أضواء على الرعي و الفلاحة وأنظمتهما في المغرب الأوسط .. من خلال كتاب النوازل للونشريسي (5)

أضواء على الرعي والفلاحة وأنظمتهما في المغرب الأوسط

من خلال كتاب النوازل للونشريسي (5)

إعداد

د. متعب بن حسين القثامي

وقريب من الأعراف والعادات والتقاليد، حكم أهل المعرفة والخبرة من المختصين بأمور الفلاحة أو الرعي: وكان لهم دور بارز في تنظيم الفلاحة – وليس هذا حكراً على أهل الفلاحة أو الرعي، بل يشمل العارفين بكل شأن من شئون الحياة، فرأي هؤلاء الثقات في تخصصهم معتبر وله مكانته - فمثلاً في مسألة تتعلق بالزراعة، أجاب أحد الفقهاء " ... وأثبتوا أهل البصر بأن ذلك (أي تلف الزرع) بتوالي المطر إبان الزراعة[1]. وفي مسألة أخرى أجاب أخر: " ... إن رأى الإمام أو عدول المسلمين..."[2]. وقال: "ينظر في ذلك أهل الفلاحة... ويأخذ ما يعطيه أهل المعرفة"[3]. وقال أيضاً: " ... يخرجوا لذلك شهوداً من أهل المعرفة ليسوا مرضيين في دقينهم، بحيث تقل شهادتهم ... قال الموثوقون في وثائقهم إنهم نظروا إلى الزرع القائم، وأما أهل الفلاحة فأكثرهم عدول لا سيما بالبلد الواقع فيه النزاع ..."[4].

 ثانياً : الرعي و نظامه:

ويشتمل على محورين رئيسيين، الأول عن نظام الرعي عامةً، والأخير عن نظام الراعي وما يتعلق به.

الرعي و تربية الماشية: لا شك أن حرفة الرعي من أقدم الحرف التي مارسها البشر، ولا يكون إلا في السهول والصحاري وأطراف التجمعات السكنية. وقد احتوى الكتاب العديد من مسائل الرعي والرعاة مما كان واقعاً يعاش في الزمان والمكان محل البحث.  ومعظم مسائل هذا الباب تدور حول تعدي الماشية على المزروعات ليلاُ، والأصل في المسألة أن لا ضمان على "رب الماشية" إن أفسدت زروع الناس ليلاً، سواءً سرّحها عمداً أو خطأً[5].

أماّ إن أهملت الماشية بين الزروع والحوائط، دون راعٍ أو مع راعٍ يضيع ويفرط فربها (صاحبها) ضامن لما أفسدته[6]. ومما سبق نخلص إلى أن "سقوط الضمان فيما رعته البهائم نهاراً إنما هو في المواضع التي لا يغيب أهلها عنها، وأما إن كان الجنان مهملاً لا يأتيه أربابه إلا في أيام الجذاذ فإن الضمان لازم فيما رعته نهاراً[7].

و جاء بشأن الشراكة في بهائم فتاوى [8] منها أن أحد الفقهاء سئل عن  "الشركة في البهائم؟" فأجاب: الشركة في البهائم جائزة، وهي على أقسام:

1- أن يقول خذ بهيمتي على أن تخدمها مدة معلومة ولك جزء معلوم، وهي بدورها على ثلاثة أحوال: الأولى: أن يقول له خذ هذا الجزء من الأن وتصرف فيه كيف تشاء. الثانية: أن لا يتصرف فيه إلا بعد انقضاء المدة. الثالثة: أن يقول لا شيء لك إلا بعد أن انقضاء المدة. فالأول جائز بشروط. والثاني فاسد للتجحير.

2- أن يبيع له جزءاً من البهيمة على أن يخدم له الباقي فذلك جائز بشروط.

3- أن يبيع له جزء بقرة أو شاة أو ناقة، على أن يكون الخلف للمشتري، ويدفع مع الرب البقرة والشاة جزءاً معلوماً من السمن والزبد، فلا يخلو ذلك من أن يكون في ذمته أو من غير الزبد الذي يخرج من البقرة أو الشاة فإن كان الأول فلا خلاف في فساد العقد، وإن كان الثاني فلا يخلو من أن يكون باين اللبن في البقرة أو في الشاة، ثم لا يخلو أن يكون ما يخرج من الزبد معلوماً بالعادة.

الراعي و نظامه: يحوي الكتاب العديد من مسائل الراعي والرعاة. يتبين منها أن الرعي كان حرفةً مهمة، ولا يستغني الناس عن الراعي لرعاية ماشيتهم. وللراعي حقوق، ومواصفات، وعليه واجبات، إن أخل بها تحمل مسئولية ما يقع منه، أو ما يفسد بسببه. فإن فرط الراعي في رعيته أو نام عنها، اضمن كل ما أفسدته. إلا أن يشذ من البهائم ما لا يستطيع رده، أو إن انشغل به ضيع غيره من القطيع، فلا ضمان عليه [9]. وسئل أحدهم عن الراعي يوكل غيره، وهو مثله في الكفاية فيضيع شيء من الغنم؟ و كيف إن لم يكن الموكل كفءً مثل من وكله؟ فأجاب: إذا لم يوكل الراعي غيره – كفءً كان أم لا – فهو ضامن لما ضاع منها، لأنه تعدى. أما إن وكل كفءً فليس على الراعي الأول ضمان [10].

