أضواء على الرعي والفلاحة وأنظمتهما في المغرب الأوسط .. من خلال كتاب النوازل للونشريسي (3)

أضواء على الرعي والفلاحة وأنظمتهما في المغرب الأوسط

من خلال كتاب النوازل للونشريسي (3)

إعداد

د. متعب بن حسين القثامي

أستاذ التاريخ الاسلامي – قسم التاريخ – جامعة أم القرى

= بناء القناطر: عرف الناس في ذلك الزمان بناء القناطر ليعبروا عليها إلى الضفة الأخرى من النهر أو الودي للوصول إلى مزارعهم و جناتهم[1].

ت = نظام السُقيا في الأرض المائلة أو المنحدرة:

وهي التي سماها أحد الباحثين "مشكلة الأعالي والأسافل" و لعله محقٌ بهذه التسمية، فقد أخذت هذه المشكلة حيزاً كبيراً في قضايا الماء التي أشغلت السكان القرويين والفقهاء على حد سواء[2]. وفي هذا النوع من الأراضي هناك (عوالي) و(سوافل)، وله أحكام ونُظم في عملية سقي المزروعات، ولعل من أصول هذه المشكلة، خضوع الأنهار في المغرب – بصفة عامة – لبعض الثوابت الطبيعية، فالصبيب يتناقص من العالية إلى السافلة، خاصة عندما لا توجد روافد للنهر، وتزداد المشكلة حدةً في فصل الصيف، عندما تتوقف الأمطار، وتبدأ العيون هي التي تغذي الأنهار بالمياه[3]. والقاعدة الفقهية الأساسية في مثل هذه النازلة أنّ الأولى بالسقي هي الأراضي العالية، فإذا أخذت كفايتها من الماء سُرّح إلى الأراضي المنخفضة. ونجد في "المعيار" مجموعة من النوازل التي تعالج علاقة الأعالي بالأسافل، جُلها في الجزء الثامن منه، منها نازلة استغرقت قرابة خمسة عشر صفحة، و هي – في رأي أحد الباحثين - تشكل وثيقة تاريخية فريدة، بل عدة وثائق مختلطة ببعضها، فهي تضم رسوماً وأحكاماً قضائية، ووصفاً دقيقاً لمنشآت السقي، من عدد السدود والقنوات و كيفية توزيع المياه، والمصطلحات المستعملة لتحديد أنواع المنشآت المعتمدة في السقي، ومقادير الصبيب، ومفاهيم خاصة بالمسافات التي يقطعها النهر أو السواقي، والطريقة التي يتم بها التمييز بين المنشآت المائية المحدثة ونظيرتها القديمة، إضافةً إلى إلقاء الضوء على عادات وتقاليد اجتماعية، وأعرافاً محلية[4].

مما ورد في هذا الصدد ما يلي: سئل أحدهم عن "قوم لهم وادٍ كبير، فغرسوا عليه جنةَ كثيرة (هكذا!) و يحرثون عليه، فإن كان الشتاء كثر، وإذا كان الصيف قلّ حتى يصل إلى الأسفلين يرده الأعلون عنهم، وإن أرسلوه إليهم أضر ذلك بالأعلين أيضاً، وهم بنوا جدٍ واحد؟ فأجاب: للذين غرسوا على الوادي كلهم السقيّ إلاّ أن يقل الماء ولا يكون فضل عن الأولين، فالأولون أحق إن شاء الله"[5].

ومن أحكام السقي أيضاً في مثل هذه الحالة، ألاّ يقطع من هم في الأعلى الماء على الأسفلين، جاء في فتوى "... قوم لهم ماء عليه أرحية وجنان ومنازل على قديم الزمان، لا يُعلم كيف كان ... فأراد الأعلون قطعه عن الأسفلين؟ فأجاب: أن الماء يبقى على ما هو عليه، ولا حجة للأعلين فيه إلا أن يقيموا عقوداً قديمة بالاتفاق أو عارية إلى مدة معلومة..."[6].

