"نظم الخانات الوقفية في دولة سلاجقة الروم من خلال وقفية خان قرطاي" (2)

"نظم الخانات الوقفية في دولة سلاجقة الروم من خلال وقفية خان قرطاي" (2)

إعداد

د. متعب بن حسين القثامي

أستاذ التاريخ الاسلامي – قسم التاريخ - جامعة أم القرى

دراسة وقفية خان قرطاي:

ابتداءً، لابد من معرفة نبذة عن جلال الدين قرطاي "Karatay"، فهو أحد مماليك السلطان علاء الدين كيقباذ الأول ( 616هـ/1219م - 634هـ/1236م)[1]، وترقى في دولة سيده حتى أصبح من كبار وزرائه، واستمر على مكانته العالية، في عهد السلطان كيخسرو الثاني[2]، إلا أنه بلغ أعلى مرتبة في عهد خلفاء كيخسرو الثاني[3]. حيث تولى الإشراف على السلاطين، بين عامي (648هـ/1249م ــ652هـ /1254م) ويُحسب له أنه منع الدولة إلى الانزلاق في الفوضى والاضطراب، وجنبها الكثير من الأزمات، والتي عصفت بها بعد وفاته[4]. ووُصف بالتدين، والزهد، وحُسن الخلق، وكان العامة يبالغون في تبجيله[5].

من حُسن الحظ، أن هذه الوقفية حُفظت من عوادي الزمان، ونوائب الدهر، وهي أنموذج فريد لوقفيات ذلك العصر، ولم يملك معظم من اطلع عليها، إلا أن يُبدي إعجابه الشديد بها، ودهشته لشموليتها، ودقة تفاصيلها، وحُسن صياغتها، وسيتبين ذلك كله من خلال الصفحات التاليات.

ورأيت من المناسب، أن تكون تلك الوقفية، أنموذجاً يمكن تطبيقه على بقية وقفيات الخانات المماثلة في بلاد الروم، ويمكن ـ من خلالها ـ إلقاء الضوء على نظام الخانات "الموقوفة"[6]ـ ومعظم خانات ذلك العصر كانت على هذه الشاكلةـ فنتعرف على أجزاء الخانات وأقسامها، والمستفيدون من تلك الخانات، والموظفون العاملون فيها، وطريقة إداراتها، والخدمات التي توفرها لنزلائها، وكيفية المحافظة عليها، وترميمها، وتنميتها، لتستمر في أداء مهامها التي أُنشئت من أجلها، ونطلع ـ أيضاً ـ على شروط الواقف[7]، وكيفية التقيد بها وتنفيذها، ثم كيفية صياغة الوقفية، ومحرروها، والشهود الذي وقعوا عليها.

ابتداءً فإن الوقفية ـ محل الدراسة ـ كُتبت ـ مع الذيل عليها، وملاحقها، والشهود الذين اطلعوا عليها ـ باللغة العربية الفصحى، ما عدا مشهد قصير منها، وهو يُثبت اطلاع أحد القضاة ـ المتأخرين عنها زمناً ـ عليها، فقد كتب بالفارسية، وهو لا يتجاوز العشرين سطراً.

وقد قام الباحث التركي البروفسور: عثمان توران (OSMAN TURAN)، بنشر وقفية "خان قرطاي"، مع وقفيات أخريات، و بلغتها الأصلـية، مع تـوضيحات وحواشـي بالتركيـة الحديثة[8]، وذلك فـي مجلة تـركية عـلمية، هي Belltan" [9]". كما أدرجتها إحدى الباحثات السعوديات، ضمن ملاحق أطروحتها للحصول على درجة الدكتوراه[10].

وآمُل أن أصل ـ في نهاية هذه الدراسة ـ إلى رؤية واضحة، للنظام الذي كانت تسير عليه الخانات الموقوفة، في بلاد الروم، والتي كانت تمثل في القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي، أعظم المراكز التجارية، وهذا ما كان يُمثله "خان قرطاي"[11].

 أولاً : موقع خان قرطاي:

إن تحديد موقع الخان، يتم عن طريقين، الأولى: ما ورد في نص الوثيقة "الوقفية"، والثانية: ما جاء في المصادر والمراجع التي تحدثت عنه.

