"نظم الخانات الوقفية في دولة سلاجقة الروم من خلال وقفية خان قرطاي" (3)

"نظم الخانات الوقفية في دولة سلاجقة الروم من خلال وقفية خان قرطاي" (3)

إعداد

د. متعب بن حسين القثامي

أستاذ التاريخ الاسلامي – قسم التاريخ - جامعة أم القرى

وفي صدر الخان إيوان، وبعده يبدأ الفناء، وعلى يمين المدخل،يقع المسجد، وله قبة، وإلى اليسار إيوان كأنه ظلة[1]، وفي الفناء حمام الخان، وهو من الفخامة وروعة البناء والنقوش، إلى حد أنه يمكن وصفه بأنه "الخلاصة المفيدة لفن النحت السلجوقي"[2].

وجاء في نص الوقفية، وصفٌ للمطبخ وما يحويه من الأواني: حيث تتوفر فيه، خمسون قطعة كاسية[3]، وعشرون طبقاً من النحاس، وخمسون طبقا أخرى من الخشب[4]، ومائة قصعة[5] خشبية، وعشر قدور كبار من النحاس، وخمس أخر متوسطات، ومثلها صغار، وطشتان[6] كبيران، ومرجلان[7] كبيران، وهاوونان[8] كبيران، وعشرة مغافر[9]، وعشر لكسة[10]، "مع ما يحتاج المطبخ من الآلات".

ولحماية الخان، وتوفير المياه لنازليه، وسهولة الوصول إليه، بنا قرطاي حول الخان سداَ لخزن المياه، ومهد طريقا بالقرب منه، وجاء ذكره فـي نص الـوقفية، بالعـربـية والتـركية[11]. وندرك أهـمية تمهيد الطريق، إذا عـلمنا أن بعـض الـقـوافل التجارية، كانت عبارة عن عدد كبير من العربات، محملة بالبضائع، وتجرها الدواب لمسافات طويلة[12].

ثالثاً : مقدمة الوقفية:

وهما في الحقيقة مقدمتان لا مقدمة واحدة، الأولى للوقفية الأصل، والأخيرة للذيل عليها، واستُهلت كلاهما بحمد الله، والثناء عليه، والأولى أطول وأكثر استفاضة، ومما جاء فيها: "الحمد لله الذي أيد سواعد الدين، وشيد بنيانه، ومهد قواعد اليقين، وأصد (هكذا) أركانه، القاهر بالفناء ما دونه، العالم من الغيب مكنونة،... الخ". أما الأخيرة منهما، فهي مقدمة قصيرة، ومما جاء فيها: "بعد حمد الملك المتعال، والصلاة على نبيه محمد وآله خير آل .... الخ". و يُلاحظ أن محرريهما استخدموا السجع في نهاية الجُمل".

رابعاَ: صيغ الوقفية:

إن الصيغة[13] في الوقف، هي أحد أركانه الأربعة[14]، وقد تضمنت وقفية خان قرطاي، صيغاَ وعباراتِ متعددة، واختلفت في الوثيقة الأصلية، عنها في الذيل الملحق بها، لكن الاختلاف طفيف، وقد حرص محرروها على استخدام عبارات متعددة، منتهٍ معظمها بسجع، وكان الهدف منها، إثبات شرعية الواقف لوقفه، وأهليته لذلك، وربما تكررت بعض الجمل، لكنها لم تكن متوالية، بل جاءت في مواضع مختلفة، ومما جاء فيها: " حضر ( يقصد الواقف ـ قرطاي ـ) بين يدي الحاكم (يعني السلطان السلجوقي آنذاك)، و أقر إقراراَ صحيحاً شرعياَ، ومن القوادح عرياً، في صحة من عقله وبدنه، وبطوعه طوعاَ ورغبةَ من غير أن أُكره، أو أُجبر، متفوهاَ بلسانه من غير واسطةٍ ولا ترجمان، مستقلاًَ بذاته، مستبداَ بتصرفاته وتبرعاته، فيما يُنسب إليه، غير مولىَ عليه، بأنه وقف، وحبس، وسبل[15]، رجاء فضل الله العظيم".

وجاء في موضع آخر: " ... وقف ... وقفاَ صحيحاَ شرعياَ، وتصدق[16] به تصدقاَ جائزاَ مرعياَ، وحبسه تحبيساَ جائزاَ مرضياَ، محرماً، مؤبداَ، مخلداَ، إلى يوم الدين، وأنه أوقف على مصالح الخان، مصالح نازليه...الخ".

