أضواء على الرعي و الفلاحة وأنظمتهما في المغرب الأوسط .. من خلال كتاب النوازل للونشريسي (4)

أضواء على الرعي والفلاحة وأنظمتهما في المغرب الأوسط

من خلال كتاب النوازل للونشريسي (4)

إعداد

د. متعب بن حسين القثامي

 

ح = أنواع المحاصيل الزراعية:

ورد في ثنايا الكتاب العديد من أنواع المحاصيل، بعضها بصيغة الإجمال، وبعضها ذكرت مفصلةً بعينها، فمن المجمل قوله: "خضرهم و ثمارهم نفسه[1]. و"البقول"[2]. و"الحبوب"[3] و"يغرس الخضاري ... الفاكهة "[4]. أما المفصل فمنها: التمر بأنواعه: البلح والرطب.

ومن الخضروات: الكرنب، و البصل، و الثوم، والخس، واللفت، والقرع، والقثاء، والدباء، والزعفران.

ومن الفواكه: التين (الصيفي والشتوي)، أو الأبيض والأسود، والأخير يعدّون سواده عيباً فيه، ويلجأ بعض الفلاحين إلى دهن التين بالزيت، ليحسن في نظر الناس، وقد أفتى بعض الفقهاء بحرمة ذلك[5]. والعنب (الكروم، الأسود والأبيض)، والتوت، والزيتون، والفريك، والتفاح، والفِرْسِك (وهو الخوخ).

ومن البقول: الفول، والكتان، والمقتات، والرمان (الحامض وهو عند بعضهم معيب، والحار)، وقصب السكر.

ومن الحبوب: القمح، والشعير، والقطنية، والقطن، والذرة، ولوز الحرير، والدخن، والأندر.

ومن المزروعات الضارة بالأرض: الجلجلان، والدخن[6].

وورد ذكر لزراعة "الحناء" في أكثر من موضع[7]. وجاء في بعض النوازل أنّ البصل واللفت يزرعان في أحواض صغيرة، وربما يتم بيعهما بأحواضهما بعد نضجهما[8].

ولعل من المناسب هنا الإشارة إلى اهتمام النظام بالبذور وصلاحها، فإذا اشترى الفلاح بذوراً (حناءً،أو قمحاً،أو شعيراً،أو قطناً،...) واشترط على البائع أنها تنبت، ثم بعد بذرها في الأرض وسقيها لم تنبت، وليس هناك آفةُ اجتاحتها، فمن حق الفلاح أن يستعيد قيمة ما دفع للبائع[9].

خ = العاملون في مجال الفلاحة:

لا تنجح الزراعة، ويجود محصولها إلا إذا كان (الفريق) العامل في المزرعة من المتقنين لعملهم. وجاء في الكتاب العديد ممن يعملون في المزرعة، ومنهم:

 = الخمّاس: وهذا المصطلح مشهور عندهم، ويقصد به من يملك من خمس منافع الأرض، وخمس منافع بقر الحرث، وخمس منافع الزرع[10]. ويقوم بخمس العمل، وله خمس ما تنتجه الأرض. ولأهميته استطرد في ذكره المؤلف، وذكر تعريف الفقهاء له، وألف فيه أحد العلماء المتأخرين "مصنفا" [11] مستقلاً.  وعلى هذا المصنف عُملت بعض الدراسات[12]. وتبيان العمل الذي يجب عليه أن يقوم به، ووردت بشأنه الكثير من الأسئلة، وصدرت بحقه الكثير من الفتاوي. في حالة إذا بدأ عمله ولم يتمه، أو مرض، واتضح للباحث أن بعض ما يقوم به الخماس، أو ما يتفق عليه مع صاحب الأرض ليس عمل مشروعاً، بل هو مخالف للشريعة، لكن ما تعود عليه الناس و ورثوه عن أسلا فهم يتعاملون به، جهلاً منهم بحكمه[13].

= و"الحارث: وهو الذي يقوم بحراثة الأرض و تقليبها استعداداً لزراعتها[14].

= الغارس: وهو الذي يقوم بالغرس والزرع[15].

= الذاري: وهو الذي يقوم بذرو البذور في الأرض، وكره بعض الفقهاء أن تكون أجرته أمداداً معلومة على كل حمل يذروه في الأرض بداعي الجهالة[16].

= الحارس: وهو المنوط به حراسة المزروعات ليلاً، والبعض اتخذ "الكلاب" للحراسة، وأجاز الفقهاء ذلك[17].

د = دور السلطة الحاكمة في تطور أو تدهور الزراعة: 

تسهم شخصية السلطان أو الأمير بدور مهم في تطبيق النظام والعدل، أو العكس، جاء في أحدى النوازل أن أخوين اشتركا في "جنات"، فتولى الأكبر منهما مهمة "الزريعة" فهو يغرس، ويجمع المحصول، ويلقط الزيتون، "وكانت الأخوة بينهما جيدة، وكان أمر السلطنة مستقيماً،فلما ضعف طرد الأصغرُ الأكبرَ، وقال له: لا شيء لك معي"[18]. وفي نازلة أخرى، يصف المؤلف مقدار الفزع الذي ينتاب المزارعين الذين خرجت مزارعهم عن حكم السلطان، وحكمها العرب، وتقاسموها بينهم بالسيوف، حتى أن المزارعين لا يستطيعون جمع الثمار - خاصة الزيتون - إلا بشق الأنفس، وركوب الأهوال، فيخرجون وهم خائفون، ويسرعون بلقط الزيتون، ثم يعودون قبل أن يرخي الليل سدوله، ومن يتخلف منهم عن الجماعة يقع ضحية تأخره عن الركب، ويطال هؤلاء المزارعون بإعفائهم من الزكاة، لأنهم يدفعون يخسرون نصف محاصيلهم – وربما أكثر- مقابل استئجار من يجمع لهم المحصول، ومن ينقله إلى المدينة، ثم أنهم يبادرون بجمعه قبل تمام نضجه، كل ذلك خوفاً من الأعراب المحيطين بهم، و الذين لم يقم السلطان بمنعهم من أعمالهم هذه[19]. فها هنا يبرز دور السلطة المهم في حفظ حقوق المزارعين وبقية الرعية.