ولعل من المناسب أن أختم هذه الفقرة بفتوى اختصرت نظام السقي في الأراضي المنحدرة، ونصها: " سئل ... عما وقع فيه النزاع بين أناس؟ فأجاب: إذا ثبت بالشهادة تملك الماء على نسبةٍ وجب الحكم بذلك، وإذا كان الماء غير متملك يسقي به الأعلى فالأعلى، هذا ما يوجبه الشرع. وقال: إن ثبت أن الماء الذي يسقي به القوم أملاكهم متملك فهو بينهم على الحظوظ التي يمتلكونها، لأن من ملك حظا من ماء فهو ماله كسائر الأموال، وإن كان الماء المذكور غير متملك وإنما هو من الأودية التي لا ملك لأحد عليها فحكمه أن يسقي به الأعلى، لا حق به للأسفل حتى يسقي الأعلى"[7]. ومن الملاحظ أن العلاقة بين الطائفتين (الأعالي والأسافل) تتوتر بصورة جلية في حالتين، الجفاف وقلة الماء، أو الفيضان و كثرة الماء[8].

 ث= المغارسة و المساقاة و أنظمتهما: 

= اكتراء الأراضي من أجل الزراعة: وهذا النوع من المزارعة منتشر وسائد بين الناس، وتختلف أنظمة الكراء وضمانها باختلاف الأراضي ونوع الزراعة فيها؛ فهناك على سبيل المثال كراء الأرض لزراعة قصب السكر فيها، فتطول مدة الكراء وتستمر إلى ثماني سنوات فأكثر، وربما اشترط ربّ الأرض على المكتري أن يترك له – بعد تمام المدة – "جذرة القصبة" ليبيعها و هي"غالب الأمر إذا ألقيت بالأرض لها خطر كبير، و تباع بثمن عالٍ، وإن قُلعت لا ينتفع بها بوجه"[9].

وهناك من يكتري أرضاُ "محبسة"[10]. أو من أراضي السلطان. وهناك نوع من الكراء، يسمى "قبالة" ومن أمثلته أن رجلاُ " ... أكرى جنانه بثلاثين ديناراُ، وفي الجنان شجرتان، وعنب، وأرض بيضاء، والشجر أكثر غلة من البياض، يسموا هذا الكراء قبالة، فتقاضى منه الثلاثين ديناراُ في تلك القبالة، ثم اطلع على مكروه ذلك العمل، وقد باع ذلك التين والعنب اخضر، كيف وجه الصواب في ذلك؟ فأجاب (أبو صالح): لا يجوز فيه الكراء، وإنما يجوز فيه المساقاة، فإن فات وجب على الرجل كراء الأرض البيضاء، وكيل التمرة إن كان يبسها وإن كان أكلها رطبة فقيمتها، وعلى رب الجنان كراء المساقي نفسه[11]. فهنا نلاحظ نوع من الكراء لم يكن يجيزه العلماء، لكن بعض الناس يتعامل به.

ولا بد أن يلتزم (المكتري) بدفع الكراء لصاحب الأرض التي اكتراها، إلا في حالات محددة، منها إن ظن أن الجراد سيخرج من الارض و يتلف الزرع، كما بينته في فقرة "تلف الزرع". ومنها: توالي القحط " ... حتى علم (المكتري) أن الزرع لو سلم من الصر لأهلكه القحط، فالكراء عنه ساقط[12].

ج = هلاك الزرع و أسبابه:

عديدة هي الأسباب التي تؤدي إلى تلف الزرع. ووردت في الكتاب مجملة "هلكت..." و"تلف الزرع...". وجاءت مفصلة، فمن أسباب تلف الزرع "الجراد "، وقد يبيض الجراد في الأرض، ويترك بيضها بداخلها مدةً، فإذا جاء المطر، فقس البيض، وخرج الجراد وأكل الزرع، وإذا " أتى الجراد إبان الحرث، فعلم الناس أنهم إن زرعوا شئياُ أكله الجراد فامتنعوا لذلك فلا شيء عليه، قيل يريد أنهم إنه باض في تلك الأرض، بحيث يعلم أنه إن ظهر أكل الزرع ... فلا كراء عليه "[13]. وشبيه له "الفراش" وهو نوع من الحشرات، يتغذى على بذور الكتان، ويقال أنه دورة حياته تشبه دورة حياة الجراد، فهو "يسوخ" أي يضع بيضه في الأرض، فإذا نزل المطر وارتوت الأرض خرجت يرقات الفراش وسبب الأذى للبذور والنباتات[14].

وتوالي الأمطار، خاصة في زمن الزرع، وربما غرق الزرع أياماً، فتلف لذلك[15]. ونزول الجليد[16]. والحرائق[17]. "والدود في  الأرض يأكل الزرع"[18]. وربما أصابه "الصرّ" خاصةُ إذا كان رفيعاُ لم يشتد عوده، وكذلك يتسبب القحط في تلف المزروعات[19]. 