و جاء في موضع ثالث: " ... وقفاَ صحيحاَ شرعياَ، وحبس جميع ذلك، تحبيساَ معتبراَ مرضياَ، وتصدق بذلك كله، تصدقاَ سرمدياَ، مؤبداَ مخلداَ محرماَ بتلاًَ جزماَ فضلاَ قطعياَ، جارياَ منهج الشرع، حاوياَ مقتضى الحكم، والأصل والفرع، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين...الخ".

وقد اشتملت الوقفية، على بعض الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، التي تحث على الإنفاق والتبرع. وطلب المثوبة من الله. كما اشتملت أيضاَ على الدعاء للواقف بالخير، وأن يتقبل الله عمله، وتضمنت أيضاَ، الإشادة بالواقف، وبالسلطان[17] الذي أجاز الوقف، كما وردت فيها عباراتٌ قوية، ودعاءٌ على من يتسبب في تعطيل هذا الوقف، كما سيمر معنا في صفحات تاليات.

ولعل من المناسب، أن نشير هنا، إلى أن الوقف أنواع ثلاثة، وهي: الأهلي، والمشترك، والخيري، والوقف الذي نحن بصدده، من النوع الأخير، وهو ما جُعل فيه الريع[18] ابتداءً إلى جهة من جهات البر الخالصة، كالفقراء، والمساكين، وغيرهم[19].

خامسا: المستفيدون من الوقف:

حددت الوقفية ـ بكل دقة و وضوح ـ المستفيدين من الوقف (أي الخان و مرافقه)، وهو ما يُعرف عند الفقهاء بالموقوف عليه[20]. فهو موقوف ـ ابتداءً ـ على أبناء السبيل، والواردين عليه ـ أي على الخان ـ والنازلين به، والمتطرقين[21]، والسالكي الطريق. وهذا يشمل التجار، والمسافرين، بل حتى الضعفاء والمساكين، بل إن الواقف جعل من شروطه[22]، الإحسان إلى فقراء أقاربه ومماليكه، إذا هم آووا إلى الخان، وثبت عجزهم عن الكسب، بل إنه وسع دائرة المستفيدين من الوقف، لتشمل فقراء المسلمين، ومحاويج الموحدين، إن كانوا في مشارق الأرض أو مغاربها، "مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ".

و تظهر سماحة الواقف ـ رحمه الله تعالى ـ و كرمه، ونبذه للتعصب والتمييز بين المستفيدين من الوقف، عندما جعل من شروطه، عدم منع أحدٍ ـ كائناً من كان ـ من دخول الخان، والاستفادة منه، ومن مرافقه، ومن الخدمات التي تُقدم فيه، سواءً كان مسلماً أو كافراً، ذكراً أو أنثى، حراً أو عبداً. ويبدو أنه وضع في حُسبانه، أن المستفيدين من الخان ـ خاصة التجارـ لن يكونوا كلهم مسلمون، فمنهم أهل كتاب، ووثنيون، كما أنهم من أجناس مختلفة، فمنهم الأوربيون، والمغول، وغيرهم.

ولا شك، أن الاهتمام بالتجار، وتوفير الراحة والأمان لهم، بغض النظر عن أديانهم، وأجناسهم، على النحو الذي أشرنا إليه في السطور السابقة، هو من أكد الأسباب، على تنشيط الحركة التجارية، وضمان استمرارها، في بلاد الروم، رغم تقلب الأحوال السياسية، والمناخية فيها.

"نظم الخانات الوقفية في دولة سلاجقة الروم من خلال وقفية خان قرطاي" (4)


[1] ـ الظلة:هو ما أظلك من شجر، أو سحاب، أو غيره. وما يستظل به من الحر والبرد والمطر، ونحوه. رضا، محمد يوسف: معجم العربية الكلاسيكية والمعاصرة. مكتبة لبنان،بيروت، 2006م. ص 1056.

[2] ـ أقطاي أصلان: المرجع السابق، ص128.

[3]ـ كاسية، هكذا ورد في النص، ولم استطع معرفة المقصود منها، حسب ما اطلعت عليه من المعاجم.

[4]ـ لاحظ أن أطباق الأكل، من النحاس، أو الخشب، وذلك حرصاً على صحة مستخدميها. وهذه من شروط الواقف.

[5]ـ القصعة: وعاء يُؤكل فيه، وكان يُتخذ من الخشب غالباً. المعجم الوسيط، مادة (ق.ص.ع).