بعض قضايا الزراعة المختلف فيها بين الناس يُفوض أمر إلى السلطان، فما حكم به وجب الأخذ به، وقد نصت فتاوى عديدة على ذلك، منها: "فأجاب: ... إن رأى الإمام ... و إن لم يكن إمام بيع ذلك ..."[20]. " ... و إما إن منعه السلطان ... و يحتج بأن الوادي له فلا..."[21]. "... لا يجوز قسمته إذا غاب شريكه إلاّ بأمر السلطان، وإن كان... موضعه لا سلطان فيه أو السلطان منه بعيد أو كان حاضراً ولا يصل إليه "[22]. " فاجتمع رؤساء أهل الموضع و سلطانهم على أن قسموا جميع مياه الموضع على ..."[23].

 ذ = دور الأعراف و التقاليد و العادات الاجتماعية:

ومما كان يراعيه الفقهاء، ويفتون بجوازه، ما تعارف عليه الناس، و تعودوا على القيام به، ما لم يخالف الشرع الحنيف مخالفةً بيّنة، فكان للمجتمع في مجال الزراعة عادات وأعراف توارثوها، وربما اختلفت من بلد إلى أخر. ولا شك أن تلك الأعراف الجماعية قد أسهمت بشكل أساسي في تنظيم العلاقة بين الفرد والجماعة، وعلاقة الجماعة بمن جاورها من جماعات أخرى[24].

ومن نماذج الفتاوي التي وردت في هذا السياق ما يلي: " يُمنع ... لأنه ضرر بالغرس إلا أن تكون هناك عادة"[25]. "فهم على هكذا خلفُ عن سلف، أمداً طويلاً ... ولم يكن لهم بهذا عادة قديمة ... واحتجوا بما تقدم ... مع عدم انكارهم وآباؤهم وأجدادهم كذلك..."[26]. ."وكان عرفهم أنهم يحييون بياضهم ...كان الأمر في مسألتك على عرفهم أيضاً..."[27]. "قسمة البئر على ما يقتسمه الناس عندنا..."[28]. "والمستعمل منه اليوم بين الناس غالباً ما لا يجوز ... وجرت العادة اليوم في البادية..."[29]. "ومما يتبين  ذلك فيما يرجع فيه إلى أعمال الناس وسنتهم"[30]. "... فأجاب يحملون على سنة بلدهما في هذا و المتعارف في ناحيتهما بين الناس"[31].

أضواء على الرعي والفلاحة وأنظمتهما في المغرب الأوسط .. من خلال كتاب النوازل للونشريسي (5)


[1] - ج 8، ص 23 ،ج 10،ص 262.

[2] - نفسه، ج 8، ص 156

[3] - نفسه، ج 8، ص 404

[4] - نفسه، ج 10،ص 262.

[5] - نفسه، ج 6، ص 409

[6] - نفسه. ج 1، ص 5،18،ج 8،ص  23،120،156،  129 ،168،187،404،140،369،161،145،226-227،267،122-123،130.

[7] - نفسه، ج 5،ص  26،217 224؛ج  10،ص 327.

[8] - نفسه ، ج 5، ص 90.

[9] - نفسه، ج 5،ص 205-204،ج 6، ص 57،ج 10، ص 327.

[10] - نفسه ج 8، ص 144

[11] - المعداني ( أبو علي الحسن بن محمد بن رحال ، ت بعد 1180 هـ/ 1767 م) رفع الالتباس عن شركة الخماس.الخزانة العامة ، الرباط، رقم  د 1862، ضمن مجموع ( 60-73).

[12]جاك بيرك (Berque (J)) في دراسة له عن البادية المغربية ( الريف المغربي) سبقت الإشارة إليها حاشية رقم ( 35) في هذا البحث.  

و المؤذن ، عبد الرحمن في دراسته " اسهام في دراسة العلاقات بين المجتمع القروي و الدولة في المغرب في القرن التاسع عشر ، قبائل إيناون و المخزن ( 1873-1902 ) كلية الأداب ، الرباط ، ( د.د.ع) 1984 " مرقون" ؛ ذكر ذلك : بنميرة : المرجع السابق، مقدمة 33.

[13] - نفسه ج 8، ص140- 145،160 – 150

[14] نفسه، ج 8، ص 158.و "

[15] نفسه، ج 8، ص 372.و "-

[16] - نفسه، ج 5، ص 25،240.

[17] - نفسه، ج 5، ص 240، ج 11، ص 300.

[18] - نفسه، ج 10،ص 262.

[19] - نفسه، ج 1، ص 380.

[20] - المعيار،  ج 8، ص 416.

[21] - نفسه ج 5،ص 244، 8، ص 407 ؛ج  10،ص 327.

[22] - نفسه ج 8، ص 162.

[23] - نفسه ج 8، ص 415

[24] - بنميرة: المرجع السابق، ص 306.

[25] - نفسه ج 8، ص 174.

[26] - نفسه ج 8، ص 426.

[27] - نفسه ج 8، ص 402

[28] - نفسه ج 8، ص 121

[29] - نفسه ج 8، ص 150-151.

[30] - نفسه ج 8، ص 177.

[31] - نفسه ج 8، ص 176

التعليقات (0)