حسب نص الوقفية، فإن الخان يقع في أراضي قرية تسمى "سراخور SRAKHUR"، على طريق" محروسة أبلستان ABLASTAN[12]"، وهو بظاهر "محروسة قيصرية"، "بقرب درب ايواسيلIWASIL ([13]بسوق القصابين"، وتم تحديده، من جهاته الأربع، بشكل مفصل[14]. هذا بالرغم من أن محرر الوقفية، كتب عن الخان المذكور، قبل ذكر حدوده بالتفصيل عبارة "... المستثنى عن التحديد لشهرته ببنائه،... و انفراده في الأراضي المذكورة...".

أما تحديد موقعه بواسطة المصادر والمراجع، فإنه بُني في موضع التقاء طُرق تجارية مهمة، فهو على طريق رئيسية تربط بين قونية[15] KONIA، وبلاد الشام، وتمر بسيواس، وهو الأخير في سلسـلة الخانات المقامة على تلك الطريق، ومتاخم لمنطقة تُسمى "سمندو SAMANDO[16]، وتمر به أيضاً الطريق التي تربط بين قيصرية وملطية [17]MALTIYYA [18].

 ثانياً: الأقسام التي يتكون منها خان قرطاي:

يُعد هذا الخان، واحداَ من مائة خانِ لا تزال أثارها باقية للعيان حتى الآن[19]، وهي من مئات كانت تعُج بها بلاد الروم، أصبحت أثراَ بعد عين[20].

حسب نص الوقفية، فإن الخان يتكون من طابقين، "... و العلو و السفل"، وله بناءٌ و فناءٌ، ومُلحق به مسجد، ومطبخ، واصطبل[21]، ومربط للدواب.

ووصفه ابن عبد الظاهر، وكان مرافقاَ للسلطان الظاهر بيبرس[22]، في حملته على بلاد الروم ،سنة 674هـ/1274م، حيث مرت الحملة بالخان المذكور[23]. فنعته بضخامة البناء، وقال: "... وهو دال على همة بانيه، وطلب الثواب فيه، وهو مبني بالحجر المنحوت الأحمر، الذي كأنه رخام، وله مقلات متسعة، ودواوين متفرقة ومجتمعة"[24]. كما وصفه العمري بقوله: "... وهو من أكبر الأبنية سعة وارتفاعاَ، وأحسنها شكلاًَ وأوضاعاًَ، كله مبني بالحجر المصقول المنحوت الأحمر، الذي كأنه رخام...". و زاد العمري أيضاَ أن للخان ـ خارج فنائه ـ مثل الربض[25]، ببابين وأسوار حصينة، وأن أرضيته مرصوفة، وأبوابه من الحديد، وبداخل أسواره حمام، واصطبلات، وبيمارستان[26]، مجهز بالأدوية والفُرش والأواني، "وبه أواوين صيفية، و أمكنة شتوية"[27].

ومن خلال ما تبقى من آثاره، يمكن القول، أن بناءه جاء منسجماَ مع الأسلوب التقليدي للخانات السلجوقية، التي تتميز بأبراج ساندة، وأشكال هندسية متشابكة، وزخارف تغطي العقود، وتشبه إلى حد بعيد، القلاع العسكرية الحصينة، كما أن به "ميازيب"[28] مبتكرة، ومحورة، تصور أسوداَ مجنحة، وتنتهي أفواهها بأشكال ثعابين، ولم يبق سليماَ من تلك الميازيب سوى واحدِ فقط[29].

"نظم الخانات الوقفية في دولة سلاجقة الروم من خلال وقفية خان قرطاي" (3)


[1]- يُعد هذا السلطان، واسطة العقد في سلطنة سلاجقة الروم، إذ بلغت الدولة في عهده أوج قوتها و عظمتها،ثم من بعده دخلت في طور الضعف و الانهيار. و باسمه ألف ابن البيبي كتابه " الأوامر العلائية" و هو المصدر الرئيسي و الفريد لتاريخ سلاجقة الروم. أنظر: ابن بيبي ( ناصر الدين الحسين بن محمد الرغدي ، ت 680هـ / 1218م)، كتاب: الأوامر العلائية في الأمور العلائية، باللغة الفارسية،أنقره، 1956م. و مختصره: أخبار سلاجقة الروم }  مختصر سلجوق نامه{نقله من الفارسية إلى العربية : د / محمد السعيد جمال الدين . جامعة قطر، الدوحة ، 1994م. ص 102؛عثمان توران: الأناضول في عهد السلاجقة و الإمارات التركمانية،نقله إلى العربية : د/ علي محمد عودة الغامدي،مكة المكرمة،ط 1،1418هـ/1997م،21-26.