وسئل أخر" ... عن راعي بقر، دفعها إلى غيره بغير إذن أهلها، فرعاها يوماً، فلما كان أخر الشهر ذهب الراعي إلى البقر فقبضها من الأخر الذي رعاها، فضاع منها بقرة، فقال الراعي "إنما ضاعت بعد أن قبضتها، وقال صاحبها إنما ضاعت عند الذي رعاها لك، وقد تعديت، فأجاب: إن قامت لصاحبها بينة أنها  ذهبت عند الأخر، فالأول ضامن، وإلا حلف الراعي الأول بالله لقد ضاعت عندي بغير تضييع، فإذا حلف لم يضمن [11].

وقد يجتمع أهل القرية من أصحاب المواشي، ويتقسمون مهمة الرعي، فيرعى كل واحد منهم يوماً [12]. ويعتبر الراعي مفرطاً إذا خرجت الماشية إلى المرعى وتأخر هو بعدها. فلو فقد منها شيء فهو ضامن، لأنه تفريط منه [13]. وبعض الرعاة ماهر في عمله، ويعرف المواشي التي يأخذها للمرع بأعيانها، ويعرف لمن هي، إذا كان يرعى لجماعة من الناس [14].

ويتفق الراعي مع أصحاب المواشي ليرعاها مدة محدودة، قد تكون قصيرة شهراً مثلاً، أو مدة طويلة (تمتد إلى سنوات). وربما باع أحدهم نصف غنمه لمن يقوم برعاية النصف الأخر المتبقي له، أو حراستها. وكان للجزارين راعي يرعى بهائمهم، حتى إذا غدت جاهزة للذبح، ذبحوها وباعوا لحومها. وليس من حق الراعي أن يأخذ من منتجات الماشية، من الحليب ومشتقاته إلا بإذن أصحابها، وإن أخذ بدون علمهم، فسخت الاجارة، وضمن الراعي قيمة ما استهلك من الحليب أو السمن أو الزبد [15].

ويساعد الراعي في عمله الحارس (الحارز) والقائد. فالأول يتولى حراسة الغنم ليلاً، وليس من عمله أن يرعاها نهاراً فمسئوليته تنتهي بتسليمها للراعي في الصباح، وتبدأ باستلامها منه مساءً. وكانت عادتهم أن توضع الماشية في (شبكة) ليلاً ليضمنوا عدم تحركها في الليل، لأن بعض البهائم، قد ترعى في الليل، خاصة إذا كان النهار حاراً. وربما تفتقت الشبكة، وخرجت الماشية فأفسدت ما حولها من الزروع [16].

وكان متعارفاً عليه عندهم الرعي ليلاً، حيث يخرج الراعي بالماشية في الليل إلى المراعي، ويبدو أن هذا لا يتم إلا في الليالي المقمرة، وفي فصل الصيف، حيث يكون الجو لطيفاً، فتشتهي الماشية المرعى، بعكس النهار الذي تشتد فيه الشمس، وتواجه الكائنات الحية صعوبة في السير والتنقل والأكل. جاء في أحدى الفتاوي ما نصه: "... أجراء القرية يرعون بقرها على الدولة (أي بالتناوب) بالليل، كل واحد منهم ليلة. فطرقت البقر زرع إنسان فأفسدته، على من الغرم؟ فأجاب: إذا فرط الراعي وغفل فالغرم عليه، وإن سبقته وقهرته وعُلم ذلك فالغرم على أربابها [17].

وعلى الراعي أن يرفق بالماشية، ولا يتسبب في إيذائها، فلو رماها – مثلاً - بعصى أو حجر فتسبب في نفوقها فهو ضامن. أما " ... إن رمى بناحية عن الغنم فارتفعت العصى من الأرض أو الحجر أو نفرت الشاة أو البقرة فوقعت في مهوات فانكسرت أو ماتت فلا ضمان عليه [18].

وإذا كانت القرية محاطة بالزروع والبساتين متصلةُ بها، بحيث إن من يخرج ماشيته ويتركها بدون راعٍ لا بد أن ترتع في تلك الزروع، فيؤمر صاحب الماشية بأن يتخذ له راعياً أو حارساً ليمنعها من إيذاء الزروع و البساتين. بل قد يصل الأمر إلى تأديب صاحب الماشية على افراطه واهماله [19]. وكل نوع من "الماشية" يمكن أن يكون لها راعٍ مستقل، فهناك راعٍ للغنم، وثانٍ للبقر، وثالثٍ للإبل، ورابع للخيل[20].

أضواء على الرعي والفلاحة وأنظمتهما في المغرب الأوسط .. من خلال كتاب النوازل للونشريسي (6)


[1] - نفسه، ج 8، ص 370

[2] - نفسه، ج 8، ص 140

[3] - نفسه، ج 8، ص 141-140.

[4] - نفسه، ج 8، ص 400.

[5] - المعيار : ج 3، ص 362، ج 8، ص 338.

[6] - نفسه ج 8، ص 338.

[7] - نفسه، ج 3، ص 362، ج 8، ص 338.

[8] - نفسه ج 8، ص 159.

[9] - نفسه ج 8، ص 335،338 .

[10] - نفسه ج 8، ص 331.

[11] - نفسه ج 8، ص 338.

[12] - نفسه ج 8، ص 341.

[13] - نفسه ج 8، ص 341

[14] - نفسه ج 8، ص 341 .

[15] - نفسه ج 5،ص 26-25، 430، ج 8 ، ص 260.

[16] - نفسه ج 3،ص 362، ج 8 ،ص 337.

[17] - نفسه ج 8، ص 339

[18] - نفسه ج 8، ص 339

[19] - نفسه ج 3، ص 362-361. ج 8، ص 33

[20] - نفسه ج 3، ص 361.

التعليقات (0)