ومما يتلف الزرع أيضاً بعض الحيوانات ومنها "الخنزير" وورد ذكره في عدة مواضع، مما يوحي بكثرة وجوده سائباً في البراري، ومنها الطيور التي تتغذى على بعض الثمار والمحاصيل، خاصة الحبوب والتمور وبعض الفواكه[20].

وإذا كان بعض "مهلكات" الزروع مما لا يستطيع الفلاح ولا الفقيه الوقوف ضدها، فهناك ما يسبب الضرر للزرع ويمكن تلافي الضرر بفتاوى الفقهاء، ومن ذلك أن بعض الزرع – أحياناً- يسبب ضرراً بزرع أخر، أو يتعدى الانسان على الزرع ويتسبب في فساده، ومن ذلك: - رجل غرس شجرة (توت) وتشعبت أغصانها وفروعها حتى وصلت إلى (زيتونة) جاره، فأضرت بها، " ... فيؤمر من وصلت أغصان شجرته  للشجرة الأخرى حتى أضر بها أن يقطع من أغصان شجرته ما دخل في ملك جاره، حتى أضر بشجرته، فإنما يبقى الشجرة أعني من أغصانها ما هو بحذاء ملكه، وما خرج من حذاء ملكه من الأغصان، فيؤمر بقطعه، كل واحد منهما حتى لا يضر بجاره[21]. ومنه أن يقوم "الغارس يغرس فولاُ بين الأشجار المغروسة قبل الاطعام،... ويمنع أيضاً رب الأرض المغروسة من زراعة الأرض المغروسة، لأنه ضرر بالغرس، إلا أن تكون هناك عادة[22].

ويتضح من الفتاوي، أن المجتمع والعلماء يقدّرون أهمية غرس الأشجار المثمرة، والزروع المفيدة، ويحافظون على "حقوق الشجرة" – إن صح التعبير – حيث سؤل أحدهم " ... عن نخلة عند السور قائمة لكن يخاف عند نزول العدو بالبلد أن يقطعوها فتهدم السور أو بعضه، فهل تقطع إذا خيف ذلك عند حلول العدو بالبلد؟ وكيف إن كانت داخل السور مائلة يخاف عليها الوقوع على السور فتهدمه، هل تقطع أم لا ؟ فأجاب: متى غلب ظنه السلامة بقيت. وإن غلب على ظنه الخوف قطعت. ولو استوى الاحتمالان بقيت على حالها[23]. فأنظر إلى شدت تمسك المفتي بعدم قطع نخلة واحدة، إلا أن يترجح عند أهل البلد أن وجودها فيه ضرر مؤكد على البلد.

أضواء على الرعي والفلاحة وأنظمتهما في المغرب الأوسط .. من خلال كتاب النوازل للونشريسي (4)


[1] - نفسه، ج 8، ص 400،424,

[2] - بنميرة : المرجع السابق، ص 315.

[3] - المرجع نفسه، ص 293؛و أنظر أيضاً:

       = الوزان: المصدر السابق، ج 1، ص  111.

       = موسى، عز الدين: النشاط الإقتصادي بالمغرب الإسلامي خلال القرن 6 هـ/ 12م، دار الشروق، بيروت، 1983، ،ص 59.

[4] - المعيار، ج 8 ، ص 25-5 ؛بنميرة: المرجع السابق، ص 319-316.

[5] - نفسه ج 8، ص 402. و أنظر أيضاً بنميرة : المرجع السابق، ص 315 . حيث خصص مبحثاُ بعنوان " مشكلة الأعالي و الأسافل".

[6] - نفسه ج 8، ص 10.

[7] - نفسه ج 8، ص 380.

[8] - بنميرة: المرجع السابق، ص 315؛ مزين : المرجع السابق، ص 188.

[9] - المعيار ج 10ص 299.

[10] - نفسه ج 8،ص 370.

[11] - نفسه ج 8،ص 375.

[12] - المعيار ج 8، ص 165-266.

[13] - نفسه ، ج 8،ص 275.

[14] - نفسه ج 5، ص 244-243

[15] - نفسه ،ج 8، ص 270،375

[16] - نفسه، ج 8، ص 164.

[17] - نفسه، ج 8، ص 164

[18] - نفسه، ج 8، ص 164

[19] - نفسه، ج 7،ص 330؛ج 8، ص 165- 166.

[20] - نفسه، ج 10، ص 237.

[21] - نفسه، ج 8، ص437. و أنظر أيضا ج 6، ص 23، 54.

[22] - نفسه، ج 8، ص174.

[23] - نفسه، ج 8، ص 439

التعليقات (0)