[2]- السلطان كيخسرو الثاني بن كيقباذ الأول، (634هـ/1236م – 643هـ /1245-1246م)،خلف والده على العرش،و في عهده سيطر المغول على آسيا الصغر. أنظر: متعب حسين القثامي : المرجع السابق،ص80-116.

[3] ـ خلفاء كيخسرو الثاني،هم أبناؤه الثلاثة : كيكاوس الثاني، و قلج أرسلان الرابع،و كيقباذ الثاني ( 643ه/1245-1246م ــــ 660هـ /1262) . أنظر : متعب حسين القثامي : المرجع السابق،ص 117- 209.         

[4]- ابن العبري ( أبو الفرج،جمال الدين غريغورس بن أهرون الملطي،ت 680هـ/1287م)تاريخ مختصر الدول،صححه و فهرس له : الأب أنطون صالحني اليسوعي،دار الرائد اللبناني،بيروت،1403هـ/1983م،ص 461؛ العريني: المرجع السابق،ص 336.

Cahen,Clud: The "Mongols And The Near East"Setton,Ahistiry Of The Crusades V.II.p.726; Turan, Osman: Selçuklular Zamaninda Türkiye, Istanbul, 1966.s.437.                                                                                              

[5]-  ابن بيبي: مختصر سلجوق نامه، ص327؛ابن العبري: تاريخ الزمان.نقله إلى العربية: الأب اسحق أرملة،دار المشرق،بيروت ، 1986م  ،ص292. العمري :المصدر السابق،السفر 3،ص 146.  

[6] ـ الموقوفة : الموقوف،في اللغة: الممنوع، و المحبوس،و في الاصطلاح: هو المال المحبوس قُربة لله ـ عز و جل ـ فيُمنع الناس فيه عن التصرفات التمليكية ، كالبيع، و الشراء،و الهبة،و نحوها. المصطلحات الوقفية: ص 333.

[7] - الواقف: في اللغة،الثابت في مكانه،و في الاصطلاح: هو من صدر عنه عقد الوقف،و هو الإيجاب،أي الالتزام بالوقف بأي صيغة دالة عليه. و للفقهاء فيه شروط مختلفة. المصطلحات الوقفية،ص247.

[8] ـ من المعروف أن العثمانيين كانوا يستخدمون التركية لغة رسمية في دولتهم،و كانت تُكتب بالحرف العربي، لكن بعد انتهاء الدولة العثمانية،استبدل الأتراك الحرف العربي بالحرف اللاتيني، و هو ما يُعرف بالتركية الحديثة.

[9] ـ  " Bellten".XII. Ankra.1948.P.90-107.129-138.149-153. .Turan: Seljuk Devri  Vakifiyeleri

[10] ـ نورة باذياب : المرجع السابق، الملاحق، ملحق رقم : 5، ص

[11] ـ العمري: المصدر السابق،السفر 3، ص146؛أقطاي أصلان: المرجع السابق،ص126،128؛الوسيمي: المرجع السابق،ص234.

[12] ـ ابلستان: و أبلستين، و اليوم اسمها: البستان،مدينة متوسطة الحجم،إلى الشرق من قيصرية،كانت من الثغور بين المسلمين       و الروم. ياقوت :  المصدر السابق،ج1،ص75؛ لسترنج، كي: بلدان الخلافة الشرقية. نقله إلى العربية: بشير فرنسيس،و كوركيس عواد،مؤسسة الرسالة،بيروت، ط2،1405هـ/1985م،ص 45.

[13] ـ إيواسيل : يبدو أنه اسم رجل معروف في قيصرية، و قد ورد اسمه عدة مرات في الوقفية، خاصة عند تحيد قطع الأراضي الملحقة بالوقف ، لأنه  يملك أراضي و عقارات واسعة،و يبدو أنه من غير المسلمين، يدل على ذلك اسمه، و البيعة المنسوبة إليه،   و الله أعلم.

[14] ـ جاء في النص: " المنتهية حدوده إلى مُلك أمير حاج(؟)، و إلى البيعة، و إلى مُلك الحاج محمد(؟)،و إلى مُلك أنروك""ANRUK(؟)، و إلى مُلك ثرياني(؟)،و إلى بيعة إيواسيل بقيصرية،و إلى مُلك الشيخ الياس (؟)،و إلى مُلك نجم الدين (؟)،  و إلى مُلك عليشير الصايغ(؟)،و إلى مُلك طومان(؟) ، و إلى مُلك بانيل" "BANILالبزار(؟)،و إلى مُلك عربشاه(؟)،و إلى الطريق.