[6]ـ طشت: لفظة فارسية، وهي آنية تستخدم للغسيل. القلقشندي: المصدر السابق،ج7،ص 236؛ الخطيب: المرجع السابق، ص306.

[7]ـ المرجل: القدر من الطين المطبوخ، أو النحاس. المعجم الوسيط، مادة (ر.ج.ل).  

[8]ـ هاوون: أداة مصنوعة من البرنز، يُدق فيها الفلفل والملح وأخلاط الأدوية ونحوها.الخطيب: المرجع السابق، ص413.

[9]ـ مغافر: ومفردها مغفر، والمشهور أنها زرديلبسه المحارب تحت القلنسوة. رضا: المرجع السابق،ص 1513. لكنْ يبدو ليس المقصود هنا، فالسياق يوحي بأنها من أدوات المطبخ، و تقديم الأكل. والله أعلم.

[10]ـ لكسة، هكذا ورد في النص، ولم استطع معرفة المقصود منها، حسب ما اطلعت عليه من المعاجم.

[11] ـ جاء في الوقفية: " ... طريقاَ، وبالتركية قلدرم"

[12] - ابن سعيد: المصدر السابق،ص188.

[13] ـ الصيغة في اللغة الخلقة والهيئة، وصيغة الكلام تراكيبه، وفي الاصطلاح: صيغة الوقف، هي ما يُعبر به الواقف عن إرادته في الوقف. أنظر: المصطلحات الوقفية، ص161.

[14] ـ يرى جمهور الفقهاء، أن للوقف أركان أربعة، وهي: الواقف، والموقوف، والموقوف عليه، وصيغة الوقف. أنظر: أبو زهرة، الشيخ محمد: محاضرات في الوقف، دار الفكر العربي، ط 2،1971م، ص 26.

[15] ـ وقف، وحبس، وسبّل، ثلاثة مصطلحات، يرى كثير من الفقهاء، أنها بمعنى واحد، إذا وردت في صيغة الوقف. أنظر: البعلي (الإمام أبو عبدالله محمد بن أبي الفتح الحنبلي، ت 709هـ /1309م) المطلع على أبواب المقنع. المكتب الإسلامي للطباعة والنشر. ط 1،1385هـ/1965م، ص 27 - 29.

[16] ـ الصدقة ما يخرجه الإنسان من ماله، ويعطى للفقراء والمساكين وغيرهم. وتكون بطوع الإنسان، وليست فرضاَ عليه، وهذا ما يُميز الصدقة عن الزكاة. المصطلحات الوقفية، ص255.

[17] - وهو السلطان: ركن الدين كيكاوس الثاني بن كيخسرو الثاني، خلف أباه مستقلاً بالحكم فترة من الزمن، ثم أُشرك معه أخواه، قلج الرابع، وكيقياذ الثاني. أنظر حاشية رقم (33)، من هذه الدراسة.

[18] - الريع: لغة النماء والزيادة. أما في الاصطلاح: فإن الفقهاء ،يفسرون الغلة بالريع، ويستعملون اللفظتين بمعنى واحد، وهو الزيادة والفائدة والدخل الذي يحصل من الموقوف، كالثمار، وكراء الأرض، ونحوهما. المصطلحات الوقفية، ص137.

[19] - المصطلحات الوقفية، ص 255.

[20] - الموقوف عليه ـ وهو أحد أركان الوقف كما مرّ معنا ـ و هو من يستحق الريع من الوقف، والاستفادة منه. المصطلحات الوقفية، ص250.

[21] المتطرقين: ويقصد بهم من ساروا على طريق الخان، ومروا به.

[22] - الشرط، وجمعه شروط، في اللغة: إلزام الشيء والتزامه ـ في البيع و نحوه ـ أدنى أمر من الأمور. وفي الاصطلاح: هو تعليق شيء بشيء، وهو ما يتوقف عليه وجود الشيء، والشروط ضرورية في أركان الوقف، إذ الصيغة ـ التي هي من أركان الوقف ـ لا بد أن تتضمن شروط الواقف، وذهب جمهور الفقهاء، إلى أن شروط الواقف في وقفه، واجبة التنفيذ والتقيد بها، إلا إذا تعارضت مع الشرع المطهر. لذلك شاع عند الفقهاء، مقولة: "شرط الواقف كنص الشارع". أبو زهرة: المرجع السابق، ص136؛ المصطلحات الوقفية، ص 149.

التعليقات (0)