ص275.

[5] - المعيار، ج 6، ص 484؛بنميرة : المرجع السابق، ص 312.

[6] - المعيار ج 5،ص 112-111   8، ص394 ,  415.

[7] - نفسه  ج 8، ص 4200421،ج 10،ص 275.  

[8] - نفسه ج 8، ص 430.

[9] - نفسه ج 8، ص 401

[10] - نفسه ج 10، ص 274.

[11] - نفسه ج 8، ص 430

[12] - نفسه ج  8، ص 41 ، ج 10، ص 123، 275.

[13] - نفسه ج 8، ص396، 388.

[14] - نفسه ج 10 ، ص  275.

[15] - نفسه ج 8، ص 279.

[16] - نفسه ج 8، ص 401.

[17] -  بنميرة : المرجع السابق، ص ،293، 298-299؛و أنظر: الوزان ( الحسن بن محمد الفاسي "ليون الإفريقي")وصف أفريقيا.ترجمة : محمد حجي،و محمد الأخضر.دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1983 م.ج 1، ص 249.

[18] - نفسه ج 8، ص 121،299،426.

[19] - المعيار،  ج 8، ص 426

[20] - بنميرة المرجع السابق، ص 300؛و أنظر أيضاً :

      = آيت حمزة، محمد : النظام السقوي التقليدي و تنظيم المجال في جنوب المغرب, مجلة كلية الآداب ،الرباط، ع 13، ص 153 ،. =BERQUE(J) : Etudes d,historire rurale maghrebine,Ed.Int.Tanger-Fes, 1938 .p105

=PASCON (P.) Theorie generale de la distribution des eaux dans Ie, Huouz de Marrakech" ,in, R.G.M.,18.       1970. ,p. 84-98.

[21] - نفسه ج 8، ص 426.

[22] - نفسه ج 8، ص 402-403.

[23] - نفسه ج 8، ص 41.

 

التعليقات (0)