[15] ـ قونية: بضم القاف،و كسر النون،و فتح الياء،أخرها تاء مربوطة، عاصمة دولة سلاجقة الروم،مدينة قديمة،من أمهات المدن، تبعد عن أنقرة، بحوالي 262كم، ياقوت :المصدر السابق،ج4،ص 415؛ نورة باذياب : المرجع السابق،ص 85-89.

[16] ـ ابن عبد الظاهر: المصدر السابق،ص 464ـ465. و سمندو :مكان ذكره ابن عبد الظاهر في حملة بيبرس على الأبلستين.

[17] ملطية:و مالطية،و مالاطيا، مدينة في ديار بكر،من قواعد الثغورالجزرية،عند سفوح الجبال المواجهة لجبال طوروس،في سهل من الأرض. ابن شداد ( عز الدين،محمد بن علي،ت684هـ/1285) الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام  و الجزيرة.تحقيق: يحيى عبارة،منشورات وزارة الثقافة و الإرشاد القومي،دمشق،1978-1991،ج2،ق2،ص836؛ لسترنج :المرجع السابق،ص 152-153.

[18] ـ أقطاي أصلان: المرجع السابق،ص 121ـ123.

[19] ـ أقطاي آصلان : المرجع السابق،ص 121.

[20] ـ أوردت الدكتورة نورة با ذياب،معلوماتِ عن عشرة خانات، كلها واقعة على طُرق رئيسة مؤدية إلى عاصمة سلاجقة الروم ـ قونية ـ و لم يكن خان قرطاي من بينها،لأنه لم يكن على إحدى الطرق الرئيسية المؤدية إلى العاصمة ـ حسب رأيهاـ كما أن الباحثة اعترفت بقلة ـ إن لم يكن انعدام ـ الدراسات العلمية عن تلك الخانات . أنظر: قونية عاصمة سلاجقة الروم،ص 447ـ461.

[21] ـ اصطبل:و اسطبل، حظيرة الخيل خاصة. المعجم الوسيط،.مادة:(ا.س.ط (.

[22] ـ السلطان الظاهر بيبرس: من أشهر سلاطين المماليك،بل المسلمين،له أيادِ بيضاء في جهاد الصليبيين و المغول،تولى السلطنة سنة 658هـ/ 1260م، و استمر بها حتى وفاته في دمشق سنة 675هـ/1277م، أخباره كثيرة،و ألف ابن شداد و ابن عبد الظاهر مصنفين في سيرته.

[23] ـ حملة السلطان الظاهر بيبرس على بلاد الروم، و تسمى أيضاَ موقعة الأبلستين، حيث التقى المغول ـ الإيلخانيين ـ في تلك المنطقة، و أوقع بهم هزيمة منكرة، و توغل الجيش المملوكي في أواسط بلاد الروم،و كان معهم ابن عبد الظاهر، أنظر:الروض الزاهر،ص 453- 458.

[24] ـ ابن عبد الظاهر: المصدر السابق،ص465.

[25] ـ الربض:في اللغة ما حول المدينة. الخطيب،مصطفى عبد الكريم: معجم المصطلحات و الألقاب التاريخية . مؤسسة الرسالة،بيروت، 1،1416هـ /1996م، ص 204؛ و المقصود هنا هو ما حول الخان.

[26] بيمارستان: لفظ فارسي،مركب من بيمار و معناها : مريض،و إستان و معناها : محل. أي محل المريض،و المصطلح قديم،     و هو يعني المستشفى في وقتنا الحاضر. التونجي : المعجم الذهبي ،ص 130،الخطيب : المرجع السابق،ص96.

[27] ـ العمري: مسالك الأبصار، السفر3،ص145-146.

[28] ميازيب : جمع مفردها : ميزاب، لفظ فارسي معناه : قناة أو أنبوبة مياه،دخل العربية في العصر الإسلامي،و استعمله العرب بذات الدلالة و الاسم.الخطيب : المرجع السابق ، ص416.

[29] ـ أقطاي أصلان : المرجع السابق،ص128.

التعليقات (0)